خاص- اعتبر ان تغيير توصيف الازمة من قبل صندوق النقد انجازا… شماس يدق ناقوس الخطر: الخسائر التجارية باتت “وجودية”

كما مرّ عيدا الفطر والفصح من دون أن يتركا الأثر الاقتصادي المأمول، انقضى عيد الأضحى بدوره ليُفقد لبنان فرصة جديدة كان يُعوَّل عليها لتحريك الأسواق واستعادة جزء من النشاط التجاري، وذلك رغم تدفق عدد من المغتربين إلى البلاد لقضاء العطلة مع عائلاتهم. ومع استمرار تراكم الخسائر وتراجع المبيعات، هل ستكون المؤسسات التجارية قادرة على الصمود لفترة أطول؟ وماذا سيكون مصير هذه المؤسسات إذا أطاحت التطورات الأمنية والحرب المحتملة أيضاً بموسم الصيف؟
في هذا السياق، اعتبر الأمين العام للهيئات الاقتصادية ورئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس في حديث لموقعنا Leb Economy أن عيد الأضحى يُعدّ ثالث أهم موسم تجاري في السنة بعد موسم الصيف وعيدي الميلاد ورأس السنة، إلا أن الحركة التجارية على أرض الواقع لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات.

وقال: “قد يكون هناك تحسن طفيف مقارنة بالأسبوعين السابقين، إلا أنه لم يتجاوز نسبة 5 إلى 10%”. وأضاف أن لبنان شهد خلال عطلة العيد حركة وافدين من المغتربين اللبنانيين الذين قدموا لتمضية المناسبة مع عائلاتهم، “لكن هذا الحضور لم ينعكس إنفاقاً على القطاع التجاري، إذ لم نلمس أي انتعاش يُذكر في الأسواق”.
وأشار شماس إلى أن البضائع المعروضة حالياً في المتاجر كانت قد وصلت قبل فترة الأعياد، إلا أنها لا تزال مكدسة بسبب ضعف المبيعات وعدم القدرة على تصريف المخزون. وأضاف: “هذا الواقع يهدد جاهزيتنا لموسم الصيف، إذ لا يمكننا طلب بضائع جديدة قبل بيع المخزون الحالي”.
وعن تداعيات الخسائر المتراكمة على مختلف القطاعات الاقتصادية، أوضح شماس أن الخسائر التي كانت تُصنّف سابقاً على أنها ظرفية أو موضعية، باتت اليوم خسائر مستدامة وهيكلية، بل وأحياناً وجودية. وقال: “كل صاحب عمل يواجه التزامات تجاه موظفيه والدولة اللبنانية، لذلك طالبنا الدولة بتأجيل استحقاقات ضريبية، وتخفيف الأعباء، وتعليق المهل القانونية وإلغاء الغرامات، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من السيولة”.
ولفت إلى أن كلفة الطاقة، من نقل ومازوت وكهرباء، أصبحت تفوق في كثير من الأحيان كلفة الرواتب والأجور، ما يزيد الضغوط على المؤسسات. وأضاف أن المعادلة المالية داخل الشركات بات من شبه المستحيل معالجتها، خصوصاً أن التجار يسددون مستحقات الموردين في الخارج من دون أن يتمكنوا من تصريف بضائعهم في السوق المحلية.
واكد أن التاجر اللبناني بات في حالة “غرق اقتصادي”، في ظل تراجع القدرة الشرائية وفقدان أصحاب الأعمال عوامل الصمود والمناعة التي مكّنتهم سابقاً من مواجهة الأزمات.
نداء الهيئات الاقتصادية
وفي تعليقه على النداء الذي أطلقه رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير في 20 أيار الماضي، والذي ناشد فيه “إنقاذ لبنان قبل فوات الأوان”، محذراً من أن خسارة موسم الصيف إلى جانب الخسائر المتتالية قد تدفع البلاد إلى دوامة انهيار مالي واقتصادي أشد من تلك التي شهدتها عام 2019، اعتبر نقولا شماس أن هذا النداء كان في مكانه تماماً، بل شكّل “صرخة ألم” هدفت إلى إيقاظ ضمير المسؤولين والمعنيين في لبنان.
وقال: “الرئيس شقير لم يطلق تحذيراً قائماً على الشعارات، بل استند إلى الوقائع والأرقام والمعطيات الميدانية التي قدمتها مختلف القطاعات الاقتصادية. وما عرضه شكّل خريطة طريق واضحة ومهمة لمواجهة التحديات الراهنة”.
وأضاف شماس أن رئيس الجمهورية يُبدي حرصاً على السيادة الاقتصادية بالقدر نفسه الذي يُظهره تجاه السيادة الوطنية، وأن الملف الاقتصادي يشكل هاجساً دائماً لديه. وأكد أن “حبل الخلاص الوحيد اليوم يتمثل في صدور مؤشرات إيجابية من واشنطن، بعدما أثبتت التطورات أن الحل العسكري لم يؤدِّ إلا إلى خسائر فادحة، ولا يمكن البناء عليه لتحقيق الاستقرار أو النهوض الاقتصادي”.
تقرير صندوق النقد
وعن تقييمه للتقرير الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي، والذي اعتبر أن الأزمة المالية في لبنان هي أزمة نظامية، رأى شماس أن الأزمة التي كان يفترض أن تُعالج خلال عامين أو ثلاثة أعوام كحد أقصى، دخلت للأسف عامها السابع.
وقال إن أحد أسباب إطالة أمد الأزمة يعود إلى توصيفها الخاطئ في مراحل سابقة، حين جرى التعامل معها على أنها أزمة مصرفية بحتة وليست أزمة نظامية شاملة، معتبراً أن بعض القوى السياسية والجهات المعنية تبنت هذا الطرح، ما أدى إلى هدر وقت ثمين كان يمكن استثماره في مسار المعالجة.
وأضاف: “يكتسب التقرير الأخير أهمية استثنائية لأنه أعاد تصويب توصيف الأزمة، واعتبرها أزمة نظامية، الأمر الذي يغيّر المقاربة ويقربنا أكثر من الحلول الفعلية”.
واعتبر شماس أن الفضل في هذا التحول يعود إلى ثلاثة أطراف أساسية هي: مصرف لبنان، والهيئات الاقتصادية، وجمعية المصارف، مشيراً إلى أن هذه الجهات عملت على مدى سنوات لتأكيد الطبيعة النظامية للأزمة من خلال الدراسات والحجج والوقائع.
وقال: “هذا التحول يشكل إنجازاً كبيراً لأنه يمنح لبنان مفتاحاً أساسياً لفتح الأبواب الموصدة والانتقال من مرحلة توصيف الأزمة إلى مرحلة الحل”.
ودعا شماس كل الأطراف التي عارضت هذا التوصيف سابقاً إلى إجراء مراجعة استراتيجية لمواقفها، بما يتيح التوصل إلى إجماع وطني حول الحلول المطلوبة، والانطلاق في تنفيذ الإصلاحات المالية والمصرفية التي تشكل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة وإنقاذ الاقتصاد اللبناني.



