أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

كيف يعمل القانون وسط ركام الانهيارات؟ (اللواء ٢٧ شباط)

العودة الى الانتظام عبر رئيس بهوية قانونية ودستورية فقط

مع انهيارات على المستويات كافة، وفي ظل ازمة لم تبقِ ولم تذر، وقبل الفوضى في طبيعتها، في بلد رخو التكوين، شديد الانخراط في ما لا يعنيه، من صراعات، واستقطابات ومحاور في المركز والاقليم، يلاحظ المراقبون والمتابعون «مأساة سياسية» من نوع البحث عن المخارج القانونية او تنظيم محاضر ضبط اداري وقانوني، وحتى دستوري، في استيلاد «بدع» لم تكن تخطر على بال احد لا في المنشئين للكيان، ولا في الباحثين عن تسويات أو حلول أو مخارج للمآزق، غير القابلة للتوقف.
تحضر هنا، أمثلة، لا تبدأ من البحث عن قناة، تكون قانونية، حسب رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، او لا تكون الخطوة المفترض ان تبنى عليها، وهي إبقاء اللواء عباس إبراهيم المدير العام الحالي للأمن العام، في الخدمة، كمدير للامن العام، ليس بناءً على رغبته وحسب، بل بناءً على رغبة «الثنائي الشيعي» أو أحد أبرز طرفيه «حزب الله»، الذي يواجه حملة شعواء، غير مسبوقة، تقودها بوجهه الولايات المتحدة الأميركية، تحت عناوين مكافحة الجريمة وتبييض الاموال، والارهاب، وجاء توقيف المواطن اللبناني – البلجيكي محمد ابراهيم بزي في بوخارست (عاصمة رومانيا التي كانت جمهورية اشتراكية سابقاً) بتهمة توريد ملايين الدولارات الى حزب الله، عبر قنوات، تحدثت عنها وكالة المخابرات المركزية الأميركية C.I.A.
ولا يقتصر الامر على التمديد لمدير عام او مدراء عامين سواء في السلك المدني او العسكري، لعلة العجز المحكم عن التعيين، لا لسبب، سوى ان السلطة الاجرائية صاحبة الحق في تعيين الموظفين او اقالتهم او نقلهم او ملاحقتهم، غير مشكلة اصولاً، وأن لا رئيس للجمهورية، أو أن الحكومة هي في مرحلة تصريف الاعمال، ولا يمكن لها ان تقوم بما يمكن ان تقوم به حكومة مؤلفة أصولاً، وميثاقية، وسوى ذلك من اعتبارات معروفة، وليست بحاجة الى التعريف بها، بل يتعداه الى كل شيء… سواء في ما خص عقد الجلسات النيابية، أو جلسات التشريع او عمل السلطات القضائية او حتى الادارية.
ينقل عن رئيس البرلمان، المخضرم، والذي يشغل منصبه منذ العام 1992، عندما انتقلت رئاسة المجلس الى الجنوب مع الرئاسة الثالثة مرة واحدة، وعمّرت طويلاً، ولا تزال، ان هناك 43 او 58 او 78 او 94 قانوناً صدر عن المجلس ولم يتم تنفيذ واحد منهم (بغض النظر عن الرقم الفعلي) ماذا يعني هذا؟
هل يعني ان لبنان بات بلدا خارج القانون؟ أم أن القوانين والأنظمة الداخلية هي غب الطلب، إن لتجديد الثقة برئيس او هيئة او انتخاب او تشريع او ما شاكل أم هي، اي القوانين، لتصفية حساب ام فرض هيمنة ام تبرير تسلط؟
وعلى خلفية ان الشيء بالشيء يذكر، هل ادارة الدولة على القاعدة الاثني عشرية هي من القانون في شيء، وهل عدم احترام الدستور، لجهة اقرار الموازنة في موعدها، هي عمل دستوري او قانوني.
وتكر السبحة، ماذا عن إقدام المصارف على المجاهرة بالعجز عن اعادة الاموال المودعة الى اصحابها، هل هو عمل قانوني ام ماذا؟ واين هي القوانين الضامنة لحقوق المودع، سواء لجهة الملاءة أو مؤسسة حفظ الودائع، او الرقابة على الانفاق، والمحاسبة، وفرض العقوبات.
وتكر السبحة، عن غياب القانون في بلد كان يطلق عليه في يوم ما دولة «المؤسسات والقوانين» فهل تعطيل 19 مادة او اكثر من الدستور، ذات صلة برئيس الجمهورية، الغائب عن المشهد المؤسساتي بقوة الشغور، ولماذا هناك نص يتحدث عن خلو سدة الرئاسة لأية علة كانت، من دون تحديد آليات متسارعة، لإنهاء الشغور، الذي قد يمتد لسنوات أو أشهر، ويحتاج الى تدخلات لها اول، وليس لها آخر… بالإذن من هؤلاء وأولئك، الذين يتحدثون ليل نهار عن السيادة، وسيادة الدولة، والاستقلال، وسيادة القانون، وعدم الخضوع للمشيئات او الإملاءات الخارجية.
اللبنانيون العاجزون عن تطبيق قرار بالتسعير للسلع الضرورية، اللبنانيون العاجزون عن تنفيذ مذكرة ادارية، او الاتفاق على مختار او رئيس بلدية، أو حتى تشكيل لجنة في بناية من بضعة طوابق، يعترضون على «إملاءات من الخارج» في ما خص تسمية الرئيس او انتخابه!!
ولعل العجب العجاب، عندما يدفن اللبنانيون، سواء أكانوا في مواقع نيابية، أو وزارية، أو حزبية، أو حتى اقتصادية، وهم يتحدثون عن الحوار، والتفاهم، وهم يعرفون بالخبرة والتجربة أن الممالأة والتكاذب، والمكر، هي عدة الشغل، في لعبة تسيير المصالح او ادارة الخلافات او التعاطي مع هدنة مفروضة من هنا او هناك.
يطرح سعر صرف الدولار الاميركي في السوق السوداء (وقد اخترع المستفيدون او المضاربون تسمية السوق الموازية) اسئلة حسية، وفي مكانها، عن السبب حول غياب مصرف لبنان او فقدانه لدوره في التسعير، فضلاً عن تعدد اسعار الصرف، من الدولار الجمركي، الى الدولار الطلابي، الى دولار «صيرفة» الى دولار السوق السوداء، بأي قانون، يتحدد سعر الصرف في السوق السوداء، على اساس التطبيقات الخاصة بكبار المضاربين.
وللقانون، الذي يكثر التشدق به، قصص وقصص وحكايات… مما يجعل من المفيد طرح هذا السؤال الكبير والاشكالي في وقت واحد: هل القانون في لبنان وضع للانتظام العام ام للاستئثار الخاص؟ وهل هو اداة عفوية لحفظ التوازن الاجتماعي أم هو اداة هيمنة لشلل، تسللت من بابه (أي باب القانون) الواسع الى السلطة لتمعن في الأرض فساداً ونهباً وتدميراً؟
على أنه، وبصرف النظر عن طبيعة الحل أو المعالجة لهذه المسألة العويصة، من الثابت أن الانتظام العام لا يستقيم خارج القوانين او القانون الاساسي، وبالتالي فان لا مجتمع بل قانون اساسي او دستور، وبالتالي لا دولة، خارج الدستور، الذي من غير الممكن المضي قدماً في تجاوزه، تحت اسباب ومبررات، لا تخطر على بال، ولا يقبلها عقل طبيعي (أي متوسط الذكاء).
ومن هذه الوجهة، وبعيداً عما يسمى اجراءات شرعية او قانونية او دستورية، لا يمكن للبلد ان يستعيد زمام المبادرة، خارج تفاهمات كبرى، يتعين ان تتشكل على ايدي افراد او قيادات او مؤسسات تعتبر احترام الدستور اول الواجبات، بالفعل، لا بالتشدقات الكلامية، والمؤتمرات الصحافية، والتسريبات التي لا اساس لها سوى الايهام والبلف والخديعة والسيطرة على العقول.
من الخطأ المضي قدما في لعبة البحث عن الاجراءات القانونية، او التلاعب بالنصوص الناظمة، للحياة العامة المشتركة، في بلد لا يوقف انهياراته، اشخاص جربوا، فعُرفوا إما بالعجز او الفساد، او سوء الادارة او تجاوز حد السلطة، لدرجة اكل «الأخضر واليابس» في بلد صغير، لم يبقَ فيه شيء اخضر، حتى الشجر.
عندما يتعطل تطبيق قانون او مادة في قانون، او اعراف تقوم مقام القوانين، يعني ان الانتظام العام دخل في بداية «نفق» وهذا النفق قد يكون انهياراً، أو شللاً او فوضى… إلخ.
أما ان تتجمع كل معالم الأزمات عند تقاطع ما يسمى «بالفئة الحاكمة» الناظمة للعيش بكل الوان التشرذم والفوضى، والاتكالية، والضياع، والقتل والفلتان، فيصبح عندئذ للقضية ابعاد اخرى: إما انقلابات مشروعة، او عصيان عام مشروع، او الذهاب مجدداً لانتخابات باشراف أممي، تعيد انتاج الوقائع المؤسساتية والحكمية، والدستورية، على ان الكلمة العليا لوضع القوانين موضع التطبيق، ليس على الطريقة اللبنانية، او طريقة دول الجنوب الاوتوقراطية او الشمولية، وحتى الديمقراطية.
تكون المعالجة اولاً على طريقة «وداوي بالتي كانت هي الداء»: الداء كان غياب الانتظام بموجب القانون، فالعودة الى الانتظام لا تكون الا بالقانون، وليس بمزيد من «التشريعات الفارغة» او الطموحات «البهلوانية». المعالجة الآن قبل فوات الأوان: تبدأ برئيس مؤمن بالقانون، وهذا بحد ذاته كافٍ لإحداث الخرق نحو الخروج من «جوف الأفعى»!

المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى