استنزاف ما تبقّى من الإحتياطي سيؤدي الى تسجيل خسائر إضافية على البنك المركزي
كتبت ريتا شمعون في “الشرق اللبنانية “:
طیلة شھرین مضیا، إنشغلت الأوساط الإقتصادیة والإعلامیة والسیاسیة ولاتزال بسجالات حول سیاسة «رفع الدعم عن السلع الإستھلاكیة والغذائیة» وبما اذا كانت مثل ھذه الخطوة ستكون نتائجھا كارثیة وخصوصا أن الضغوط الإجتماعیة والمعیشیة قاسیة على اللبنانیین في الوقت الراھن وعلى قدراتھم الشرائیة التي تآكلت بشكل حاد نتیجة الإنھیار المالي.
وبالرغم من تنوع الخیارات التي دخلت مؤخرا من ترشید الدعم الى البطاقة التموینیة الى استبدال دعم السلع الحالي ببرنامج تعویضات نقدیة واسعة للمواطنین وجمیعھا إذا حصلت «لن ترحم احدا» جاء تأكید حاكم مصرف لبنان ریاض سلامة ان الدولارات التي یؤمنھا المصرف المركزي ستستمر ما بين ٥ و ٦ اشهر…
فھل حسم الحاكم الجدل «والقیل والقال» في موضوع دعم السلع الأساسیة؟
بین سیاسة «رفع الدعم «وسیاسة «الإبقاء على الدعم» مشاكل لا تنتھي وممارسات مختلفة إشتكى منھا اللبنانیون في الفترة الأخیرة فآلیات الدعم المعتمدة ساعدت على تنشیط عملیات تھریب المحروقات والأدویة والطحین والمواد الغذائیة عبر الحدود البریة غیر الشرعیة واستفاد منھا المحتكرون والتجار والمھربون وكارتیلات الأدویة والمشتقات النفطیة، فاستنزفت تلك الآلیات إحتیاط البلد من العملات الصعبة من دون أن تؤدي الأھداف المرجوة منھا.
ما تقدم یفتح الباب أمام إعادة النظر في تلك الآلیات نظرا الى ان لیس ھناك من یضمن ضبط الموضوع في ظل عجز الدولة،أو ان یصار الى التحایل عبرھا بین المواطنین وأصحاب المؤسسات وبعض الشركات والمھربین من أجل الحصول على جزء ولو بسیط من المبلغ نقدا ومعالجة تلك العملیات لوقف ھدر أموال اللبنانیین.
قرار إستمرار الدعم المالي لفترة تستمر ما بین خمسة وستة أشھر یمدّ لبنان بجرعة أوكسجین وسط اعراب الرئیس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمیر حمود في حدیث لـ«الشرق» عن اقتناعه ان ما ینقذ لبنان ھو كسر النموذج الإقتصادي والمالي الحالي الذي اعتمدته المالیة العامة في لبنان والذي أوصلنا الى القعر واستبداله بنموذج جدید مشیرا الى ان الأزمة النقدیة في لبنان الیوم سببھا المباشر ھو الإعلان الثلاثي للحكومة الحالیة الذي تضمن الآتي:
– تمنع الدولة عن سداد دیونھا من دون برنامج.
– إعلان خسائر البنك المركزي والقطاع المصرفي بما یفوق اموالھما الخاصة.
– إعلان خطة الدولة باقتطاع الودائع لتخفیض دیونھا وخسائر القطاع المصرفي
كل ذلك، أدّى بحسب حمود، الى ضیاع الثقة التي عادة تكون كلفة استعادتھا أضعاف قیمة الخسائر التي سببتھا.
ومع البدء العد العكسي للإقتراب من الإحتیاطي الإلزامي، أكد حمود أن الدعم لیس من مسؤولیة البنك المركزي إنما من صلاحیة وزارة المال موضحا أن الإحتیاطي الإلزامي ھو موجودات خارجیة أراد مصرف لبنان أن یحتفظ بھا للحفاظ على ھیبة الدولة وكیانھا واستمراریتھا، وأن أي شلل یصیب الدولة قد يؤدي الى خطر الزوال.
واعتبر أن كلمة «إحتیاطي» ھي كلمة «تھدیدیة» إذ لا یستطیع مصرف لبنان بحجة الحفاظ على 17 ملیار دولار امیركي أو الإحتیاطي الإلزامي أن یوقف العمل في الدولة اللبنانیة،وعلیه إذا كان ھناك من سیاسة نقدیة خاطئة فإن أجواء البلاد منذ العام 1975 تدفع نحو العمل ضمن مبدأ استمرار الدولة ویصعب العمل حینئذ بصورة تقلیدیة وطبیعیة وخصوصا عندما یكون الوضع العام السیاسي والأمني الإقتصادي غیر طبیعي وإلا تصبح جمیع الأمور نظریة وغیر قابلة لحمل الأثقال.
وتابع حمود: «وخارج تكوین الثروة الشخصیة الفاضحة من ممارسة الوظیفة العامة لا یصح إنتقاد أي سیاسة أو خطة نقدیة حمت البلاد لمدة 30 عاما بغرض إستمرار الدولة. وأنا على ثقة أن مصرف لبنان لا یمكن أن یفرط بالدولة» لافتا الى ان الھدف من تحذیر البنك المركزي من خطورة استمرار إنخفاض الإحتیاطي ھو حث الدولة والحكومة على السعي الى إیجاد الحلول الصحیحة للمشاكل الإقتصادیة والمالیة ولیس الى استعمال «ذخائرھا» أي الى إستعمال ما تبقى من أموال المودعین التي وضعتھا المصارف العاملة في السوق المحلیة لدى البنك المركزي وشدد على ان عدم معالجتھا لا یعني أنھا لن تتفاقم «مبدیا تخوفه من استنزاف 17 ملیارا».
وقال: «لا یجوز صرف ما تبقى من الإحتیاطي الإلزامي لضمان استمراریة الدولة وسیاسة دعم السلع الأساسیة» مؤكدا أن استمرار هذا الخطأ سیؤدي حتما الى تسجیل خسائر إضافیة على البنك المركزي.
واعتبر أن ما قاله حاكم مصرف لبنان عن أن الإحتیاطي یكفي من خمسة الى ستة أشھر ھو بمثابة الإنذار الأخیر للطبقة السیاسیة لكن حمود برّر تأجیل ھذا الإنذار مرات عدة من قبل الحاكم بمخاوفه من ان يؤدي مثل هذا الاعلان الى «انهيار مبكر»وخوفا من ان يدب الرعب في نفوس المودعین ویبدأوا بسحب أموالھم.
ورأى أن وجود «مدین مستمر مثل الدولة الحالیة بإدارتھا السیاسیة والمالیة السیئة» كان كفیلاً بنسف القطاع المالي في لبنان نتج عن ذلك قرارات وممارسات تتحمل مسؤولیتھا المصارف ومصرف لبنان من عرض الفوائد السخیة الى العملیات الإستثنائیة لتكدیس الدولارات في محاولة للاستمرار في استقطاب الأموال فالمطلوب الیوم الإتیان بادارة صحیحة لتصحیح المالیة العامة «لنقطع ھذا القطوع».
وانتقل حمود الى الأزمة المصرفیة قائلا: «إن البنوك اللبنانیة لا یمكن أن تلعب دورھا المطلوب وھي الیوم بمثابة «صندوق مغلق» أو «صندوق میت» أوھي الیوم قید التصفیة وبالتالي غابت وعلّة وجودھا بھذا الحجم إنتفت أقله على سبیل المثال «عندما لا یستطیع المصرف أن یحوّل الودیعة للمودع الذي لا یستطیع أن یعمل وھو یدّخر الى إنتاج» مشیرا الى ان الأزمة المصرفیة برمتھا سببھا سوء إدارة الدولة لمرافقھا ومالیتھا ومدیونيتھا أما الطفرة المصرفیة فسببھا المدیونیة العامة وشدد على ضرورة إعادة تكوین القطاع المصرفي في أن یكون له مودع مطمئن وأن یكون له الحریة في أمواله ،فكل مصرف، یجب أن یستعید دوره الحقیقي من خلال توفیره جزءا مهما من الحاجات التمویلیة اللازمة من «رأسمال بدولار جدید أو رسامیل جدیدة»، أو كمصرف تودع لدیه مدّخرات الناس لیعمد في ما بعد الى إقراضھا ھكذا تعود ثقة الناس بالقطاع الذي لعب دورا بارزا ولفترات طویلة في الإقتصاد الوطني مؤكدا أن القطاع المصرفي تعود له الحیاة إذا تحوّل عجز الدولة المالي الى فائض في میزان المدفوعات وفائض بالحجم الإحتیاطي بالعملات الأجنبیة نتیجة الفائض بمیزان المدفوعات.
ولم یستغرب حمود تصنیف MSCI الأخیر للبنان التي أكدت تخفیض تصنیف لبنان من أسواق مبتدئة الى أسواق مستقلة ما سیؤدي الى خروج سھمي Solidere A وSolidere B من مؤشر MSCI للأسواق المبتدئة نظرا لغیاب قانون ینظم عملیة التحویلات المالیة ما یشكل عقبة أما المستثمرون في الأسواق المالیة كما قال، ویجعل مخاطرھم كبیرة ما یعني باللبناني «الداخل منھا مفقود والخارج منھا مولود».
وفي ھذا السیاق ،سأل حمود عن جدوى الحدیث الیوم عن Capital Control، فھل لایزال المشروع ذا جدوى خصوصا أنه خرج ملیارات الدولارات من لبنان فالمطلوب الیوم قانون ینظم العملیات المصرفیة وبشكل مؤقت من شأنه أن یوحد المعاییر التي على اساسھا تجري العملة الأجنبیة.
تبقى المسألة الأھم برأي حمود،أن یحصل خرق سیاسي بتألیف حكومة «بقلوب صافیة وأیاد نظیفة» حیث أن الوضع اللبناني لا یحتمل الترقیع سائلاً: ماذا ننتظر لوضع الحلول لا سیما أن النموذج الحالي یجب ان ینكسر أو النمط الذي كانت تتبعه الدولة اللبنانیة».
حول ذلك شدد حمود على ضرورة إعادة ھیكلة النظام المالي والمصرفي في لبنان وھذا الأمر یتطلب معالجة من شقین: الشق الأول یتعلق بالموازنة العامة (إیرادات ونفقات) أما الشق الثاني فیتعلق بالنظام المالي والمدیونیة العامة بما فیھا المصرف المركزي حیث یمكن أن یتولى معالجة الشق الثاني فریق متخصص منفصل عن وزارة المالیة أو ربما وزیر دولة مؤقت لإدارة ھذا الملف لإعادة تكوین القطاع المالي والمصرفي فیستعید علاقات لبنان الدولیة خصوصا مع صندوق النقد الدولي والصنادیق المالیة الدولیة والعربیة والعمل على تغلیب مصالحنا بالإبتعاد عن صراعات المحاور والسلاح، وبذلك لا یمكن بد أن یلائم ھذا النموذج الجدید أیضا المعاییر الثلاثة التي طرحھا صندوق النقد الدولي مصحوبة بالأسئلة التالیة:
ھل ھناك خطة لمعالجة الدین العام والمالیة العامة؟
ھل ھناك رؤیة لحجم القطاع العام بعدیده ونوعیته ورواتبه وبانتاجیته المنوي استمراریته او تغییره؟
ونحو أي سعر صرف یتجه لبنان؟
وختم حمود: «لایزال في إمكان ھكذا نموذج إستعادة الثقة وإطلاق إشارات طمأنینة مطلوبة للأسواق والمصارف والمودعین والمستثمرین بشكل عام».



