أخبار لبنانابرز الاخبار

ملف “قنب بعلبك-الهرمل”… تعيين مكية يثير هواجس الإقصاء الميثاقي ويلوّح بانتفاضة اجتماعية في البقاع

لم يكن ينقص المشهد اللبناني المثقل بالعدوان الإسرائيلي، والمفاوضات في واشنطن، وأزمة النزوح، والتعقيدات السياسية المصيرية، إلا تفجير لغم “الهيئة الناظمة لزراعة القنب الهندي”.

خطوة مجلس الوزراء الأخيرة بتكليف الأمين العام للمجلس، القاضي محمود مكية، بمهام المدير العام للهيئة وتسيير أعمالها إلى حين تعيين أصيل، لم تمرّ بسلاسة، بل فتحت الباب على جملة من التساؤلات القانونية والميثاقية، وأثارت موجة عارمة من الاستياء والرفض في الأوساط السياسية والشعبية، تحديداً في بعلبك – الهرمل المعنية الأولى بهذه الزراعة.

قفزة فوق الأصول: كيف يُعيّن مديرٌ لهيئة بلا مراسيم؟

في الشق القانوني، توقفت مصادر حقوقية ومتابعة للملف عند ما وصفته بـ”المفارقة الفاقعة”. وتساءلت: “على أي أساس يتم تكليف مدير عام لهيئة لم تبصر مراسيمها التطبيقية—الإدارية والمالية والفنية—النور بعد”؟

وتشير المصادر إلى أن ” غياب الصلاحيات المحددة بمرسوم يضع خطوة الحكومة في خانة تجاوز الآليات القانونية المعتمدة”. والمفارقة الكبرى – بحسب المتابعين – أن الجهة الموكل إليها السهر على تطبيق القانون (الأمانة العامة لمجلس الوزراء) هي نفسها التي تولّت المسؤولية قبل اكتمال الهيكل القانوني للهيئة.

في المقابل، وفي خطوة لتأمين التوازن، تدرج أوساط قريبة من رئاسة الحكومة هذا الإجراء في إطار “حماية الهيئة من الشلل الإداري التام”، معتبرة أن تكليف القاضي مكية تدبير موقت فرضته الضرورة القصوى لتسيير المرفق العام وضبط الملف، ولا يحمل أي أبعاد لإقصاء أي مكون أو تكريس عرف طائفي جديد.

بعلبك-الهرمل: من وعود “البديل الشرعي” إلى واقع الكساد والسوق السوداء

اجتماعياً، نزل الخبر كالصاعقة على مزارعي منطقة بعلبك-الهرمل. وتنقل فاعليات بقاعية حالة من الامتعاض الشديد؛ فالقانون جرى تسويقه في الأصل ليكون بديلاً شرعياً ينقل المنطقة من واقع “اللا-قانون” والملاحقات، إلى إطار طبي وصناعي منظم ينهي أزمة آلاف المطلوبين لعدم توفر بدائل تنموية منذ عقود.

اليوم، يسأل المزارعون والأحزاب في المنطقة: “على أيّ أساس زرعنا موسماً جديداً، طالما أن محصول السنة الماضية لم يُصرف، والتشريع لم يُترجم فعلياً، وأزمة المطلوبين لم تُحلّ؟”.

ومع بقاء الهيئة مشلولة وغياب المراسيم، تكشف مصادر ميدانية في المنطقة أن المزارع بات متروكاً لمصيره؛ فالإنتاج الحالي يواجه خطر التلف والكساد، مما يضطر البعض تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى تصريف المحصول في “السوق السوداء” بذات الطرق التقليدية القديمة وتحت أعين الأجهزة الأمنية، وكأن التشريع لم يكن.

هذا الواقع فجّر شعوراً مزمناً بالغبن والإقصاء، حيث تعلو الأصوات في الشارع البقاعيّ مستنكرة ما تصفه بسياسة “الاستبعاد الممنهج”، معتبرين أن حصر دور أبناء المنطقة في محطات التضحية، القتال، وصناديق الاقتراع، مقابل إلغاء حضورهم واستباحة حقوقهم عند توزيع التعيينات الإدارية الوازنة، هو أمر لن يمرّ مرور الكرام، وسط تحذيرات جديّة من أوساط محلّية بأن المنطقة تتحضر لثورة وتحركات تصعيدية غير مسبوقة.

يترافق ذلك مع عتب ونقمة في الأوساط المواكبة جراء أداء بعض الأعضاء المعينين سابقاً (بين متفرغ وغير متفرغ)، والذين يتقاضون رواتب ومخصصات مرتفعة دون تحقيق أيّ إنتاجية ملموسة تخدم الملف أو المنطقة.

هواجس “العُرف” والتوازنات: ماذا جرى داخل الجلسة؟

أبعد من الشق الإداري، يتّخذ الملف أبعاداً ميثاقية حسّاسة. وتؤكد أوساط سياسية مواكبة أن هذا الموقع يُعتبر عُرفاً من حصة الطائفة الشيعية، وتكليف القاضي مكية (المقرب من رئيس الحكومة نواف سلام) فتح الباب أمام قراءات سياسية متعددة، إذ ترى مصادر متابعة أن القرار جاء بتنسيق مباشر وخلفيّة واضحة من رئيس الحكومة سلام للسيطرة على هذا الملف، مستغلاً “الوقت الضائع” لتمرير خطوة غير بريئة قد تؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي في مرحلة هي الأخطر في تاريخ لبنان.

ويضع هذا الطرح علامات استفهام كبرى حول موقف الوزراء الشيعة الذين حضروا الجلسة، وتساءلت مصادر سياسية وزراعية: “هل مرّ القرار دون اعتراضهم، أم أنهم لم يكونوا على بينة من هذه الإجراء؟ في حين لم يصدر عن الرئيس نبيه بري أي موقف علني حتى الساعة، وسط ترقب الأوساط السياسية لما يمكن أن مناورة أم تمهيداً لرد حاسم.

في المحصلة تجمع القراءات التقاطعية للمشهد على أن إقحام هذا الملف الشائك في هذه الظروف الاستثنائية والمفصلية هو أشبه بمغامرة غير محسوبة النتائج. وتتجه الأنظار في الأيام المقبلة إلى ما ستؤول إليه الاتصالات السياسية، لمعرفة ما إذا كان قرار التكليف سيمر، أم أن جبهة الاعتراض القانونية والشعبية في البقاع كفيلة بإبطاله وإعادة الملف إلى مربع البحث الميثاقي.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى