معضلة الاعتراف بـ6 مليار دولار (نداء الوطن 8 حزيران)

حتى الآن، لا تبدو الحكومة بمعظم مكوناتها راغبة في استعادة مشروع قانون الانتظام المالي (الفجوة)، لتصحيح الثغرات والاخطاء النافرة التي وردت فيه. وقد جرت محاولات في هذا الاتجاه، لكن الوزراء الذين تمّت مفاتحتهم بالأمر، ومع اعترافهم بالتشوهات القائمة في المشروع، اعتبروا ان لا حاجة لمثل هذه الخطوة، طالما ان القانون سيعود لاحقاً الى مجلس النواب، وقد يخضع من جديد لمجموعة من التعديلات. وهذا الموقف يتمسّك به أيضا رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يتصرّف على أساس ان هذا الملف أصبح من صلاحية النواب.
عملياً، هناك مجموعة من النقاط العالقة في هذا المشروع، وتحتاج مقاربتها من قبل النواب، الى توضيحات لئلا تتحوّل الى “حفلة” مزايدات تهدف الى الفوز بأكبر قدر من التصفيق الشعبي، ولو على حساب الواقعية والعدالة والمصلحة العامة، ومن ضمنها مصلحة من صفق، وهو لا يدري (بعضهم يدري) أنه يصفّق لـ”خراب البصرة”.
النقطة الأكثر حساسية، تلك المتعلقة بدفع مئة ألف دولار نقداً لكل المودعين. وقد صار معروفاً ان النقاش يدور حول ما دُفع حتى اليوم على التعميمين 158 و166، وقد وصل مجموعه الى اكثر من 6 مليارات دولار. وما ورد سابقاً على لسان رئيس الحكومة ووزير المالية ووزير الاقتصاد، كان يشير الى أن هذه المبالغ لن تُحسم من أصل مبلغ المئة ألف دولار. هذا الأمر رفضه مصرف لبنان، ورفضته المصارف. سبب الرفض لا يتعلق بالحرص على مبدأ المساواة بين المودعين فحسب، ولا بكيفية التعاطي مع تعميمين قضت فلسفة إصدارهما، بأنها بداية لعملية إعادة الودائع، بل أيضاً بضرورة اعتماد واقعية تتيح التنفيذ، ولا تؤدّي الى خلل يحرم قسماً كبيراً من المودعين من حقوقهم.
هذا الواقع لا ينبغي أن يعرفه النواب فقط، بل أيضاً يجب أن يتمّ إطلاع المودعين على تداعياته، لأن ذلك يساعد في اتخاذ القرار العادل. عدم احتساب المبالغ التي دُفعت حتى اليوم، يعني نسف المشروع، والعجز عن دفع المئة ألف، وسينسحب هذا العجز على بقية الودائع التي سيتمّ دفعها بواسطة سندات.
في كل الأحوال، لا يوجد نص في مشروع القانون يحدّد كيفية التعاطي مع هذا الأمر، لكن المشكلة ظهرت من خلال التصريحات، في الفترة الأولى. اليوم، ومن خلال المواقف المنقولة عن السراي والوزراء المعنيين، اقتنع هؤلاء بضرورة حسم المبالغ المدفوعة للمودعين وفق التعميمين.
لكن المشكلة لا تزال قائمة. ففي المجالس الخاصة، بدأ يُسمع كلام نيابي من نوع: اذا كانت الحكومة مُقتنعة بضرورة حسم مبالغ التعميمين، لماذا لا تسحب المشروع وتضمّنه نصاً واضحاً في هذا الشأن، أم ان المطلوب هو ان تلعب الحكومة دور الـgood cop وأن تترك للنواب دور الـbad cop؟
في عقلية من هذا النوع، وفي ظل تقاذّف المسؤوليات، يصعب التعويل على انجازات تسمح بوضع حدٍ لانهيار مستمر منذ أكثر من ست سنوات.



