القوانين “الملغومة” الى المجلس العتيد.. فهل يجرؤ على إقرارها؟ (النهار 9 أيار)

كتب موريس متى في” النهار”:
لا حركة سياسية رسمية خلال عطلة عيد الفطر وعيد العمال فيما تسير محركات الماكينات الانتخابية بأسرع قوتها إستعدادا للإستحقاق الذي تنطلق جولته الاولى مع انتخاب المغتربين في البلدان الاسلامية غداّ الجمعة، والاحد 8 أيار، ليكتمل هذا الاستحقاق في15 منه مع الانتخابات في الداخل. وتتجه الانظار الى مرحلة ما بعد الانتخابات والنتائج التي سيأتي بها هذا الاستحقاق للدخول في مرحلة قد تكون معقدة وهي عملية تشكيل حكومة جديدة سيكون على عاتقها إتمام التفاوض مع صندوق النقد الدولي للتوصل الى الاتفاق النهائي حول البرنامج التمويلي الذي يمكن ان يحصل عليه لبنان بعدما توصل الى إتفاق أولي مع الصندوق شكَّل مضمونه مادة إنقسام حاد في الداخل اللبناني.
عاد نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي في الايام الماضية من العاصمة الاميركية واشنطن حيث شارك في اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعقد سلسلة اجتماعات مع عدد من المسؤولين خصصت للبحث في ملف الاتفاق الاولي ومسار تطبيق الاجراءات والاصلاحات اللازمة وإقرار التشريعات المطلوبة للتوصل الى إتفاق نهائي مع الصندوق. بدورها، أبدت رئيسة صندوق النقد كريستالينا جورجييفا بعد لقائها الشامي إهتماما كبيرا بالملف اللبناني مع تأكيدها مرة جديدة إستعداد الصندوق للإسراع في مساعدة لبنان للخروج من أزمته الحادة، فيما عبّر مسؤولو الصندوق مجددا عن قناعتهم بان تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها في الوقت المناسب أمر حيوي للحصول على التمويل من المجتمع الدولي والذي تشتد الحاجة إليه. وتؤكد المصادر المتابعة لمسار الاتفاق مع صندوق النقد ان ثمة تشريعات اساسية مطلوب إقرارها في لبنان للسير قدما بالاتفاق مع الصندوق، وهي إقرار قانون “الكابيتال كونترول” وقانون موازنة العام 2022 وضرورة إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، اضافة الى إقرار التعديلات على قانون السرية المصرفية، ويبقى الاهم خطة التعافي الاقتصادي التي وضعتها الحكومة والتي رفضها العديد من القطاعات والمكونات الاساسية في البلاد، وقد وصفها البعض بالخطة “الكارثية” لأنها تلقي القسم الشبه الكامل من الخسارة التي نتجت عن السياسات التي اعتمدتها الدولة بحكوماتها المتعاقبة ومصرف لبنان على عاتق المودعين مع شطب التزامات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية بقيمة 60 مليار دولار واعتبارها خسائر، وهي بالفعل اموال المصارف لدى “المركزي” والتي تعود للمودعين من دون تقديم اي حلول تساهم في إعادة تكوين هذه الودائع “الضائعة”، ولا الاشارة الى صندوق سيادي قد يساهم في إعادة تكوين جزء من هذه الاموال التي تبخرت في أبواب نفقات الحكومات المتعاقبة واهدرت على المجالس والصناديق والمناقصات وفي جوارير السمسرات والرشى.
وبعدما كلفت جمعية المصارف مستشاريها القانونيين دراسة مروحة الإجراءات القضائية ردا على إمكان إقرار هذه الخطوة والحديث الفعلي عن بدء الجمعية وعدد من المصارف التحضير لدعاوى قضائية سيتم رفعها ضد الدولة اللبنانية ومصرف لبنان، خرجت الهيئات الاقتصادية لتعلن عدم الموافقة على خطة التعافي الحكومية المسربة لجهة شطب جزء كبير من الودائع وتحميل خسائر الدولة للمودعين، وشكلت فريق عمل لإجراء قراءة متأنية ومعمقة لهذه الخطة، ووضع ورقة اقتراحات وأفكار بديلة للتعافي والنهوض، على أن تطلع الرأي العام عليها عند جهوزها.
في سياق الملاحظات الأولية على مذكرة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بشأن السياسات الإقتصادية والمالية، وبعد تفصيل رئيس لجنة حقوق المودعين في نقابة المحامين في بيروت المحامي كريم ضاهر مقاربة قانونية لكيفية تعاطي هذه الخطة مع الخسائر واموال المودعين وفشل السياسات المالية والإقتصادية التي تم إنتهاجها خلال العقود الماضية، ومنها ما يدلّ على مخالفات فاضحة للقوانين المرعية وربما الإحتيال الموصوف، إعتبر ضاهر ان ما ورد في مذكرة الحكومة في سياق إعادة هيكلة الدين العام، “تأكيد على الولوج بصورة شبه حصرية إلى تمويل مؤسساتي من مصادر دولية رسمية، وذلك نظراً لعدم قدرة لبنان على الوصول إلى أسواق المال العالمية، مما ينذر بتغيير الواقع السيادي وتضييق الهامش لأي تفاوض مستقبلي في حال التعثر المالي المتجدد مع اختلاف آليات تفاوض الدولة المدينة مع دائنيها طبقاً لهوية الجهات الدائنة (المُقرِضة). فإذا كانت تلك الجهات الدائنة سلطات أو مؤسسات عامة تابعة لدول متعاقدة (دائنة)، يتمّ التفاوض الجماعي من خلال نادي باريس (Paris Club) الذي يفرض حكماً وحتماً برنامجا لصندوق النقد الدولي كما وقاعدتي الإجماع وقدم المساواة في التعامل (Pari passu)..
لقد تضمنت المذكرة برنامجا مفصلاً وطموحاً للإصلاح مبنيا على تنقية وتحسين إدارة الماليّة العامة وترشيد الإنفاق ومحاربة الفساد والهدر والتهرب والتهريب، وتطوير نظام المشتريات العامة نحو مزيد من الشفافية والرقابة والمساءلة ومعالجة علّتيّ الكلفة والفعالية في الإدارة العامة من خلال عنصري الكفاية والفائض وسواها من التدابير والمقترحات الطموحة والمرجوة في شتى المجالات والميادين، ناهيك عن سعي لاستدامة الدين العام ولزيادة الواردات بتحسين الجباية وتوسيع قاعدة المكلفين واستعادة الأموال وخلق فرص عمل وجذب الاستثمارات لتفعيل النمو؛ مع الحرص المعلن على إرساء العدالة وتأمين برامج الحماية الاجتماعية التي تفيد ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين وسواهم. وقد حددت الحكومة لذلك أهدافا والتزامات على المديين المتوسط والبعيد تعهدت تحقيقها وتنفيذها، وهي سوف تطلب من مجلس النواب مواكبتها بالتصويت عليها”.
ويرى ضاهر ان “من البديهي التساؤل هنا عن جدوى هكذا إلتزام والإصرار على تمرير بعض ما يتضمنه هذا البرنامج من تدابير كالتصويت على قانون الكابيتال كونترول في ظل حكومة ومجلس نيابي منتهية ولايتيهما ولا قدرة لهما لا على الإلتزام (الحكومة) ولا على الرقابة والمحاسبة (المجلس)… إلا في حال كان واضعو هذه المذكرة متأكدين سلفاً من نتائج الإنتخابات النيابية ومن إعادة تشكيل الحكومة على نفس النحو والمضمون! ألم يكن بالتالي، على بعد أيام من الإنتخابات النيابية، من الأجدى ترك المبادرة والقرار لمجلس جديد ذي شرعية مجددة وحكومة منبثقة منه تحوز ثقته؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية وبما أن معظم الأفكار والطروحات والإصلاحات التي تضمنتها المذكرة سبق وجرى طرحها مراراً من قبل جهات خاصة أو رسمية وآخرها خطة تعافي حكومة الرئيس حسان دياب من دون أن يتبعها أي ترجمة عملية أو تطبيق جدي، فمن نافل القول إن العبرة تبقى في التنفيذ ووجود القرار السياسي الحاسم والأكيد. وإلا فستبقى هذه الطروحات مجرد تمنيات يبنى عليها لإعطاء فسحة أمل بمستقبل يضمحل، أو يستفاد منها لتمرير أمور أخرى غير محبذة.
وبحسب المحامي ضاهر من المشروع التساؤل عما إذا كان قد جرى الإعتماد بالنسبة للمقترحات والأرقام والأهداف التي تضمنتها المذكرة على درس وتحليل وقع الأثر الإقتصادي Economic impact assessment لأي تدبير مقترح بغية تفادي النتائج العكسية غير المرجوة التي قد تزيد من تفاقم الأوضاع المتردية أصلاً بدلاً من حلّها؟ كما أن من الجدير ذكره أنه لم يصر إلى لحظ أي شيء بالنسبة لخطة نقل وطنية تخفف الأعباء على المواطنين وتحفز الإقتصاد والبيئة على حدٍ سواء كما وأي تدبير لمساعدة من أصبحوا دون مورد عيش عن طريق ضمان بطالة وخطط لإعادة التأهيل وبرامج دراسية وتدريبية خاصة وملائمة. كما اقترحت المذكرة في الفقرة (ب) من البند 14 (الحوكمة والشفافية ومكافحة تبييض الأموال/تمويل الإرهاب) تعديل القانون الرقم 189/2020، المتعلق بالتصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع، “للتأكد من أن الإقرارات تتطلب إدراج معلومات عن جميع الأصول والمصالح المملوكة (وكذا.)”؛ مع العلم بأن القانون المذكور المنتزع من المنظومة بشق النفس وبفضل الضغط الشعبي الذي واكب إنتفاضة 17 تشرين يتبع أفضل المعايير الدولية واحدثها، سيما بالنسبة لنموذج التصريح عن الذمة المالية والمصالح الذي يفرض على كل موظف عمومي تقديم تصاريح دورية يبيّن فيها جميع عناصر الذمة المالية والمصالح العائدة له ولزوجه وأولاده القاصرين، في لبنان والخارج، اضافة إلى الكيانات القانونية العادية أو المتسلسلة والمصالح وكيفية اكتسابها(مثلاً: شراء، إرث، وصية، هبة)، والإيرادات الناجمة عنها؛ بما فيها الأموال غير المنقولة الآيلة عبر وكالات غير قابلة للعزل أو العقود الائتمانية أو سواها من الآليات القانونية المشابهة.
ويُخشى هنا تعديل القانون للتخفيف من فعاليته والتستر على بعض تلك الأموال والمصالح كما جرت العادة لغاية تاريخه على مدّ العهود. ولعلّه كان من الأجدى ذكر قرار مجلس الوزراء السابق رقم 17 تاريخ 20/5/2020، الذي اعتمد آلية واضحة لمكافحة الفساد واستعادة الأموال، وتنفيذه.



