العودة إلى ما قبل تهديد الضاحية تكشف المستور (الجمهورية 3 حزيران)

لم يتأخّر كثيراً الوقت قبل أن يتضح أنّ النسخة الجديدة من وقف إطلاق النار لا ترقى إلى مستوى الطموحات الرسمية والشعبية، وانّ مفاعيلها لا تغطي كل الأراضي اللبنانية، بل تقتصر على الضاحية الجنوبية لبيروت. فانكشف بذلك المستور، وبقي الجنوب معلّقاً بما ستؤول إليه المفاوضات مع طهران أو مع بيروت.
إذا كان الطابع الاستعراضي لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار بين «حزب الله» و»إسرائيل» قد غلّب الشكل على المضمون، وترك مساحة للالتباس والاجتهاد في تفسير القرار، فقد أتت الوقائع الميدانية لتكشف حقيقة ما أدلى به ترامب وحجمه، بعيداً من مؤثرات الإخراج الهوليوودي الذي يبرع فيه ويستحوذ على كثير من اهتمامه.
وقد وصل ترامب بلعبة التسويق والتشويق الإعلاميين التي يدمنها، إلى درجة التصريح بأنّه أجرى «اتصالاً جيداً» بـ»حزب الله» عبر ممثلين رفيعي المستوى، حتى كاد يبدو لوهلة، وسيطاً بين نتنياهو والحزب المدرج على لوائح الإرهاب الأميركية!
لكن كلام الليل سرعان ما محاه النهار، الذي حمل معه استمراراً في الاعتداءات الإسرائيلية على المدن والبلدات الجنوبية، ليتبين أنّ الاتفاق محصور، وفق المفهومين الإسرائيلي والأميركي له، بتحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية، في مقابل عدم استهداف «حزب الله» لشمال فلسطين المحتلة، من دون أن تشمل مفاعيله مسرح المواجهات الأساسية في الجنوب.
وبذلك، تمخّض جبل الاتفاق على وقف النار فولّد فأر الخفض الاستنسابي والنسبي للتصعيد، بحيث عادت الأمور إلى ما كانت عليه أصلاً، قبل تهديد نتنياهو بقصف الضاحية، من انتهاكات للهدنة الممدّد لها 45 يوماً مع تحييد العاصمة وضاحيتها، فيكون الرئيس الأميركي قد باع لبنان من كيسه وفسّر الماء بعد جهدٍ بالماء!
وبقاء الجبهة مشتعلة في الجنوب يُبقي كل الاحتمالات واردة في أي وقت. إذ إنّ احداً لا يمكنه أن يضمن ضبط المواجهات على إيقاع منتظم، وأي تطور ميداني قد يجد فيه نتنياهو ذريعة لمعاودة الجنوح نحو تصعيد كبير. وبالتالي، ليس معروفاً كم يمكن أن تصمد معادلة استثناء الضاحية والمستوطنات من القصف في ظلّ بيئة ميدانية وسياسية هشة.
وهكذا، فإنّ مصير الوقف الشامل لإطلاق النار عاد ليرتبط عملياً بمسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، وما يمكن أن يؤول اليه خلال الأيام المقبلة، على وقع إبلاغ رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، انّه «إذا توصلنا إلى اتفاق لإنهاء الحرب بين إيران وأميركا فسيتضمن وقف الهجمات في جميع الجبهات، وخصوصاً في لبنان»، مؤكّداً انّ إيران عازمة على تحقيق وقف إطلاق النار في جميع أنحاء لبنان، وخصوصاً في الجنوب.
أما المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي استؤنفت أمس في واشنطن على المستوى السياسي، فهي نظرياً أمام فرصة للبناء على نواة وقف إطلاق النار المعلن، وبالتالي تطويره في اتجاه تعميمه على كل الأراضي اللبنانية. وهذا هو موقف الوفد اللبناني المفاوض، الذي لا يزال منذ انتدابه يراوح في المربّع الأول، مطالباً بتثبيت وقف شامل لإطلاق النار، قبل البحث في أي ملف الآخر، وهو الامر الذي لا يزال الجانب الإسرائيلي يرفضه.
وغالب الظن، أنّ نتنياهو الذي تعرّض لانتقادات شديدة من أوساط إسرائيلية بسبب تراجعه عن قصف الضاحية تجاوباً مع «إملاءات ترامب»، وظهوره راضخاً لوصاية الرئيس الأميركي.. لن يتقبّل في هذا الظرف التهدئة الكاملة التي ستزيد من إحراجه في الداخل، بل هو سيواصل على الأرجح المواجهة في الجنوب، مع احتمال تنفيذ عمليات موضعية خارجه، ربطاً بحساباته السياسية والانتخابية بالدرجة الاولى، إلى حين أن يطلب منه ترامب مجدداً التقيّد التام بوقف النار، بعدما ينجز اتفاق الإطار مع طهران.
والظاهر أنّ «حزب الله» سيعطي وقتاً قصيراً لمحاولات إلزام تل أبيب بالوقف الشامل لإطلاق النار، وفق فهمه للاتفاق الذي أفرزته اتصالات الكواليس الديبلوماسية، والّا فإنّ معادلة «تحييد المستوطنات في مقابل تحييد الضاحية» ستتداعى.



