كيف أحبط “حزب الله” وترامب استراتيجية إسرائيل في لبنان؟ (الجمهورية 3 حزيران)

عندما حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، يوم الاثنين، من أنّ سلاح الجو سيقصف قريباً ضواحي بيروت، لم يكن ذلك مجرّد تهديد بتصعيد الحرب المستمرة منذ 3 أشهر بين إسرائيل و”حزب الله”، الميليشيا المدعومة من إيران والمهيمنة على لبنان. بل كان اعترافاً بأنّ استراتيجية إسرائيل في تلك المواجهة لا تحقق أهدافها كما هو مأمول.
عندما تراجعت إسرائيل عن ذلك التهديد بعد ساعات قليلة، أبرز القرار إلى أي مدى وُضعت في زاوية ضيّقة، عالقة بين الضغوط الداخلية المطالِبة بضرب “حزب الله” بقوّة، والضغوط الأميركية الرامية إلى تقييد هجماتها في لبنان.
كانت الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على السيطرة على أراضٍ داخل لبنان لتشكيل منطقة عازلة واقية، ودفع “حزب الله” إلى ما وراء مدى الصواريخ المضادة للدروع، التي لطالما استخدمها لإرهاق عشرات الآلاف من المدنيّين المقيمين في شمال إسرائيل.
لكن يبدو أنّ إسرائيل لم تكن مستعدة للاستخدام الواسع النطاق الذي اعتمده “حزب الله” للطائرات المسيّرة الانتحارية من نوع “منظور الشخص الأول” (FPV)، التي تُدار عبر كابلات ألياف ضوئية تمتد لأميال طويلة ولا تتأثر بالتشويش الإلكتروني.
ولم تتسبَّب هذه الطائرات في مقتل الجنود الإسرائيليِّين بمعدّلات تقارب ما ألحقته إسرائيل من خسائر بمقاتلي “حزب الله” والمدنيّين اللبنانيّين خلال هجومها، لكنّها تواصل، بشكل مطّرد، تعقّب الجنود والقادة الإسرائيليّين، سواء داخل لبنان أو في إسرائيل، عبر ضربات غالباً ما تكون قاتلة، وجرى توثيقها في مقاطع فيديو مروّعة ينشرها “حزب الله” على وسائل التواصل الاجتماعي. وأعلن الجيش الإسرائيلي، أنّ هجمات من هذا النوع أسفرت يوم الاثنين وحده عن مقتل جنديَّين وإصابة 10 آخرين.
وهكذا، فإنّ المواجهة التي جعلت القادة الإسرائيليّين يبدون شبه مبتهجين في آذار الماضي، وهم يرسلون دباباتهم القوية ووحدات المشاة لسحق “حزب الله”، الذي كان يبدو حينها ضعيفاً ومكشوفاً ويفتقر إلى قيادة واضحة، تحوَّلت إلى شيء مختلف تماماً. فقد أصبحت الآن نوعاً من الجمود الذي يبدو فيه “حزب الله” فجأة أكثر قدرة ممّا كان عليه عند اندلاع الحرب، فيما قد يظهر جنود الجيش الإسرائيلي في صورة العاجزين بصورة لافتة.
وأوضحت أورنا مزراحي، المسؤولة الإسرائيلية السابقة في مجال الأمن القومي ورئيسة برنامج لبنان في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: “كانت هناك استراتيجية. لكنّ الطائرات المسيّرة أحدثت قدراً من الارتباك، لأنّها كانت مفاجئة. الجيش الإسرائيلي لم يعتقد أنّها ستكون سلاحاً بهذه الخطورة. في إسرائيل كانوا ينظرون إليها كلعبة”.
ولا تمثل الطائرات المسيّرة سوى أحد التحدّيات التي تواجه إسرائيل في لبنان. أمّا التحدّي الآخر، وربما لا يقلّ إرباكاً، فهو صعوبة تلبية المطالب السياسية الداخلية المتزايدة، باتخاذ إجراءات هجومية كافية لإزالة التهديد الذي يشكّله “حزب الله” على المدنيّين الإسرائيليّين، من دون الاصطدام بالرئيس ترامب.
وبالنسبة إلى نتنياهو، الذي سيخوض الانتخابات مجدّداً بعد بضعة أشهر، فإنّ خوض حملته الانتخابية استناداً إلى سجله في الأمن القومي قد يكون محفوفاً بالمخاطر، في وقت لا يزال فيه آلاف سكان شمال إسرائيل، بمن فيهم كثير من مؤيّديه التقليديّين، إمّا يهرعون إلى الملاجئ أو لم يعودوا بعد إلى منازلهم منذ إجلائهم عنها، بحسب مايكل كوبلو، المحلل في منتدى السياسات الإسرائيلية، وهو مجموعة ضغط ليبرالية. وأضاف عن الوضع العسكري الحالي في لبنان: “إنّها ليست استراتيجية فعلاً. إنّها ضرورة سياسية تبحث عن استراتيجية”.
في الواقع، بدأت إسرائيل هذه الجولة من الحرب ضدّ “حزب الله” بوعود جريئة ومطلقة بتغيير الوضع في لبنان “مرّة وإلى الأبد”، على حدّ تعبير نتنياهو. لكنّها سرعان ما تخلّت عن تلك الطموحات الكبرى، لأنّ تحقيقها ربما كان سيتطلّب احتلال لبنان بأكمله.
ثم خفّضت سقف أهدافها أكثر في نيسان، بعدما تحرَّك ترامب لإنهاء الحرب مع إيران، ومارس ضغوطاً على إسرائيل، دعماً لتلك المفاوضات، من أجل تقييد عملياتها الهجومية ضدّ وكيل إيران في لبنان، بما في ذلك فرض حظر فعلي على قصف بيروت.
ومنذ ذلك الحين، وبعد إنشاء منطقة عازلة واسعة وتهجير مئات الآلاف من المدنيّين، بات الجيش الإسرائيلي يكتفي إلى حدّ كبير بمحاولة اقتلاع ما يقول إنّها بنية تحتية عسكرية واسعة النطاق تابعة لـ”حزب الله”.
ويرى محللون، أنّ مجرّد الاحتفاظ بمنطقة عازلة داخل لبنان، ينطوي على العديد من السلبيات. ويشرح عساف أوريون، العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي والباحث حالياً في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أنّ إسرائيل تبدو وكأنّها تنسى الدروس القاسية التي تعلّمتها بعد اجتياحها لبنان عام 1982 (وهو الاجتياح الذي ألهم إنشاء “حزب الله”).
في ذلك الوقت، أعلنت إسرائيل إقامة “منطقة أمنية” بعرض نحو 25 ميلاً شمال الحدود، أي ما يعادل تقريباً مدى صواريخ الكاتيوشا التي كان المقاتلون الفلسطينيّون في لبنان يطلقونها باتجاه إسرائيل. ولم تحاول إفراغ تلك المنطقة من سكانها كما تفعل الآن، بل تحالفت مع المسيحيّين اللبنانيّين للسيطرة على الجنوب وفرض حصار على بيروت.
وكانت إسرائيل قد وعدت بالانسحاب من لبنان خلال 48 ساعة. لكنّها بقيت هناك 18 عاماً. ويُضيف أوريون: “إنّ اختيار البقاء هناك بشكل ثابت يتعارض مع معظم الدروس التي تعلّمناها بين عامَي 1982 و2000. سياسياً، لأنّه يوفّر لـ”حزب الله” الذريعة التي يحتاجها ويعيد إحياء مفهوم المقاومة. وكذلك من الناحية العملياتية. فبمجرّد أن تتمركز في مكان ثابت، يصبح من الواضح تماماً أنّ تلك القوات ستتحوَّل إلى أهداف”.
ولذلك، ليس من المستغرب أن يضغط مسؤولون عسكريّون وحكوميّون إسرائيليّون، من أجل استئناف حملة جوية تستهدف معاقل “حزب الله” في بيروت وفي مختلف أنحاء لبنان. كما أنّ هذه الرغبة في استعادة حرّية العمل ضدّ “حزب الله” تساعد في تفسير سبب سعي إسرائيل إلى فصل الملف اللبناني عن محادثات السلام الأميركية – الإيرانية.
وأوضحت شيرا إفرون، المحلّلة الإسرائيلية لدى مؤسسة RAND: “تسمع الإسرائيليّين يقولون إنّ علينا أن نقاتل وإحدى أيدينا مقيّدة خلف ظهورنا، كما فعلنا ضدّ “حماس” بسبب الرهائن. وإننا لا نستطيع ضرب قلب بيروت، لأنّ الأميركيّين يفرضون علينا قيوداً، لكن لو استطعنا ذلك لكان “حزب الله” تحت ضغط أكبر”.
واعتبرت ساريت زهافي، رئيسة مركز ألما للأبحاث والتعليم المتخصص في الحدود الشمالية لإسرائيل، أنّ القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على إسرائيل لا تفيد سوى “حزب الله” على المدى الطويل. ورأت أنّ رفع هذه القيود لن يساعد إسرائيل فحسب، بل سيدعم أيضاً الحكومة اللبنانية التي أوضحت أنّها تريد نزع سلاح “حزب الله” لكنّها لم تُظهر قدرتها على تحقيق ذلك.
وأضافت: “إذا كنت تتحرَّك فقط حتى الخط الأصفر، ولا تضرب القلب النابض لـ”حزب الله” في بيروت، ولا تستهدف طرق التهريب ومرافق تصنيع الأسلحة في البقاع، ولا القادة والمسؤولين، فإنّ النتيجة هي أنك تدخل في لعبة القط والفأر. لن تنهي هذا الأمر. وجميعنا يريد إنهاءه”.
في المقابل، طرحت إفرون وجهة نظر معاكسة، معتبرةً أنّ اتفاقاً أميركياً – إيرانياً يتضمّن وقفاً حقيقياً ومتبادلاً لإطلاق النار في لبنان، قد يكون أفضل من الوضع الحالي، الذي يبدو فيه الجنود الإسرائيليّون “أهدافاً سهلة” عندما لا يكونون “يدمّرون القرى”، بينما يلوح خطر “احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان” بصورة أكبر يوماً بعد يوم.
وأضافت: “إذا كان الاتفاق سيقيّد حركة “حزب الله” ويقلّص الوجود الإسرائيلي في المنطقة العازلة – ليس إلى الصفر، لكن ربما إلى ما يقارب التلال الخمس التي كانت تسيطر عليها قبل الحرب – فأعتقد أنّه سيكون في مصلحة إسرائيل. ولا يساورني شك في أنّ هناك أشخاصاً داخل المؤسسة العسكرية يأملون في ذلك، حتى لو لم يعترفوا بذلك أبداً”.



