أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

ميقاتي ما بعد لقاء بن سلمان هو غير ما قبله (النهار ١٦ كانون الأول)

بعيد ساعات من عودة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي من زيارته الرسمية للسعودية مدعوًّا من قيادتها لحضور القمّة العربية – الصينية، وتحديداً بعد الحدث الأكثر أهمية بالنسبة إليه وهو لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بادرت مصادر إعلامية تنطق عادة بلسان ميقاتي وتفصح عن توجّهاته الى تسريب منظم لردود هذه المصادر على أسئلة تقول إنها وُجّهت إليها من إعلاميين حول ما يحمله هذا الحدث النوعي من أبعاد وانعكاسات محتملة على الوضع اللبناني المخنوق بكل المقاييس وتحديداً ما إن كان اللقاء مقدمة لفك الحصار غير المعلن “المضروب” على لبنان منذ أعوام من خلال مساعدات مالية يمكن أن تضخها الرياض قريباً في الجسد الاقتصادي والمالي اللبناني المشارف على النضوب وجفاف الضرع، فكان ردّها قاطعاً من خلال القول إنه أمر مبكر الحديث عنه.

في الظاهر، إنها إجابة مكثفة ومختصرة جداً لكنها مفيدة ومعبّرة وتختزل في طواياها الجوهر الحقيقي للّقاء ومحدودية ما يمكن أن يُعقد عليه من رهانات ويُبنى عليه من آمال واستتباعاً ما ينتظر منه. لا ريب في أن اللقاء يُعدّ من أكثر التطوّرات أهمّية ونوعية في خلال الأيام العشرة الماضية على الرغم من أن المحللين لم يعطوه ما يستحق من الاهتمام ولم يكلفوا أنفسهم عناء التبحّر في أبعاده.

في هذه اللحظة المفصلية – المحورية يمكن للمقربين من ميقاتي أن يعلنوا أنه حقق عبر هذا اللقاء مكاسب سياسية كان يبحث عنها بدأب وجهد منذ قرّر التصدّي لرئاسة الحكومة وإن بطريقته السلسة والهادئة. وبصرف النظر عن مدّة اللقاء وشكله وما نتج عنه، إلا أنه يبقى أول لقاء رسمي من نوعه يعقده ميقاتي مع مسؤول سعودي رفيع، فكيف إن كان اللقاء مع الرجل القوي في المملكة السعودية المنطلقة في رحلة لتكريس دور ريادي في الإقليم.

ثمة من يسمح لنفسه بالمبالغة في “التقريش السياسي” لهذا اللقاء فيعدّه بمثابة بداية رفع لـ”الفيتو” غير المعلن الذي تضعه الرياض على التعامل مع لبنان عموماً.

وبصرف النظر عن صحّة هذا التوصيف والتحليل فالثابت أن ارتياح ميقاتي للقاء كان كبيراً جداً، إذ إن ثمة من وجد في اللقاء إيذاناً بعودة السعودية عن اعتكافها عن دور الفعل في الساحة السياسية اللبنانية وإشارة الى أنها عادت لتعقد في أضعف التقديرات عملية “ربط نزاع” مع هذه الساحة التي تشهد تطوّرات وتحوّلات واستطراداً تعقيدات. وإذا صحّ ذلك فمعناه أن الرياض قد ردّت بالإيجاب على مطالب شريحة لبنانية وسنّية واسعة عاتبة عليها لكونها هجرت الساحة السنّية وتركتها عرضة لكثير من الاحتمالات فضلاً عن كونها في حال انعدام وزن وضياع خصوصاً بعد انكفاء القوة السياسية الأقوى في هذه الساحة أي الحريرية السياسية، عن الفعل.

ومن البديهي في موازاة ذلك أن هناك من يجد للانفتاح السعودي الأعلى منسوباً على هذه الساحة من خلال هذا اللقاء استفادة سعودية مزدوجة، إذ إنها تردّ بالإيجاب مع مساعي باريس التي طالما ناشدتها السير معها في رحلة لمعالجة الوضع اللبناني الذي يكابد وأن تكون الخطوة الأولى في هذه الرحلة لقاءً مع ميقاتي الذي له كما صار معلوماً مكانة كبرى عند العاصمة الفرنسية.

إضافة الى ذلك يبدو جلياً أن الرياض استشعرت أن ثمة عاصمة خليجية أخرى هي الدوحة تسعى للاستفادة من غيابها لملء الفراغ من خلال تقديم دعم مالي معتبر للجيش اللبناني وهذا لا يتم إلا بإيحاء أميركي ومن خلال استقبالها المتكرّر لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ومن ثم – وهذا هو الأهم – استقبال قائد الجيش العماد جوزف عون. وبناءً على ذلك يبدو أن الرياض أخذت في الاعتبار تحذيرات وصلتها من أن سياسة إغماض العين عن الوضع اللبناني والتعامل السلبي معه سيفضي يوماً ما الى خروج مدوٍّ لها من هذه الساحة، ومن ثم انطلقت في رحلة إعادة نظر والانطلاق في مقاربة مختلفة للشأن اللبناني خصوصاً أن لها في هذه الساحة رؤوس جسور تاريخية مكينة.

وإن كان اللقاء ترك الباب مفتوحاً أمام فيض التكهّنات حول نوعية هذه المقاربة ومآلاتها وهو أمر يحتاج الى وقت لاستشرافه فإن الذين على تواصل مع ميقاتي فوجئوا بدرجة حفاوته بهذا اللقاء وبما ينطوي عليه من نتائج مستقبلية.

فصورة اللقاء وحدها كفيلة بأن تبدّد كمّاً من التشكيك بدوره وبموقعه في المعادلة الى درجة أن بعض خصومه في الساحة السنية وغير هذه الساحة، يتحدثون عن أنه “الاحتياط” الذي يُستعان به في المراحل الانتقالية. ولا ريب في أن مستوى التشكيك في ميقاتي ارتفع بعيد الجولة الأخيرة من الاستشارات النيابية الملزمة وتحديداً بعد عدد الأصوات التي حصل عليها في تلك الاستشارات فبدا معها على أنه مرشّح “الثنائي” وبعض المستقلين ليس إلّا.

ولذا لن يكون ميقاتي غير سعيد إذا ما انبرى محلل من هنا أو من هناك ليستنتج أنه بعد هذا اللقاء – الحدث بات من الثوابت. وميقاتي الذي هو على درجة عالية من الدراية بالتفاصيل وماورائيات المشهد ينطلق في حراكه من واقعين اثنين: الأول يقينه الضمني بأن كل الشخصيات السنية التي قدّمت على أنها مؤهّلة لخلافته في السرايا وأنها مرشّحة لأخذ دور الحريرية السياسية الآفلة قد “سقطت” في اختبارات عدّة أجريت لها تباعاً خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وسقوطها كان داخلياً وخارجياً على حدّ سواء. الثاني أنه شخصياً يعتبر أنه نجح في تقديم أدلة وبراهين عملانية تدلّ على أنه ليس “رجل” حزب الله وليس الدائر في فلكه. فالمعلوم أن ثمة ثلاثة اختبارات متتالية ليست بالهيّنة قد خضع لها وبدا بنتيجتها أن بإمكانه تقديم أداء متميّز عمّا يريده الحزب خصوصاً عندما استجاب لمطالب خليجية. وقد ساعده في ذلك سكوت الحزب.

وثمة في عداد المتصلين اليوميين بميقاتي من يخرجون باستنتاج فحواه أنه بعد لقاء الأمير بن سلمان هو غير ما قبله إذ يستشعر أنه صار الى حدّ بعيد في عداد “الثوابت” الذي لا يغيبون عن واجهة المشهد بعد تأدية مهمة تناط بهم أو دور يوكل إليهم.

بواسطة
إبراهيم بيرم
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى