أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

رحلة العودة إلى انهيار جديد( الأخبار ٢٢ نيسان)

يخلص تقييم الحالة الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بشأن تداعيات الحرب على المالية العامة في لبنان، إلى احتمال عودة «العجز المزدوج» أو «العجز التوأم» الذي يتقاطع فيه عجز المالية العامة مع عجز الحساب الجاري في آنٍ واحد، ما يضاعف الضغوط على العملة والأسعار، ويحدّ من قدرة الدولة على التمويل.

فعلى صعيد المالية العامة يُتوقّع أن تنفق الدولة أكثر مما تجبي، وعلى صعيد الحساب الجاري يظهر أن اقتصاد لبنان يستهلك دولارات تفوق ما يدخل إليه نتيجة الاعتماد المُفرط على الاستيراد مقابل ضعف الإنتاج والتصدير وانكماش مصادر التدفّقات المالية الخارجية. وفي حال استمرّ هذا الوضع ضمن الحدود الزمنية المتوقّعة، سيصبح سعر الصرف مُهدّداً بالتوازي مع زيادة في الضغوط المالية والاجتماعية، أمّا إذا طال الأمر فستتعمّق المشكلة أكثر.

يشير التقييم إلى أنّ الفائض الذي بُنيت عليه موازنة 2026 بدأ يتآكل تدريجياً، وأنّ العجز مُرشّح للعودة، في ظل موازنة لم تأخذ في الاعتبار حالات الطوارئ أو الصدمات الكبرى، ما وضع أرقام الإيرادات والنفقات على مسار معاكس تماماً للتقديرات.

تقود هذه النتيجة نحو مسارات تظهر كعوامل متداخلة تضغط على المالية العامة من جهات متعدّدة. فمن المُتوقّع أن تتراجع الإيرادات. مقارنة مع عدوان 2024، ستتكبّد الخزينة خسارة في الإيرادات تبلغ قيمتها مليون دولار يومياً، بسبب تآكل القاعدة الضريبية المرتبطة بانكماش نسبي في الاستيراد وتراجع الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة، بالإضافة إلى ركود قطاعات خدماتية أساسية مثل الاتصالات.

في المقابل، يتوسّع الإنفاق بوتيرة متسارعة وغير قابلة للضبط، ولا سيما أن الحكومة لم تخصّص اعتمادات كافية لإعادة الإعمار في الفترة السابقة، أي إنها أجّلت التزاماتها بهذا الشأن، وراكمتها فوق التزامات سابقة غير مُسدّدة وغير مُدرجة في الموازنة، ومن أبرزها دين خارجي يفوق 40 مليار دولار، ومستحقات الفيول للعراق التي تقارب 1.6 مليار دولار، وزيادات الرواتب للقطاع العام بكلفة 780 مليون دولار.

وهذا يعني أنّ الجزء الأكبر من الإنفاق الفعلي يبقى خارج الحسابات الرسمية، ما يجعل الفجوة المالية أوسع مما تظهره الأرقام. وفي ظل هذا الاختلال، تتحوّل الاستدانة إلى خيار «سهل» لتمويل الفجوة. عملياً، يراكم هذا المسار التزامات مستقبلية، بما يعيد إنتاج نموذج أعمال قائم على الدين. للمفارقة هو النموذج نفسه الذي انهار في عام 2019.

ويُضاف إلى ذلك عامل «التعثّر المؤسّسي». فإلى جانب معاناة الإدارة العامة من شغور واسع يصل إلى نحو 72%، ويبلغ 80% في بعض الفئات الأساسية، ما يُضعِف قدرتها على أداء وظائفها، خصوصاً في ما يتعلق بالجباية وإدارة الإنفاق، سُجّلت حالات واسعة من هجرة الكفاءات في القطاع العام وتعطّل الأنظمة وضعف المكننة، ما انعكس سلباً على أداء الحكومة. وكل ذلك قبل الحرب التي أدّت إلى نزوح الموظفين وتعطّل الدوائر في مناطق اقتصادية أساسية، ما يُخرِج جزءاً من النشاط من دائرة التحصيل.

هكذا سقطت فرضيات التعافي التي بُنيت عليها موازنة 2026، ومن أبرزها العجز الصفري. وتحوّلت «صدمة الحرب» إلى عامل مستمر يضغط على المالية العامة، إذ بدأت الإيرادات بالتآكل والنفقات خرجت عن السيطرة وعادت الاستدانة لتكون أداة أساسية لتمويل الدولة. هناك حقيقة واحدة في النهاية: العجز باقٍ ويتمدّد.

بواسطة
زينب بزي
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى