إخراج الدولة من الإدارة المباشرة: لا بيع ولا خصخصة بل تطوير وحوكمة (النهار ٢٤ شباط)

كثيرة هي الاقتراحات ومشاريع القوانين الإصلاحية التي تداولها اللبنانيون منذ بدخء الأزمة، في محاولة لرسم أو تعبيد الطريق للخروج من الواقع المزري الذي آل إليه الوضعان الاقتصادي والنقدي، ولفتح كوّة في جدار المأزق الذي بات عصيّاً على الاختراق بغير أدوات وآليات ومفاهيم جديدة في الإدارة والاستثمار، تبدّل في السائد راهناً الذي وصلت البلاد والعباد معه، إلى حافة الإفلاس والانهيار التام.
“إدارة أصول الدولة”، “الصندوق السيادي”، “الصندوق الاستثماري” وآخرها “المؤسسة المستقلة لإدارة أصول الدولة” مسمّيات وعناوين عدة، رسمها نواب وسياسيون وخبراء اقتصاد واستثمار، بهدف واحد هو إخراج المؤسسات والإدارات المنتجة، أو القابلة للإصلاح والتطوير والإنتاج، والمملوكة من الدولة بالكامل أو بالشراكة، من الإدارة المباشرة للدولة والوصاية السياسية، الحزبية، والطائفية أحياناً، التي تعوق تقدّمها وتطويرها، وإبعادها عن الاستغلال والاستنزاف في دورها وماليتها.
تقديم “القوات اللبنانية” عبر كتلتها أخيراً، اقتراح قانون يرمي الى إنشاء “المؤسسة المستقلة لإدارة أصول الدولة” يأتي في هذا السياق، وهو – أي الاقتراح – وإن أتى من جهة حزبية، إلا أنه مطلب شعبي وسياسي وعام، لا يختلف لبنانيان على ضرورة دراسته ومناقشته تحت قبّة البرلمان، وإن اختلفت الرؤى حول شكله، ومضامين بنوده وأهدافها، والمؤسسات التي ستنضوي تحت إدارته.
لكن، كالعادة، سيحضر الشيطان حتماً، ليناقش، ويناكف، ويناكد بالتفاصيل المملة. وكالعادة أيضاً، ستحضر جميع أسلحة المزايدات، والشعبويات، وحقوق الطوائف والمذاهب والملل، ومكافحة الفساد الرائجة جداً تجارتها في لبنان اليوم لتسجيل النقاط، والانتصارات الخطابية والسياسية، وتحويل وجهة وأهداف المشروع باتجاهات تخدم مصالح الطبقة السياسية وأهل السلطة.
الاقتراح في بنيانه الاشتراعي، وأهدافه الاستثمارية، قابل للنقاش والتعديل، لتعزيز تماسك بنوده القانونية لملاءمتها شروط الحوكمة والشفافية. لكن المشروع يحمل في طياته العديد من المطبات التي على المشترع تفادي الاصطدام بها قبل الوصول الى المناقشة العامة، والمبادرة إلى نزع الألغام التي قد تُفجّر الاقتراح، وتصيب مقترحيه بشظاياها.
ربما وضعت كتلة “القوات اللبنانية” مقترحها بنية وطنية سليمة، وربما أيضاً لم تعر الواقع التشريعي في المجلس النيابي، اهتماماً كبيراً ودقيقاً، لكن الأكيد أن من سينبري لمناقشة مقترحها، وتفنيد بنوده، والتمحيص في كل شاردة وواردة فيه، لن يرحم محتواه وواضعيه.
مثلاً، هل يصدّق لبناني عاقل، أن المجلس النيابي، بصراعاته السياسية، ومزايداته الطائفية، سيمرر لـ”القوات اللبنانية” اقتراح قانون، أو سيوافق على ما يسمّيه الاقتراح “هيئة عامة” وهي المجموعة المنتقاة لبناء سلطة القرار في “المؤسسة المستقلة لإدارة أصول الدولة”، واختيار أعضاء مجلس إدارتها. فهذه الهيئة مؤلفة من حاكم مصرف لبنان، ورئيس المجلس الأعلى للخصخصة، ورئيس هيئة الشراء العام، ورئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي، بالإضافة إلى 5 نقباء مهن حرة، أي مؤلفة (عذراً على العبارة) بغالبيتها من المسيحيين، فهل يصدق أحد أن بنداً كهذا مثلاً سيمر في المجلس النيابي؟
الأسباب الموجبة لمشروع قانون إنشاء مؤسسة مستقلة لإدارة أصول الدولة تنطلق من تطلع الدولة الى تطبیق مقاربة كاملة للتعافي من الأزمة المالیة والاقتصادیة التي نشأت منذ سنوات، قوامھا إعادة التوازن المالي، وإعادة ھیكلة القطاع المالي ووضع ضوابط موقتة على السحوبات والتحاویل وإجراء الإصلاحات البنیویة الشاملة في القطاع العام.
جاء في اقتراح قانون إعادة التوازن للقطاع المالي نص یتعلق بإنشاء صندوق لإعادة تكوین الودائع، یتضمن أصول بعض المصارف التي یحددھا القانون ومساھمة من فائض میزانیة الدولة. ولكن، بما أن ھذه المساھمة غير قادرة على تغطیة ما یكفي من حصة الدولة من الفجوة المالیة فيما أصول الدولة ذات الطابع التجاري والربحي أصبحت تحقق خسائر وعبئاً استثماریاً بحسب التقدیرات المتاحة على الخزینة أو حققت انخفاضاً حاداً بمداخیلھا بالنسبة لما یمكن تحقیقه، من جراء المقاربات الإداریة المتبعة في القطاع العام وعجز الدولة عن إدارتھا بالطریقة المطلوبة، ومع توافر أصول عدة للدولة لم تُستثمر بطریقة فعالة لتعزیز مصادر الدخل، أصبحت الحاجة ملحة لإدارة أكثر فاعلیة للشركات والمؤسسات التابعة للدولة وتحسین عائداتھا وتعزیز قیمتھا كتدبیر خلاق ضمن تدابیر عدة یمكن للدولة استخدامها للمساھمة في حل مسألة تعویض جزء كبیر من الخسائر.
یھدف مشروع القانون الى تقدیم حل عملي لإدارة الأصول ذات الطابع التجاري بشكل شفاف وفعال لتغذیة خزینة الدولة كما الصندوق المختص بإعادة تكوین الودائع، من خلال وضع شركات ومؤسسات وإدارات مملوكة من الدولة كلیاً أو جزئیاً، أو تشكل جزءاً من إداراتھا ولھا طابع تجاري أو تصلح للاستثمار العقاري الذي لم تطوره الدولة لعقود مضت، تحت إدارة مستقلة ومتخصصة من دون الانتقاص من سیادة الدولة أو حقوق المواطنین كافة والأجیال القادمة.
من الواضح أن إدارة ھذه الأصول أو القطاعات من مؤسسة مستقلة تجنّب خصخصتھا بشكل متسرّع، بل تفعّل إدارتھا وتنمّي أرباحھا، التي ستھدف الى إطفاء جزء من دین الدولة، تحدیداً مصرف لبنان والحكومة اللبنانیة، في مرحلة أولى، ثم تحقیق أرباح فائضة وقیمة مضافة لمصلحة الدولة والمودعین، في مرحلة لاحقة.
لا يهدف مشروع القانون من إنشاء المؤسسة الى تجرید الدولة من ملكیتھا لأصولھا المنتجة، بل إن الھدف الأساسي ھو ترشید إدارة ھذه الأصول بشكل یحدّ من إمكانات الھدر والفساد ویعزز أرباحھا في آن واحد. من ھنا بقاء ملكیة الدولة أمر أساسي، ولكن نسبة ھذه الملكیة یجب أن تأخذ في الاعتبار إشراك صندوق إعادة تكوین الودائع بھذه الملكیة لأن أحد أھداف إنشاء المؤسسة ھو تعویض المودعین بشكل عادل وتعزیز مالیة الدولة في آن واحد، وتحقیق زیادة لقیمة أصول الدولة، ما ینعكس زیادة لقدرة الدولة على تمویل المصاریف التشغیلیة والاستثماریة والاجتماعیة في المستقبل.
عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غسان حاصباني جدد التأكيد لـ”النهار” أن ملكية المؤسسات والمرافق المشمولة في هذا القانون للدولة اللبنانية على أن تنتقل إدارتها ومهام تشغيلها كافة الى المؤسسة المستقلة لإدارة أصول الدولة. ولكنه في المقابل يسأل “هل من المعقول أن تكون الدولة لا تزال حتى اليوم تلعب دور التاجر حيال ﺇدارتها لبعض القطاعات مثل الكازينو وﺇدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية، وهو أمر لم يعد معتمداً في دول ﺃخرى؟”.
الهدف الرئيسي من القانون يكمن في الدرجة الأولى وفق ما يقول حاصباني في “ﺇدارة ﺃصول الدولة بطريقة صحيحة دون اعتماد الخصخصة ﺃو بيع أصول الدولة بل اعتماد ﺁلية “التشركة”، بما يؤدّي ﺇلى تحسين ﺃداء تلك الشركات والمرافق ذات الطابع التجاري التي تقوم فيها الدولة حالياً بلعب دور المستثمر. كما يهدف القانون ﺇلى وضع تلك الشركات تحت ﺇدارة وتوجيه مؤسسة مستقلة يديرها خبراء لبنانيون مختصون حائزون خبرات عالمية في إدارة الاستثمارات تعيّنهم هيئات مستقلة بمساعدة مؤسسات دولية على أن تشرف الأخيرة على طريقة وآلية تعيينهم خصوصاً التي تُعنى في الشأن اللبناني كالبنك الدولي” .
لا ينكر حاصباني أن شركات مثل “الميدل إيست” أو “الريجي” ترفد الخزينة بالأموال، ولكنها برأيه “يمكن أن تتضاعف لو أنها تدار وفق آلية مشروع القانون الذي تقدمنا به، إذ إنه لا يمكن التغاضي عن تدخل السلطة السياسية في إدارة بعض هذه الشركات”.
ماذا عن الخطوات اللاحقة بعد توقيع نواب تكتل الجمهورية القوية مشروع القانون، وهل من مؤيدين للمشروع؟ يؤكد حاصباني أن المشروع سيُعرض على هيئة مكتب المجلس وعلى اللجان النيابية المختصة كلجنة المال والموازنة ولجنة الإدارة والعدل قبل مناقشته في مجلس النواب، علماً بأن للمشروع حظوظه في الاقرار خصوصاً أن بعض النواب يؤيدون الطرح ولدى بعضهم مشاريع مشابهة كنواب تكتل لبنان القوي الذين ذهبوا بمشروعهم الى حد اعتماد الخصخصة، إضافة الى نواب التغيير غير اليساريين، والنواب المستقلين، ونواب اللقاء الديموقراطي ومبدئياً نواب الكتائب…
ويوضح حاصباني أن مشروع القانون يتكامل مع القوانين الموجودة حالياً التي تتعلق بتنظيم القطاعات (الكهرباء والاتصالات، وقانون الشراكة مع القطاع الخاص)، “علماً بأننا تركنا كل القوانين المذكورة سارية المفعول ولم نلغِها في القانون المقترح من قبلنا، وتالياً بقي قرار الشراكة مع القطاع الخاص والخصخصة لمجلس النواب ومجلس الوزراء، فيما المؤسسة المستقلة هي نوع من هيئة إدارية فقط، تعمل على إعداد عقود تشغيل وتوظيف إداريين وإعطاء الأموال للدولة ولصندوق إعادة الودائع”.
وإن كانت بعض المؤسسات والمرافق التي تديرها الدولة تسجل خسائر، فإنه وفق مشروع القانون الجديد وفي حال تطبيق القرارات التنظيمية الصحيحة للقطاعات الملحوظة في مشروع القانون مع هيئات ناظمة لها، قد تحقق عائدات سنوية بين 3 إلى 4 مليارات دولار على الأقل أي تقريباً أكثر من عجز الموازنة”، برأي حاصباني. أما المؤسسات والمرافق المستهدفة في المشروع فهي شبكات الاتصالات الثابتة، حیث تنشأ لیبان تیلیكوم بحسب القانون 431/2002، إدارة مرفأ بیروت، إدارة مرفأ طرابلس، إدارة مطار بیروت، المؤسسات العامة والھیئات والإدارات التي تحدّدھا الحكومة ضمن خططھا الإصلاحیة حسب الحاجة، مؤسسة كھرباء لبنان، إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانیة، مؤسسات المیاه، إضافة الى المؤسسة المستقلة الآتية: شركات الاتصالات المتنقلة، حصة مصرف لبنان في مؤسسة كازینو لبنان، حصة مصرف لبنان في شركة طیران الشرق الأوسط.



