لبنان في صدارة التلوّث إقليمياً… وثالث عالمياً (الديار 10 حزيران)

تصدّر لبنان قائمة الدول العربية الأكثر تلوثا، وحل في المرتبة الثالثة عالميا، بحسب مؤشر التلوث الصادر عن منصة Numbeo لعام 2026 ، مسجلا 89.3 نقطة، ومتقدما على معظم دول المنطقة.
هذا التصنيف أثار اهتماما واسعا في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وأثار قلق المواطنين، في بلد يعاني اساسا أزمات بيئية متراكمة، فضلا عن تداعيات الحروب الإسرائيلية على البيئة.
وبحسب البيانات نفسها، سجلت بيروت 93.7 نقطة، ما وضعها ضمن أكثر المدن تلوثا في العالم، في حين بلغت نسبة عدم الرضا عن إدارة النفايات 85.2%، وتلوث المياه 80.2%، وتلوث الهواء 77.5%، فيما تراجعت جودة الحدائق والمساحات الخضراء إلى مستوى متدنٍ للغاية، لم يتجاوز 17.9 نقطة.
هذه الأرقام مرعبة وخطيرة، لكن قبل التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حقائق علمية مطلقة، يبرز سؤال أساسي حول مدى صدقية هذا المؤشر؟ وهل يمكن الاعتماد عليه لتقييم الواقع البيئي في لبنان؟
غياب القياس العلمي الميداني
وزيرة البيئة تمارا الزين أشارت لـ”الديار” إلى أن الوزارة “أوضحت مرارا أن هذا التصنيف لا يعد مؤشرا علميا بالمعنى الدقيق، إذ يستند أساسا إلى تفاعل المستخدمين وآرائهم عبر “الإنترنت”، ما يجعله أقرب إلى قياس الإدراك العام للتلوث، أكثر من كونه قياساً لمستوياته الفعلية” .
وتوضح أن “هذا النوع من المؤشرات، يعكس كيفية إدراك المواطنين للواقع البيئي، ومدى استعدادهم للتعبير عن انتقاداتهم، لكنه في الوقت نفسه قد يتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية، مثل هامش حرية التعبير والوعي البيئي، فكلما ارتفع الوعي ازدادت حساسية الأفراد تجاه مظاهر التلوث، وارتفعت معدلات التقييم السلبي”.
وترى أن “تفسير نتائج تعتمد على منهجية التعهيد الجماعي “Crowd Sourcing” الذي يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على البعد البيئي، بل تشمل أيضاً علم الاجتماع لفهم دوافع المشاركين وسلوكهم في التقييم”.
وتشدد على أن “أي مؤشر علمي موثوق، يجب أن يستند إلى بيانات ميدانية دقيقة وقابلة للتحقق”، لافتة إلى أن “لبنان لا يملك حتى اليوم شبكة وطنية متكاملة لرصد جودة الهواء، تسمح بإجراء مقارنات علمية دقيقة مع دول ومدن أخرى. وبالتالي، فإن المقارنات مع مدن كبرى مثل القاهرة أو طهران، تبقى غير دقيقة علميا في غياب قياسات موحدة”.
وتضيف أن “المقارنة العلمية الحقيقية، لا يمكن أن تتم إلا عبر مؤشرات معتمدة، مثل مؤشر جودة الهواء Air Quality Index ، الذي يسمح بتقييم مستويات التلوث على أسس موحدة وموضوعية، أما الاستناد إلى بيانات قائمة على مساهمات المستخدمين وآرائهم، فلا يكفي للقول إن لبنان يتصدر الدول الأكثر تلوثا”.
شبكة رصد جديدة
وصلاحيات وزارة البيئة
وكشفت الزين أن “تجهيزات محطات رصد جودة الهواء بدأت بالوصول إلى لبنان”، مشيرة إلى أن المشروع تأخر نحو شهرين، نتيجة الظروف الأمنية والعدوان الاسرائيلي الذي تشهده البلاد” وأوضحت أن “هذه المحطات ستغطي في مرحلتها الأولى مدينة بيروت، على أن تشكل نقطة انطلاق لشبكة وطنية لرصد التلوث”.
وفي ما يتعلق بمصادر التلوث، تؤكد أنها “معروفة وواضحة، وفي مقدمتها مولدات الكهرباء الخاصة ووسائل النقل”، واشارت إلى “وجود التباس لدى الرأي العام بشأن صلاحيات وزارة البيئة”، موضحة أن “دور الوزارة يقتصر على وضع السياسات البيئية العامة، وإعداد الخطط وخارطة الطريق للحد من الانبعاثات، فيما يعود تنفيذ هذه السياسات إلى الوزارات والجهات المعنية الأخرى”.
الكلفة الاقتصادية للتلوث
كلفة التلوث في لبنان لا تقتصر على الأثر البيئي والصحي المباشر، بل تمتد لتشكل عبئا اقتصاديا كبير على الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق أشار خبير اقتصادي، فضل عدم الكشف عن اسمه، إلى أن “الكلفة الإجمالية للتلوث تتجاوز مليار دولار سنويا، تشمل النفقات الصحية المباشرة وغير المباشرة، ولا سيما تلك المرتبطة بالأمراض المزمنة والسرطانية، التي تقدر بعشرات ملايين الدولارات شهريا”.
ويؤكد أن “هذه الأعباء تنعكس مباشرة على المواطنين، سواء عبر الضغط على النظام الصحي أو تراجع جودة الحياة وارتفاع المخاطر الصحية، ما يجعل ملف التلوث قضية اقتصادية وصحية واجتماعية متكاملة تتجاوز الإطار البيئي الضيق”.



