هل تفتح أزمة مضيق هرمز “المسار اللبناني” لعبور التجارة الخليجية؟( النهار ٢٢ نيسان)

يشكّل لبنان تاريخيا نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ليس فقط بحكم دوره التجاري، بل نتيجة موقعه الجغرافي المميز على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. هذا الموقع يضعه على تقاطع مسارات حيوية تربط الخليج العربي بأوروبا، ويمتدّ طبيعيا نحو عمق المشرق عبر سوريا والعراق، وهو ما يعطيه دورا يتجاوز حدوده الجغرافية.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، خصوصا مع اعتماد دول الخليج على الواردات الآتية من شرق آسيا وأوروبا، والتي تمر بمعظمها عبر مضيق هرمز. فالممرّ لا يشكل فقط شريانا رئيسيا لصادرات النفط، بل أيضا بوابة أساسية لدخول ما يصل إلى 80–85% من حاجات دول الخليج من السلع الأساسية، من الغذاء إلى البضائع الاستهلاكية.
إلا أن تصاعد التوترات الإقليمية وما يرافقها من مخاطر أمنية كشفت هشاشة هذا الاعتماد، إذ يؤدي أيّ تعطل في المضيق إلى اضطرابات واسعة في حركة السفن وسلاسل الإمداد، وانعكاسات مباشرة على الأسواق الخليجية. في المقابل، وعلى رغم الدور المتنامي لموانئ البحر الأحمر، ولا سيما في السعودية، تبقى قدرتها الاستيعابية محدودة مقارنة بحجم الطلب الإقليمي، فيما الاستثمارات كبيرة في تطوير البنية التحتية وتعزيز الربط اللوجيستي البري.
في هذا السياق، يبرز تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الإقليمي يقوم على الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية إلى تعزيز الشبكات البرية، وإحياء ممرات بديلة لنقل البضائع. وهذا ما يطرحه خبير اقتصادات النفط والغاز فادي جواد من خلال الدعوة إلى إنشاء “جسر بري طارئ” ينطلق من المرافئ اللبنانية لتأمين حاجات دول مجلس التعاون الخليجي.
إزالة المعوقات البيروقراطية
“المسار اللبناني” لا يُطرح بوصفه بديلا كاملا من الممرات البحرية، بل هو خيار مكمل ضمن منظومة أوسع لإعادة هندسة سلاسل الإمداد في المنطقة. ويبرز لبنان مرشحا محتملا للاضطلاع بدور لوجيستي متجدد، شرط توافر الاستقرار السياسي والقدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية فعلية.
وفي هذا الإطار، يدعو جواد الحكومة اللبنانية، في ظل تعثر بعض المسارات الإقليمية وارتفاع المخاطر على بعض الطرق البرية، إلى التحرك لتفعيل هذا الجسر باعتباره خيارا عمليا مكملا، فيما تواجه بعض الموانئ الخليجية ضغطا متزايدا نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد. ويوضح أن “موانئ مثل جدة وصلالة وصحار وخورفكان، على رغم تطورها وتحولها إلى مراكز لوجيستية رئيسية، لم تعد قادرة على تلبية كل حاجات المنطقة بمفردها”.
القدرات الحالية، وفق جواد “لا تكفي لإمداد الدول الخليجية الست بالمواد الأساسية، ما يستدعي توسيع نطاق العمل عبر مرافئ بيروت وطرابلس وصيدا، إلى جانب أيّ مرفأ لبناني قادر على استقبال الحاويات”، مشددا على “ضرورة إزالة المعوقات البيروقراطية والتعجيل في إجراءات التخليص والنقل، بما يضمن إيصال البضائع، خصوصا الغذاء والدواء، بأعلى سرعة ممكنة”.
وإذ يدعو جواد إلى “تحويل مسار السفن العالقة في المنطقة نحو المرافئ اللبنانية، تمهيدا لإعادة توزيع حمولتها برا”، يوضح أن “سلاسل الإمداد العالمية تشهد اضطرابات ملحوظة، مع تراجع كبير في حركة السفن عبر مضيق هرمز في بعض الفترات، وهو ما عجّل في انتقال مركز الثقل اللوجيستي نحو المسارات البرية”.
وانطلاقا من ذلك، يطرح مفهوم “المسار اللبناني” كآية عملية يتم تطويرها بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي، بهدف إيجاد ممر سريع لنقل الحاجات الطارئة. ويقوم هذا المسار على إجراءات استثنائية تشمل الإسراع في المعاملات الجمركية، وإعطاء الأولوية للسلع الأساسية، وتسهيل عبور الشحنات عبر الحدود بما يضمن استمرارية تدفق المواد الحيوية.
مرافئ لبنان جاهزة لتلقف المبادرة
المدير العام للنقل البري والبحري الدكتور أحمد تامر يرحب بالاقتراح، خصوصا أن مرافئ لبنان جاهزة لتلقف المبادرة، مؤكدا أن “دول الخليج تستعين حاليا بالمرافئ الأردنية والتركية والسورية، فيما يستعين العراق بمرفأ بيروت لنقل البضائع إليه برا عبر الأردن”.أما بالنسبة إلى السعودية ودول الخليج فثمة معوقات. ويشير تامر إلى أن “السعودية لا تسمح بمرور الشاحنات والبضائع الآتية من لبنان عبر أراضيها سواء كانت ترانزيت أو غيره، على خلفية اكتشاف المخدرات في فترات سابقة، وتاليا المطلوب حاليا رفع الحظر، وهو ما كنا نعمل عليه في فترة ما قبل الحرب”.
وإذ يؤكد أن “المملكة متعاونة جدا وتحرص على مصلحة لبنان وتقف إلى جانبه دائما”، يكشف أنه “كان يُفترض أن تدعو رئيس الجمهورية جوزف عون إلى السعودية لتوقيع اتفاقات نقل مشتركة، خصوصا بعدما تم تركيب أجهزة السكانر المتطورة في مرفأ بيروت”.
ويشار في هذا السياق إلى أن قطاع النقل اللبناني يضم نحو 5000 شاحنة جاهزة للعمل ضمن هذا المسار، مع إمكان انضمام شاحنات عربية وخليجية، بما يتيح تشكيل أسطول بري واسع قادر على الاستجابة السريعة.
توازيا، يحذر جواد من “المخاطر المحتملة التي قد تطال ممرات بحرية أخرى مثل باب المندب، الذي تمر عبره نحو 15% من التجارة العالمية”، مشيرا إلى أن “أي تعطيل إضافي فيه سيزيد تعقيد الأزمة ويعزز الحاجة إلى بدائل برية أكثر مرونة”.
80–85% من حاجات دول الخليج من السلع الأساسية، من الغذاء إلى البضائع الاستهلاكية، تمر عبر مضيق هرمز
15% من التجارة العالمية تمر عبر باب المندب
5000 شاحنة جاهزة للعمل مع إمكان انضمام شاحنات عربية وخليجية، بما يتيح تشكيل أسطول بري واسع قادر على الاستجابة السريعة.



