أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

“كيل” المصارف طفح… فأعلنت الإضراب: رسالة إنذار قبل تدمير ما بقي من القطاع وعزله عن النظام العالمي (النهار 8 آب)

معروف ومتوقع، أن توقيف رئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد المصرفي طارق خليفة في المطار لدى عودته الى بيروت من سفر، لن يمرّ بسهولة لدى القطاع المصرفي، والرأي العام المنقسم تجاه هذه الخطوة.

المبرّرات القانونية جاهزة لحماية الأجهزة التي نفذت الاعتقال، والقضاء الذي أمر بذلك، وتسويق الخطوة شعبياً سهل وربما مطلوب، لأن القضية تتعلق بالمصارف التي “شيطنها” أهل السياسة والسلطة بما يكفي، وأنهكها أصحاب مشاريع استبدال القطاع بالتشويه، وحُمّلت بمفردها أوزار الانهيار الاقتصادي برمّته، واختفاء الودائع، كأن لا دولة استدانت، ولا سلطة أهدرت، ولا مسؤولون استباحوا المال العام، وأتخموا المؤسّسات بأزلامهم والأتباع.

ليست المصارف بمنأى عن المحاسبة، ولا يجوز أن تكون، فهي تتحمّل بحكم وظيفتها وحساسية دورها المالي، مسؤولية نسبية عن الأزمة، وهي لا تتهرّب من ذلك، لذا يبدي أهل القطاع بين الفينة والأخرى استعدادهم لتحمّل جزء من المسؤولية، لكن بعدالة تقضي بأن تتوزع هذه المسؤولية، وتتحقق بالشراكة الكاملة مع الدولة ومصرف لبنان، الشريكين الأساسيين في العملية الاقتصادية والنقدية برمّتها.

في الآونة الأخيرة كثرت الدعاوى القضائية ضد المصارف، وهو حق قانوني مكفول للمودعين وأصحاب الحقوق على حدّ سواء، وجرت تحقيقات، ويجري اليوم توقيف رئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد المصرفي، ومن غير المعروف الى أين سيؤدّي هذا السياق الملتبس قانوناً، والمربك للقضاء من جهة، ولإدارات المصارف من جهة أخرى.

فمن جهة يجيز القانون الادّعاء وتحصيل الحقوق، ومن جهة أخرى يُحمَّل أفراد مصرفيون كامل المسؤولية لتقاعس مؤسسة مصرفية معيّنة، فقدت معظم سيولتها، نتيجة ظروف اقتصادية وطنية عامّة، لا بسبب جرائم مالية فردية أو خطط استثمارية متهوّرة، وهذا منافٍ لقواعد محاسبية عالمية، ولتقارير أصدرها مفوّضو رقابة دوليون يعرفها أهل السطة والقضاء جيداً، وقرأها الجميع إلا أصحاب المخططات الأخرى.

دخل القطاع المصرفي أو أُدخل منذ ما قبل الأزمة الأخيرة واستمر حتى اليوم، في لجّة الصراع السياسي عليه، والسباق بين أهل السلطة الجاري بكافة الوسائل، للإمساك بمفاصل القرار فيه، وبدأت معه لعبة الإقصاء، وانتقلت بعدها الى لعبة المطاردة، واليوم الى التوقيف. فإلى أين يذهب أهل القرار بالبلد، وببقايا المصارف، التي تعوم على مليارات من “حبر على ورق” استنفدتها الدولة سلفات ودعماً غير مجدٍ، الى أن فرغت آبار المصارف وبدأ رمي حجارة النكران فيها. وإلى من يهدي مسؤولونا السمعة السيّئة التي يَسِمون بها القطاع، الذي يعيثون فيه تدميراً وتنكيلاً؟ فيما تتركز أعين جميع مؤسسات الرقابة الدولية، والصناديق والبنوك العالمية، على المصارف اللبنانية، مترقبة نوعية الخطوات والتشريعات، والهيكلة العتيدة المزمع أن تقدم عليها الدولة، لوضع أهم قطاع مالي واقتصادي على سكّة التعافي.

بالامس طفح كيل المصارف، فـ”الأوضاع الشاذة، التي حاولت المصارف قدر الإمكان التعامل معها بمرونة ولو على حسابها، بلغت حداً لم يعد مقبولاً، وهي لم تعد تستطع أن تتحمّل المواقف المضرّة والشعبوية على حسابها وحساب الاقتصاد، وهي تجد نفسها مضطرة إلى إصدار إنذار عام يكون دعوة للجميع للتعامل بجدّية ومسؤولية مع الأوضاع الراهنة بهدف السير نحو التعافي الحقيقي”.

وانطلاقا من ذلك، أعلنت جمعية المصارف يوم الجمعة الماضي الاضراب بدءا من اليوم الاثنين، بيد أن الافراج عن خليفة حدا بمجلس ادارة جمعية المصارف الى عقد اجتماع طارئ أمس خلص الى اعلان الاضراب ليوم واحد (اليوم) وذلك بعد نقاشات حادة بين الاعضاء، فبينهم من أيد المضي بقرار الاضراب بدءا من اليوم وبينهم من رأى ضرورة التراجع عنه نظرا الى السلبيات التي قد يتركها الاضراب على القطاع والاقتصاد عموما، على أن يترك للجمعية العمومية الأربعاء المقبل أخذ القرار المناسب بموضوع المشاكل التي تواجهها المصارف عموماً. وأكد هؤلاء أن الإفراج عن رئيس مجلس إدارة “بنك الاعتماد” المصرفي طارق خليفة، بعد اجتماع استثنائي للهيئة الاتهامية في جبل لبنان يجب أن يقابل بإيجابية من المصارف.

فما الرسالة التي ارادتها المصارف من قرار الإضراب؟

تؤكد مصادر مصرفية مسؤولة أن “حق تقديم الدعوى من المودعين لا ينبغي أن يكون موضوع ملاحظة، فحق اللجوء الى قاضٍ مسألة أساسية سواء كان عن حق أو عن غير حق، وتالياً لا يمكن تقييد حق الناس باللجوء الى قاضٍ. لكن في المقابل هناك قضاة يمارسون روح العدالة من دون النظر الى الإجراءات القانونية، بما يعني أنه إن كان القاضي مقتنعاً بمظلومية المدّعي يصدر أحكاماً على خلفية اقتناعه بأن المصارف غير منصفة مع المودعين، وذلك من دون أن يتقيّد بالشكليات أو أصول المحاكمات”. واستند في رأيه هذا الى “ما حصل سابقاً مع إحدى القاضيات التي أخذت على عاتقها دعوى جماعية ليست من صلاحياتها… وأكثر فإنها لم تتحقق من صفة الناس المدّعية، واتخذت قراراً عاماً بمنع سفر وتجميد كل أصول المصارف في لبنان وأبلغته الى الدوائر المعنية”. وضمن هذه الإجراءات التي “لا تراعي حقوق الدفاع”، يشير المصدر الى أن ما حصل مع طارق خليفة على خلفية ورود شكوى جزائية بحقه أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان من صاحبة أسهم تفضيلية تعيب عليه أنّه لم يوزع لها أرباحاً في وقت لم يحقق فيه المصرف أرباحاً ليوزعها. وأرفقت بشكواها تقرير مدقق البنك الذي يقول إن البنك لم يوزع أرباحاً لكونه مكتتباً بسندات الخزينة واليوروبوند، وبما أن الدولة لم تدفع، لذا لا يمكن إلا تسجيلها كخسائر”. وكل هذا مستند ايضاً الى تقرير مفوّض المراقبة الذي يعتبر أن ميزانية المصارف “مزوّرة”. المصدر عينه لا يعيب على عمل مفوّض المراقبة الذي من واجباته أن يجبر كل بنك أو مؤسسة على أن تأخذ مؤونة على كلّ دين لا يمكن أن تحسبه. وبغضّ النظر عن أن ما توصّل إليه التقرير من أن ميزانيات المصارف لا تعكس الواقع، وأن الاموال التي أعطتها المصارف للبنك المركزي والدولة اللبنانية لا يمكن تحصيلها، وتالياً عليهم إعادة تكوينها، بيد أنه في الواقع إذا أردنا المضيّ بهذا المنحى، فإن ذلك يعني أننا سنعتبر أن كل المصارف زوّرت ميزانياتها”، علماً بأنه “لو أن هذا الحالة حصلت مع مصرف أو مصرفين يمكن معالجتها بقرار قضائي، ولكن لا يمكن أن نرمي على القضاء موضوعاً وطنياً شاملاً، لأن القاضي في النهاية عليه أن يحكم بناءً على قناعته، وهذه المسألة هي مسألة وطنية يُفترض بالسلطات المحلية النقدية والسياسية والتشريعية معالجتها”.

ومن الأمثلة التي أوردتها جمعية المصارف في بيانها الجمعة، “عدم فهم هذه المرجعيات لمعنى “الرأي المخالف” “Adverse Opinion” الذي أصدره مفوّضو المراقبة الجدّيون ولا سيما الدوليون منهم أخيراً، لدى مراجعة الحسابات المالية ليس فقط للمصارف، بل ربما لجميع الشركات العاملة في لبنان. وقد سها عن بالهم أن الوضع المصرفي في لبنان كما الوضع الاقتصادي هو ضحيّة مخاطر نظامية systemic risk وليس ناتجاً عن تصرّفات فردية اتخذتها المصارف أو غيرها من المؤسسات الاقتصادية حتى يجري تحميل المسؤولية لأفراد”. ووفق الجمعية “لو كانت هذه المرجعيات تقرأ أسباب هذا الرأي المخالف، ولو كانت ستفهم هذه الأسباب إن قرأتها، ولو استعانت بخبير محاسبة يوضحها لها قبل اتخاذ قرارها، لكانت علمت أن أسباب الرأي المخالف لا تعود إلى تزوير الحسابات، بل تعود إلى استحالة تطبيق قواعد المحاسبة الدولية بسبب الأوضاع الاقتصادية العامة في البلاد التي هي من مسؤولية الدولة التي أوصلتنا إليها وليس بسبب المصرف المعنيّ، مثل عدم توحيد سعر صرف IAS 21 أو التضخم المفرط IAS 29 أو سواه. وأن الرأي المخالف لا يعني أن الشركة المعنية أو المصرف المعني يحاول إخفاء الارباح، بل على العكس، لو كان تطبيق معايير المحاسبة الدولية ممكناً، لكانت الخسائر زادت ولم تنقص”.

تصرّ المصادر على أنه في سلسلة المسؤوليات التي تقع على عاتق المصارف ومصرف لبنان والسياسيين لا يمكن تحميل المودع أيّ مسؤولية، ولا يمكن لومه لأنه لجأ الى القاضي لتحصيل حقه، كما أنه لا يمكن الطلب من القاضي أن يحكم بطريقة بدل طريقة أخرى، فالموضوع بحاجة الى معالجة الوضع ككل، لكن النقطة المهمة التي تتوقف عندها المصادر، هي أنه “لا يمكننا أن نستند الى تقرير مفوّض المراقبة (وإن كان يتبع المعايير الدولية)، لكي نخلص الى أن ميزانية المصارف مزوّرة… فهذا الأمر غير صحيح”.

ولكن ماذا يعني الإضراب ؟ تؤكد المصادر عينها أن “المصارف على اقتناع بأن الدعاوى التعسفية والإجراءات التعسفية غير مرتكزة على أيّ أساس، وإذا استمر هذا الهجوم الممنهج فإنه سيقضي على ما بقي من قطاع مصرفي، مع ما يمكن أن يؤدي الى عزل تام للمصارف اللبنانية عن النظام المصرفي العالمي الذي يراقب ما يجري بحق مصرف لبنان والمصارف اللبنانية ورؤساء مجالس إدارتها”. ولكن المصادر تجدّد تأكيدها أن “هذا لا يعني أن الناس ليس لديهم الحق في أن يدّعوا وأن المصرفي هو فوق القانون، بيد أن الاستمرار في هذه الأجواء الشعبوية، والاستناد الى تقرير مفوّض الحكومة الذي يقول إن ميزانيات المصارف “مزوّرة”، يعني أننا ندمّر الهيكل على رؤوسنا جميعاً”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى