أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص – الشّركات اللبنانيّة في عَيْنِ العاصِفَة دائماً: تاريخٌ من الاضطراب يجعل إدارة الأعمال شبه مُستحيلة

-الدكتور جورج نجم

في الفكر الاقتصادي والإداري الكلاسيكي، يُنظَر إلى إنشاء الشركات بوصفه الأداة الأساسية لخلق القيمة الاقتصادية وتحقيق الربحية. فكما يشير الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر، يقوم دور رائد الأعمال أساساً على الابتكار وخلق القيمة من خلال النشاط الاقتصادي (Schumpeter, 1942)، بينما يرى مايكل بورتر أن الهدف الجوهري للمؤسسة هو تحقيق ميزة تنافسية تمكّنها من خلق قيمة اقتصادية مستدامة (Porter, 1985). غير أن هذه القاعدة الأساسية للاقتصاد الرأسمالي لا تنطبق أبداً على الحالة اللبنانية، حيث يصبح الهدف الأول للمؤسسات ليس تعظيم الربحية، بل ببساطة البقاء على قيد الحياة. ففي لبنان، تسبق مسألة الصمود والاستمرار أي حديث عن خلق القيمة، بينما تأتي الربحية — إن أتت — في مرتبة لاحقة.

لبنان حالة فريدة في الشرق الأوسط، بل ربما في العالم أجمع. فمن جهة، يمتلك واحداً من أعرق وأكثر القطاعات الخاصة ديناميكية في المنطقة، ومن جهة أخرى يعمل في واحدة من أكثر البيئات السياسية اضطراباً وتقلباً في العالم. وبين هذين الواقعين المتناقضين، تجد الشركات اللبنانية نفسها مضطرة للعمل في ظروف استثنائية، حيث تتحول إدارة الأعمال إلى عملية يومية من التكيّف والصمود.

في نظريات الإدارة الحديثة يُستخدم مفهوم VUCA لوصف البيئات التي تتسم بدرجة عالية من التقلب (Volatility)، وعدم اليقين (Uncertainty)، والتعقيد (Complexity)، والغموض (Ambiguity). وقد ظهر هذا المفهوم في الدراسات الاستراتيجية لوصف البيئات التي يصعب التنبؤ بتطوراتها (Bennett & Lemoine, 2014). وإذا كان هذا المفهوم يُستخدم عادة لوصف بيئات الأعمال المضطربة، فإن لبنان يمثل حالة شبه نموذجية لهذا النوع من البيئات. ففيه تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل دائم، ما يجعل الاضطراب متواصلاً وإدارة الأعمال تحدياً مستمراً.

لفهم هذا الواقع، لا بد من العودة إلى التاريخ السياسي للبنان، الذي يكشف أن عدم الاستقرار ليس ظاهرة طارئة، بل هو عنصر بنيوي في تكوين الدولة نفسها، وبالتالي في عمل بيئة الأعمال.

دولة وُلدت أصلا وسط الانقسامات

يؤكد العديد من الباحثين أن لبنان واجه صعوبات عميقة في بناء الدولة منذ نشأته. فبحسب Delatolla (2016)، هناك دول تعاني من صعوبات بنيوية في عملية بناء الدولة، ويُعد لبنان مثالاً واضحاً على هذه الحالة. كما يشير Norton (2000) إلى أن لبنان يعيش نوعاً من القلق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الدائم، بينما يرى Harris (2014) أن مشكلة التماسك الوطني تلاحق البلاد منذ نشأتها في بدايات القرن العشرين.

حتى قيام لبنان بصيغته الحديثة لم يكن موضع إجماع. ففي مرحلة تأسيس “لبنان الكبير”، كان جزء كبير من المسيحيين يؤيد استقلال لبنان، بينما فضّلت قطاعات واسعة من المسلمين الانضمام إلى كيان سوري أوسع (Delatolla, 2016). وتزيد التركيبة الطائفية المعقدة من تعقيد المشهد السياسي، ما يجعل النظام السياسي قائماً على توازن دقيق بين هذه المكونات.

نتيجة لذلك، أصبح النظام السياسي اللبناني مثالاً على ما يُعرف بالديمقراطية التوافقية، حيث تُوزَّع السلطة بين الجماعات المختلفة لضمان تمثيلها (Vaughan, 2018). غير أن هذا النموذج، رغم أنه يهدف إلى تحقيق الاستقرار، غالباً ما يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار وأزمات سياسية متكررة. وهذا تحديداً ما عاشه لبنان منذ نشأته، وما تواجهه شركاته منذ ذلك الحين

سنوات الاستقلال الأولى: “الفينيقيون الجدد” والهوية الاقتصادية للبنان

في نهاية المطاف، وُلد لبنان في الشكل الذي نعرفه اليوم. وبعد ولادته مباشرة برزت نقاشات إشكالية حول هوية لبنان السياسية والثقافية. وما يهمنا هنا أنه، إذا ما وضعنا إشكالية الهوية التي طبعت هذه المرحلة وإشكالية الاستقلال في المرحلة السابقة جانباً، فقد ظهر تيار فكري اقتصادي عُرف باسم “الفينيقيين الجدد”، وهو تيار حاول ربط الهوية اللبنانية بإرث الحضارة الفينيقية، التي عُرفت تاريخياً بمهاراتها التجارية وانفتاحها على العالم عبر البحر المتوسط. وقد رأى بعض المفكرين أن لبنان يمثل امتداداً حديثاً لهذا الإرث التجاري والاقتصادي (Harris, 2014).

قاد هذا التيار عدد من المفكرين والكتاب، من أبرزهم شارل قرم وميشال شيحا، حيث اعتبر هؤلاء أن لبنان يشكّل امتداداً حضارياً واقتصادياً للتقاليد التجارية البحرية للفينيقيين، وهي رؤية ساهمت لاحقاً في ترسيخ صورة لبنان كاقتصاد منفتح يقوم على التجارة والخدمات والقطاع الخاص (Harris, 2014; Kaufman, 2004).

وقد ساهم هذا التصور في ترسيخ صورة لبنان كبلد منفتح على التجارة الدولية والخدمات المالية والاقتصاد الحر. وفي هذا السياق نشأت ثقافة اقتصادية تقوم على المبادرة الفردية وروح ريادة الأعمال، وهو ما يفسر إلى حد كبير الدور المركزي الذي لعبه القطاع الخاص في الاقتصاد اللبناني عبر العقود (Norton, 2000).

ولا تزال البنية الاقتصادية اللبنانية حتى اليوم مدينة لهذا الفكر الليبرالي الرؤيوي الذي قاده تيار الفينيقيين الجدد. وقد تبنّى رجال وسيدات الأعمال اللبنانيون هذه الرؤية الاقتصادية المنفتحة على العالم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الطائفية، فضمّت هذه البيئة الاقتصادية رجال أعمال من مختلف الطوائف، من مسيحيين ومسلمين ودروز، وحتى من أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية التي كانت آنذاك لا تزال حاضرة ونشطة اقتصادياً.

وفي الوقت الذي انشغل فيه عامة الناس بالصراعات السياسية التي رافقت تأسيس لبنان واستقلاله، وبالجدل الحاد حول الهوية الثقافية للبلاد، كان مجتمع الأعمال يميل إلى رؤية أكثر براغماتية تقوم على التجارة والانفتاح الاقتصادي. غير أن هذه الرؤية لم تكن كافية لتجنيب البلاد التوترات السياسية العميقة التي تفاقمت بعد قيام دولة إسرائيل واندلاع الصراع العربي–الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى انقسامات عمودية داخل المجتمع اللبناني. ومع ذلك، ظل تبنّي رجال الأعمال لفكرة “الفينيقيين الجدد” دليلاً إضافياً على حجم الضغوط التاريخية والسياسية الهائلة التي كان على مجتمع الأعمال اللبناني التعامل معها منذ نشأة الدولة.

العصر الذهبي والازدهار الاقتصادي

على الرغم من التحديات السياسية، شهد لبنان في العقود التي تلت الاستقلال ازدهاراً اقتصادياً لافتاً. فقد اعتمدت البلاد نموذجاً اقتصادياً ليبرالياً يقوم إلى حد كبير على دور القطاع الخاص. وتم إلغاء العديد من القيود على التجارة، كما جرى تحرير سعر الصرف وإقرار قانون السرية المصرفية، ما ساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز النشاط الاقتصادي (Norton, 2000). وبفضل هذه السياسات، حقق لبنان نمواً اقتصادياً ملحوظاً، حتى أصبح يُعرف بـ “سويسرا الشرق الأوسط”، فيما اكتسبت بيروت لقب “باريس الشرق الأوسط”. لكن هذا الازدهار لم يكن مستقراً بالكامل. فقد بدأت التوترات الإقليمية تؤثر تدريجياً على الاستقرار الداخلي، خصوصاً مع تداعيات حرب 1967 وحرب 1973 بين إسرائيل والدول العربية، إضافة إلى أحداث أيلول الأسود في الأردن، والتي ساهمت في زيادة التوترات السياسية في المنطقة وانعكست على الاقتصاد اللبناني.

الحرب الأهلية: إدارة الأعمال وسط الفوضى

بلغت هذه التوترات ذروتها مع اندلاع الحرب عام 1975، وهي حرب استمرت خمسة عشر عاماً وغيّرت وجه البلاد بشكل جذري. وقد وصف بعض الباحثين تلك المرحلة بأنها “جمهورية الميليشيات”، حيث فقدت الدولة المركزية قدرتها على فرض سلطتها، وحلّت الفصائل المسلحة محل مؤسسات الدولة (Hudson, 1997).

في تلك المرحلة، لم تعد الشركات تتعامل مع دولة واحدة، بل مع فسيفساء معقّدة من السلطات المسلحة التي كانت تسيطر كل منها على منطقة معينة. وقد اضطر رجال الأعمال إلى التعامل مع أنظمة اقتصادية رديفة شملت أنظمة جمركية موازية، وضرائب تُفرض من قبل الميليشيات، إضافة إلى شبكات أمنية واجتماعية موازية لمؤسسات الدولة. وفي كثير من الأحيان، كان على الشركات دفع ما يشبه “رسوم الحماية” لهذه القوى المسلحة لضمان استمرار أعمالها. كما واجه الموظفون مخاطر كبيرة أثناء تنقلهم بين المناطق المختلفة، بما في ذلك خطر الاختطاف أو الاحتجاز أو القتل عند الحواجز المسلحة. وفي ظل آلاف القتلى والجرحى الذين سقطوا خلال الحرب، كان استمرار النشاط الاقتصادي بحد ذاته إنجازاً استثنائياً.

ما بعد الحرب: سلام هش وصدمات متكررة

بعد انتهاء الحرب عام 1990، دخل لبنان مرحلة إعادة الإعمار، خصوصاً في وسط بيروت الذي كان رمزاً للازدهار الاقتصادي قبل الحرب (Norton, 2000). وقد تنفّس القطاع الخاص الصعداء ظناً منه أن حقبة طويلة من الصعوبات وعدم الاستقرار قد انتهت. وقد شهدت البلاد فترة من الاستقرار النسبي عُرفت باسم “السلام السوري” (Pax Syriana). إلا أن هذا الاستقرار لم يكن دائماً. ففي التسعينيات، تعرض لبنان لعدة عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة، أبرزها عملية تصفية الحساب عام 1993 وعملية عناقيد الغضب عام 1996، والتي أدت إلى قصف مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية.

ثم جاءت مرحلة جديدة من الاضطرابات مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وهو حدث هزّ الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد. وبعد ذلك بعام واحد فقط، اندلعت حرب تموز 2006 التي أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية اللبنانية وخسائر اقتصادية فادحة. فعادت الساحة اللبنانية إلى ما كانت عليه تاريخياً: عدم استقرار دائم.

الأزمة الاقتصادية الحديثة

بلغت هذه التحديات التاريخية ذروتها مع الأزمة الاقتصادية التي انفجرت عام 2019، والتي تُعد من أسوأ الأزمات المالية في التاريخ الحديث. فقد أدى انهيار النظام المصرفي إلى تجميد ودائع الشركات والأفراد على حد سواء. ورغم أن النقاش العام ركّز غالباً على خسائر المودعين الأفراد، فإن خسائر الشركات كانت هائلة أيضاً. فقد تبخرت مدخرات المؤسسات، بما في ذلك الأموال المخصصة لتغطية تعويضات نهاية الخدمة للموظفين، ما اضطر العديد من الشركات إلى إعادة تكوين هذه المخصصات من جديد. وترافقت هذه الأزمة مع انهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، وتراجع حاد في القدرة الشرائية، إضافة إلى شلل شبه كامل في مؤسسات الدولة.

الشركات اللبنانية بين الصمود والهجرة الاقتصادية

اليوم، تأتي الحرب الإسرائيلية الجديدة، التي تتكرر تاريخياً بأسماء عملياتية مختلفة وبمستويات متفاوتة من الشدة، لتُضاف إلى هذا التاريخ الطويل من الأزمات التي حملها القطاع الخاص اللبناني على كتفيه لعقود طويلة. ففي ظل هذا الواقع، لا يكاد يوجد اليوم رجل أو سيدة أعمال لبناني لا يطرح على نفسه أسئلة وجودية يومية: كيف يمكن حماية رأس المال والأصول في بيئة شديدة التقلب؟ وكيف يمكن الاستمرار في تحمّل الأعباء التشغيلية العالية أصلا؟ وكيف يمكن الحفاظ على الوظائف التي تعتمد عليها آلاف العائلات؟ وكيف يمكن خلق قيمة اقتصادية في بيئة تبدو في كثير من الأحيان معادية للقيمة نفسها؟ إنها مجموعة من الأسئلة المصيرية التي تجعل من ممارسة النشاط الاقتصادي في لبنان تجربة شديدة القسوة، بل أشبه بكابوس دائم لإدارة الأعمال. في ظل هذا الواقع، تجد الشركات اللبنانية نفسها أمام خيارين رئيسيين: الصمود أو الهجرة الاقتصادية. وغالباً ما نتحدث في لبنان عن هجرة الأدمغة، إلا أننا يجب كذلك أن نتناول موضوع هجرة الشركات، أي هجرة رؤوس الأموال — أو ما بقي منها — وهجرة فرص العمل

لبنان: البيئة الأكثر VUCA في العالم؟

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن لبنان يمثل نموذجاً متطرفاً لبيئة VUCA. فالتقلبات السياسية المستمرة، وعدم اليقين الاقتصادي، وتعقيد النظام السياسي، وغموض المستقبل، كلها عوامل تجعل إدارة الأعمال في لبنان مهمة بالغة الصعوبة. ومع ذلك، يواصل القطاع الخاص اللبناني العمل والبقاء. وفي هذا السياق، قد يكون لبنان واحداً من أكثر البيئات الاقتصادية VUCA في العالم، وربما المثال الأكثر وضوحاً على قدرة قادة الأعمال على العمل في عين العاصفة.

إتقان فنّ البقاء: القاعدة الأولى للشركات اللبنانية

في نهاية المطاف، قد يكون أكثر ما يميّز التجربة الاقتصادية اللبنانية هو قدرتها المدهشة على الاستمرار رغم كل شيء. فمنذ نشأة الدولة، تعلّم القطاع الخاص اللبناني أن يعمل في بيئة لا تعرف الاستقرار أبدا، وأن يتخذ القرارات في ظل ضباب سياسي دائم، وأن يعيد ابتكار نفسه كلما انهارت القواعد التي كان يعمل ضمنها. ومع ذلك، لم يتوقف رجال وسيدات الأعمال في لبنان عن المحاولة، وعن إعادة بناء ما تهدّم، وعن البحث عن طرق جديدة للاستمرار. إنها تجربة اقتصادية لا تقوم على اليقين، بل على التكيّف الدائم، وعلى القدرة شبه الغريزية على الارتجال في مواجهة المجهول.

وفي هذا السياق، ربما تختصر عبارة المؤرخ الفرنسي هنري لورنس طبيعة هذا البلد أكثر من أي تحليل مطوّل، إذ يقول: «إذا كنتم تعتقدون أنكم فهمتم شيئاً عن لبنان، فذلك لأن أحداً ما قد شرحه لكم بشكل خاطئ». فحتى مع قراءة دقيقة لتاريخ لبنان، وحتى مع خبرة اقتصادية طويلة، لا يزال القطاع الخاص اللبناني عاجزاً عن فهم منطق هذا البلد بالكامل. ولذلك، لا يملك سوى أن يواصل ما أتقنه عبر العقود: الارتجال من أجل البقاء في عين العاصفة.

* دكتور في إدارة الأعمال؛ باحث في التسويق والتواصل؛ أستاذ محاضر في جامعتي EM Normandie وEM Strasbourg في فرنسا، وفي جامعة الرّوح القدس في لبنان؛ مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة نويز لإدارة العلاقات العامة (باريس – بيروت( Noise PR Firm؛ عضو تجمّع رجال وسيّدات الأعمال اللبنانيين (RDCL) 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى