ما هي مهمات قوة “اليونيفيل” في زمن الحروب؟ (النهار ١١ تشرين الثاني)

حين قُتل الجندي الايرلندي من قوة الأمم المتحدة الموقتة العاملة في لبنان (اليونيفيل) في 15 كانون الأول 2022، لم تكن الحادثة مجرد عملية اشتباك “خاطئة” في الجنوب، بل هي مسّت قوة سلام تنتشر جنوباً منذ ما يقارب الـ45 عاما.
آنذاك، اخترقت سبع طلقات من رشاش حربي آلية تابعة للكتيبة الإيرلندية، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين.
منذ عام 1978 وقوة “اليونيفيل” تعمل لتنفيذ مهمة أساسية هي “مراقبة وقف الاعتداءات والتأكد من وصول المساعدات الانسانية الى السكان المدنيين”.
تحت هذا العنوان العريض، يمكن وضع دور “اليونيفيل” كله. اما اليوم، ومع اشتعال “طوفان الأقصى” في غزة، وعلى وقْع اشتباكات الحدود الجنوبية، وعدم اقتصار الامر على مشاركة “#حزب الله” انما أيضا ترك الساحة اللبنانية مفتوحة أمام حركة “حماس”، إنْ من خلال عقد مؤتمرات صحافية وتوجيه رسائل سياسية من ارض لبنان، وإن من خلال اطلاق صواريخ… وسط هذه الأجواء، أيّ دور لـ”اليونيفيل” في ازمنة الحروب كتلك التي نشهدها اليوم؟ وهل يقتصر الامر على رصد الانتهاكات وتسجيل التقارير ورفعها الى مجلس الامن؟
تأسيس وتعديل
عام 1978، كان عام تأسيس القوة الموقتة للأمم المتحدة العاملة في لبنان، وتحديدا في شهر آذار، حين أقر مجلس الأمن قرار انشاء “اليونيفيل” جنوبا تطبيقا للقرارين الشهيرين 425 و426 المؤرَّخين 19 آذار 1978.
كان الهدف الأساسي من وراء تأسيس او انشاء هذه القوة “تأكيد انسحاب اسرائيل من لبنان واستعادة الأمن والسلام الدوليين ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة”.
وكما أتى هذا القرار على وقْع الحروب، فان تعديل مهمة “اليونيفيل” كان دوما يأتي نتيجة تطورات عسكرية أو بعد صراع دام. من هنا، عُدّلت مهمة “اليونيفيل” ثلاث مرات. المرة الأولى عام 1982، اثر الاجتياح الاسرائيلي للبنان. المرة الثانية عام 2000 الذي كلّل الانسحاب الإسرائيلي من #جنوب لبنان. والمرة الثالثة عام 2006، اثر اندلاع “حرب تموز”.
ففي الـ2006، عزّز مجلس الامن قوة “اليونيفيل”، وقرر أن البعثة، والى جانب مهماتها السابقة، “ستراقب وقف الاعتداءات وسترافق القوى الأمنية اللبنانية وتدعمها في عملية الانتشار في جنوب لبنان”.
والى المساعدة الأمنية أو تعزيز الاستقرار، تأخذ “اليونيفيل” على عاتقها أيضا شِقّ المساعدات او المعونة، اذ كان من ابرز أدوارها، عقب “عدوان تموز 2006″، “التأكد من وصول المعونات الانسانية للمواطنين المدنيين والعودة الطوعية الآمنة للنازحين”.
فماذا بقي من كل ذلك اليوم؟ وأي دور تؤديه “اليونيفيل” جنوبا؟
أين القرار 1701؟
دخلت عملية “طوفان الأقصى” شهرها الثاني، ومرّ نحو شهر على الاشتباكات جنوبا، التي أدت، حتى الساعة، الى نزوح نحو 45 الف جنوبي من مناطق الشريط الحدودي. فأي دور لـ”اليونيفيل” في ظل ما يُسمى “قواعد الاشتباك”؟
وفق قرار انشاء “اليونيفيل”، أي القرار 425، فان المهمات واضحة، وهي “إعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة حكومة لبنان على بسط سلطتها الفعلية في المنطقة”.
من هنا، تلتزم قوة “اليونيفيل” مراكزها، ولا تتدخل إلا في حالات معينة جدا ومحدودة، مثل مساعدة الجيش اللبناني على اخلاء بعض المناطق، أو “تحرير” صحافيين محتجزين، كما حصل في الآونة الاخيرة.
ولكن، قد يغفل البعض ان ابرز مهمات “اليونيفيل” الحالية مكرّسة في القرار 1701 الذي أُقر عام 2006، والمؤرَّخ 11 آب، أي القرار الذي أُقر في عزّ عدوان “حرب تموز”. وحتى الساعة، لا تعديل له ولا إضافة لمهمات “اليونيفيل” في زمن الحروب، اذ ثمة مهمات محددة لهذه القوة، خلال أي اشتباك على الحدود في الجنوب. فعلى ماذا نص القرار 1701 تحديدا في ما يخص مهمات “اليونيفيل”؟
حُددت المهمات كالآتي: “رصد وقف الأعمال العدائية، مرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية خلال انتشارها في كل أنحاء جنوب لبنان، بما في ذلك على طول الخط الأزرق، بينما تسحب اسرائيل قواتها المسلحة من لبنان، تقديم مساعدتها لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين والعودة الطوعية والآمنة للنازحين، ومساعدة القوات المسلحة اللبنانية على اتخاذ خطوات ترمي إلى إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي عناصر مسلّحة”.
والاهم، من ضمن المهمات: “مساعدة حكومة لبنان، بناء على طلبها، في تأمين حدودها وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو الأعتدة ذات الصلة إلى لبنان من دون موافقتها”.
هكذا، بموجب هذا القرار، يُسمح لقوة “اليونيفيل” باتخاذ كل الإجراءات الضرورية في مناطق انتشار قواتها، وفق ما يقتضيه “الوضع في حدود قدراتها، لضمان عدم استخدام مناطق عملياتها لأي أنشطة عدائية من أي نوع كان، فضلا عن مقاومة المحاولات التي تهدف الى منعها بالقوة من القيام بواجباتها التي نص عليها تكليف مجلس الأمن”.
… وبعد، هل من وضوح اكثر؟! فالمهمات اكثر من محددة بالنسبة الى “اليونيفيل”، وهي لا تزال راسخة منذ ما يزيد عن 40 عاما، انما السؤال: ماذا بقي من القرار 1701، غير ما تقوم به “اليونيفيل” وتلتزمه من ضمن مهماتها؟
هذا السؤال برسم السلطة اللبنانية أولا، وبرسم من كان يريد ان يطالب مجلس النواب برفع توصية تؤكد التزام الجانب اللبناني حيثيات القرار 1701، ثم ضاع المطلب وتاهت التوصية!
يبقى ان نشير الى ان مهمات “اليونيفيل” التي عُدلت عام 2006، أُعيد تأكيدها من خلال ثلاثة قرارات لاحقة. الأول صدر عام 2017، حين دعا مجلس الأمن إلى نشر “سريع” و”دائم” للقوات المسلحة اللبنانية في جنوب لبنان والمياه الإقليمية اللبنانية، وكذلك زيادة الدعم والتنسيق مع القوات المسلحة اللبنانية. كما طلب تقديم مزيد من التقارير إلى المجلس عن أنشطة “اليونيفيل”.
القرار الثاني صدر عام 2018، وتلاه قرار ثالث عام 2019، اشارا الى ان “جهود القوات المسلحة اللبنانية واليونيفيل في إطار الحوار الاستراتيجي تركّز على نشر الفوج النموذجي التابع للقوات المسلحة اللبنانية في منطقة عمليات اليونيفيل، الى جانب وضع استراتيجية لمراحل نقل مسؤوليات قوة اليونيفيل البحرية إلى البحرية اللبنانية”.
واذا كانت “الاستراتيجية” والمهمات واضحة عند “اليونيفيل”، فان الجانب اللبناني ضائع بين القرار 1701 وحق “المقاومة” في الدفاع عن الجنوب بدلا من الجيش! ولعل المفارقة انه وبناءً على طلب الحكومة اللبنانية، يتم تجديد ولاية “اليونيفيل” سنوياً من قِبل مجلس الأمن الدولي، فيما الكثير من القرارات الدولية، وفي مقدمها القرار 1701، تائهة على وقْع الثلاثية الشهيرة: “الجيش، الشعب، والمقاومة”!



