أيّ فرق بين زيارة للسفارة الإيرانية أو الأميركية؟ (النهار ٢٩ نيسان)

قبل الولوج في الرسائل التي أراد وزير الخارجية الإيراني حسين امير عبد اللهيان توجيهها الى اللبنانيين عبر اللقاء اللافت الذي جمعه بمجموعة من النواب في السفارة الإيرانية في بيروت، بموجب دعوة وصفها البعض بالعمومية، فإن أولى تلك الرسائل كمنت في الشكل، كونها المرة الأولى التي تخرج فيها طهران من تقوقعها حول حلفائها الى الرحاب الاوسع لشخصيات لبنان من مشارب وانتماءات مختلفة.
لم يكن المضمون مهماً كما لمس بعض مَن شاركوا في اللقاء لجهة انه لم يحمل رسائل واضحة في ما يتصل بالاستحقاقات الداهمة، في مقدمها الملف الرئاسي، لكنه كان واضحاً ان الديبلوماسية الإيرانية كانت حريصة على توجيه رسالة انفتاح وبراغماتية تجاه القوى اللبنانية الأخرى التي لا تدور في فلكها، معوّلة في ذلك على ثمار التقارب السعودي – الإيراني الأخير، على نحو يدعو هذه القوى الى الاخذ في الاعتبار المسار الجديد الذي بدأت تسلكه دول الإقليم، والذي يتوجب على اللبنانيين السير في ركابه.
لا شك في ان الدعوة استفزت في شكل واضح الوسط المسيحي المعارض، كما بدا من رفض حزبَي “القوات اللبنانية” والكتائب والالتقاء على عدم المشاركة، لكنها لم تستفز القوى الحليفة التي رأت في المقاطعة المسيحية #المعارضة مناسبة لطرح سؤال يستفزها حول الفرق بين دعوة السفارة الإيرانية ودعوة السفارة الأميركية أو حتى السعودية؟
والسؤال جوابه حاضر لدى هذه القوى التي لا ترى جوازاً في المقارنة بين الدعوتين. فبقطع النظر عن محاولة اعتبار ان كل الدعوات الآتية من سفارات دول معنية بلبنان او لها مصالح مباشرة فيه تعدّ تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية وانتقاصاً من سيادة البلد، لا يمكن وضع الدول الثلاث المشار اليها في الميزان عينه. فإيران بالنسبة الى هذه القوى، دولة معتدية على السيادة اللبنانية، وإنْ في شكل غير مباشر، انطلاقا من دعمها المباشر لـ”حزب الله” وتمويله وتنظيمه عسكريا. أما اذا كان الهدف فعلا هو الحوار والتشاور فيمكن عندئذ لأي مسؤول أو ديبلوماسي ان يزور هو نفسه المقار الرسمية للأحزاب والكتل النيابية الكبرى، على نحو يحترم السيادة.
الانطباع الذي تعكسه القوى المعارضة لقراءتها لأبعاد الدعوة الإيرانية لمجموعة النواب وخلفياتها التشاورية على حد توصيف بعض المشاركين، يؤكد ان لا تراجع لديها لمواقفها المسبقة من طهران ودورها في لبنان، بل ان بعض هذه القوى يذهب أبعد في القول ان زيارة رأس الديبلوماسية الإيرانية بتوقيتها تزيد من صلابة الموقف المعارض وتشدده في رفض السياسة التوسعية لإيران في لبنان ورغبتها في تكريس نفوذها وصولا الى موقع الرئاسة الأولى، بحيث لا يُترك الخيار للمسيحيين في تسمية مرشحهم. وإذ ترفض هذه القوى المعادلة الفرنسية القائمة على مقايضة الرئاسة الأولى بالرئاسة الثالثة، أي الحكومة، تدعوالى عدم اغفال الرئاسة الثانية التي يتربع على عرشها شريك الحزب في الثنائية الشيعية، ما يعني ان المقايضة ليست متوازنة او متعادلة بل ترجح كفتها نحو هذه الثنائية. ولن يكون ممكنا ان تتقبل القواعد المسيحية معادلة كهذه أو تتكيف معها.
هذا الكلام يقود الى خلاصة مفادها ان الشارع المسيحي المنقسم على نفسه في اختيار مرشح موحد لا يزال حتى الآن متوحدا حول رفض مرشح الحزب، وان صموده امام الضغوط الداخلية والخارجية التي تدفعه الى القبول بهذا المرشح هو السبيل الوحيد لمنع حصول الانتخاب، خصوصا ان هذا الفريق، وإن كان لا يملك أكثرية الأصوات النيابية، إلا ان وضعه لا يختلف عن وضع الفريق الآخر الذي، حتى لو توافر له النصف زائد واحد يظل في حاجة الى تأمين نصاب الثلثين لجلسة الانتخاب. وبالتالي فإن القوى المسيحية المعارضة بوحدتها قد تكون عاجزة عن إيصال مرشحها ولكنها قادرة حتما على تعطيل وصول المرشح الخصم.
والسؤال: هل تصمد المعارضة كما هو مأمول منها أم تسقط عند اول امتحان جدي لتماسكها؟



