أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

مشروع موازنة 2021 يهدد بإفلاس الضمان الاجتماعي

تقسيط ديون الدولة على 20 سنة بفوائد مخفّضة الى النصف

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار “:

اصطفَّ الضمان الاجتماعي، وهو أكبر جهة ضامنة في لبنان، والمؤسسة التي أنشئت لحماية الامن الاجتماعي والصحي لعمال لبنان وفقرائه، في طابور ضحايا هذه الدولة المبتلية بالتخلف والجهل واللامبالاة بمصائر مواطنيها ولقمة عيشهم وحبة دوائهم وأمنهم الصحي.

لسنا من المغرمين بأداء مؤسسة الضمان الاجتماعي والملاحظات عليها ربما بالجملة، لكن وكما يقال «على علّاتها» تبقى هذه المؤسسة بما تملكه من مقومات ومقدرات وانتشارها على كل الاراضي اللبنانية واستيعابها العدد الاكبر من المضمونين من العمال والطبقة الوسطى، تبقى الجهة الاكثر حاجة اليوم الى العناية بها وحمايتها ودعمها ماديا ومعنويا ورفدها بكل مقومات الصمود ليتسنى لها تأدية ما انشئت من اجله من واجبات وحماية المضمونين.

ولكن كعادة هذه السلطة الفارغة من المضمون والضمير والتي تهدر المليارات يمينا وشمالا على مشاريع وهمية ومحسوبيات وأجور مستشارين وتنفيعات، لم تجد غير مستحقات الضمان الاجتماعي المترتبة عليها لسنوات خلت، وهي بالمليارات، أن تُخضعها للتقسيط الطويل الاجل (20 سنة) بعدما خسرت هذه المليارات حتى الآن 85% من قيمتها بعد انهيار سعر الليرة، والانكى من ذلك انه جرى خفض الفائدة المعتادة الى النصف لدواعي التقشف. هذا الاجراء ورد ضمن مشروع #موازنة 2021 الذي رفعته وزارة المال الى مجلس الوزراء لإقراره. فهل يوقف مجلس النواب ارتكاب هذه الجريمة ويمنع ذبح الضمان وإفلاسه، بما يهدد بحرمان معظم عمال لبنان وسيلتهم الوحيدة للاستشفاء والطبابة؟

وفيما تنحدر قيمة الليرة اللبنانية بوتيرة متسارعة، وفي وقت تلوّح المستشفيات باعتماد التعرفة الاستشفائية وفق دولار السوق السوداء على خلفية مطالبة شركات مستوردي الاجهزة الطبية بتسديد ثمن معظم المعدات على أساس سعر دولار السوق، يقاوم الضمان باللحم الحي لرفد صناديقه بالأموال اللازمة لضمان استمراريته تغطية الطبابة والاستشفاء للمضمونين، على رغم ارتفاع كلفتهما في مقابل تدني قيمة العملة واقفال المؤسسات وافلاس بعضها الآخر.

أمام هذا الواقع، بات تسديد الدولة المتوجبات للصندوق والتي تناهز الـ4 آلاف مليار ليرة، أكثر حاجة ملحّة. ولكن ما ورد في مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2021، التي رفعها وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني الى مجلس الوزراء كان صادما، خصوصا حيال البنود المتعلقة بالضمان الاجتماعي، باقتراحه المادة 96 في قانون الموازنة العامة للدولة للعام 2021 والتي جاءت تعديلا للمادة 71 من القانون 144 تاريخ 31/7/2019 (الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2019) لتصبح كالآتي:

– تقسَّط كل الديون والفوائد المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على الدولة لغاية نهاية العام 2020 على أٌقسام متساوية لمدة 20 سنة، على أن يسدد القسط الأول قبل نهاية أيلول من العام 2021 وذلك بعد تدقيق قيمة هذه الديون من قِبل وزارة المال. وتحدد دقائق تطبيق هذه الفقرة بقرار يصدر عن وزير المال.
– تترتب على الديون المقسطة فائدة سنوية توازي نصف معدل الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنة.

– تسدد مستحقات العام 2021 في مواعيدها القانونية من الاعتمادات المخصصة لهذه الغاية في الموازنة.

– يمكن تسديد ديون الضمان الاجتماعي بواسطة سندات خزينة بالليرة اللبنانية تصدرها الحكومة لهذه الغاية. تحدد دقائق تطبيق هذه المادة عند الاقتضاء بقرار مشترك يصدر عن وزيري المال والعمل. ومعلوم أن المادة 71 من القانون 144 تاريخ 31 تموز 2019 نصت على تقسيط كل الديون المتوجبة لصندوق الضمان على الدولة لغاية نهاية العام 2018 على 10 أقساط متساوية، على ان يسدد القسط الاول قبل نهاية ايلول 2019 مع وجوب تسديد المتوجبات المالية للصندوق المرصودة في الموازنة للعام 2019. وتترتب على الديون المقسطة فائدة سنوية توازي معدل الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنة. وفيما كان يؤمل من وزير المال اصلاح ما اقدم عليه وزراء المال الذين سبقوه بتخلفهم عن تسديد متوجبات الصندوق على الدولة، وضع وزني نفسه فوق القانون وفوق اتفاقات العمل الدولية التي تعلو أحكامها على القانون الوطني وتلزم الحوار بين اطراف الانتاج كافة، فعمد الى تجاهل طرفَي الانتاج وبادر الى تقسيط ديون الضمان على 20 سنة بما يضمن ذوبانها مع ارتفاع نسب التضخم، مصادرا بذلك أموال الصندوق ويتركه عرضة للسقوط باقتراحه المادة 96 في قانون الموازنة للعام 2021.

إلا ان ادارة الصندوق التي ترفض ما أقدم عليه وزير المال رفضاً قاطعاً نظراً الى الوضع المالي للصندوق، على اثر تدني قيمة العملة وارتفاع كلفة الطبابة، رفعت كتابا بملاحظاتها على مشروع موازنة 2021 الى وزيرة الوصاية لميا يمين على امل ان تساهم بوقف هذه “المجزرة” بحق الضمان. واعتبرت الادارة ان تسديد الديون المتوجبة على الدولة أصبح حاجة ملحّة وعدم تسديدها يهدد استمرارية هذه المؤسسة. اما أقصى ما يمكن أن تقبل به إدارة الصندوق في هذا الصدد فهو فترة 10 سنوات فقط وتصر على تطبيق المادة 71 من القانون 144 من دون أي تعديل، فبانخفاض قيمة العملة أصبحت هذه الديون بلا أي قيمة فعلية، وتاليا فان تقسيطها على 20 سنة هو بمثابة القضاء على مؤسسة الضمان.

ولا يقتصر الاعتداء على الضمان وتجفيف موارده على المادة 96 فقط، إذ يتضمن مشروع قانون الموازنة للعام 2021 وملحقاتها مواد عدة تطيح قانون الضمان الاساسي، فيما لا يحق لوزير المال ومن خلال قانون موازنة موقت لسنة مالية واحدة أن يعدله. وكان الاجدى في حال الاصرار على تعديل قانون الضمان، ان يقوم مجلس النواب بتعديله لا عبر مشروع قانون موازنة. ومن هذه المواد:
– المادة 22 التي تتعلق بتنزيل غرامات التحقق وغرامات التحصيل الناتجة من المخالفات الحاصلة ما بين 1/10/2019 وتاريخ نشر قانون الموازنة بنسبة 100%.

– المادة 36 وهي تعديل للمادة 51 من القانون 497/2003 المعدلة بموجب المادة 17 من القانون 64/2017 وبموجب القانون 144/2019 وهي بالأساس تعديل لقانون ضريبة الدخل (المرسوم الرقم 144/59).

– المادة 37 المتعلقة بضريبة التضامن الوطني، وهي ضريبة استثنائية تُفرض لمرة واحدة على قيمة كل حساب دائن مفتوح لدى المصارف اللبنانية.

– المادة 75 المتعلقة بالتقديمات الغذائية (تنقص من قيمة الكسب الخاضع للاشتراكات) وتمس بأحكام المادة 68 من قانون الضمان وستكون باباً للتهرب من دفع نسبة كبيرة من الاشتراكات.

المادة 83 التي تتعلق بتقسيط ديون اصحاب العمل عن العام 2020. وتتضمن هذه المادة أحكاماً تجيز تقسيط الديون المتوجبة بذمة أصحاب العمل، من دون أية فوائد أو غرامة ولمدة سنتين، علما ان هذه المادة تتعارض مع أحكام القانون 144/2019 وما تلاها من قوانين تجيز التقسيط مع إعفاء جزئي من الغرامات.

المادة 84 التي تنص على: “تتولى الدولة تسديد الاشتراكات المترتبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بكل فروعه، ولمدة سنتين. وسبق أن وردت هذه الأحكام في المادة 27 من القانون الرقم 79 الصادر في 18 نيسان 2018، (الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2018) ولم يتم تطبيقها لعدم صدور قرار عن وزيري المال والعمل. هذه المادة تنقل عبء الاشتراكات من أصحاب العمل الى الدولة التي لا تسدد اشتراكات اجرائها أصلاً للصندوق من الاعتمادات المرصودة في الموازنة، وتدور هذه الاعتمادات من عام الى آخر من دون تسديدها للصندوق.

المادة 85 التي تنص على تمديد مفاعيل براءات الذمة الصادرة عن الصندوق خلال العام 2020، للمؤسسات التي سددت الاشتراكات المتوجبة عليها لغاية العام 2019، أو تقدمت بطلب تقسيط تلك الاشتراكات لغاية 21/12/2021.

المادة 93 التي تنص على توحيد منح التعليم في القطاع العام.

قد يقول قائل “كسرة خبز تغنينا عن جوع… لكن فقدان حبة الدواء لن يمنع عنا الوجع والموت”. فهل لا يزال في هذه الدولة مسؤول ما برتبة “صاحب ضمير” يبادر الى وقف هذه الجريمة المنتظرة؟!

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى