لماذا تبدو عودة سوريي “ما بعد النظام” مستحيلة؟ (النهار 16 تموز)

شهدت خريطة اللجوء السوري في لبنان تحولاً جذرياً في تركيبتها ومسبباتها الديموغرافية. لم تعد التغريبة السورية نسخة مكررة من أحداث عام 2011، فنحن اليوم أمام “موجة ثانية” ولدت من رحم مشهد سياسي مغاير تماماً تلا سقوط نظام بشار الأسد.
هذه المتغيرات المتسارعة فرضت واقعاً ميدانياً شديد التعقيد في الداخل اللبناني، وتحديداً في محافظة بعلبك – الهرمل، حيث تداخلت الحسابات السياسية والهواجس المذهبية والاضطرابات الاقتصادية لتنسج مشهداً إنسانياً وأمنياً معقداً يفرض قراءة موضوعية تتجاوز السائد.
بورصة الأرقام
تكشف التقديرات الميدانية للأجهزة الأمنية اللبنانية، وفقاً لمصدر أمني لـ “النهار”، أن عدد السوريين الوافدين حديثاً والموجودين في المحافظة بات يفوق الـ 16,000 شخص. هذه الكتلة البشرية لم تعد تقتصر على القادمين عبر الحدود مباشرة، بل انضمت إليها أخيراً مئات العائلات السورية التي اضطُرت إلى النزوح مجدداً من قرى الجنوب اللبناني نحو البقاع الشمالي، إثر موجة الحرب الأخيرة التي ضربت مناطق وجودهم هناك.
إلا أن هذا الرقم لا يعكس سوى رأس جبل الجليد، إذ تشير المعطيات الإحصائية إلى أن ما يقارب 60,000 شخص قد عبروا الحدود اللبنانية في فترات قياسية عقب التحولات الأخيرة في سوريا.
هذه الكتلة البشرية الضخمة لم تستقر في مكان واحد، بل أُعيد توزيعها جغرافياً على مختلف المحافظات، في حين اختار الباقون الاستقرار في البقاع الشمالي كأقرب نقطة آمنة.
ما يميز هذه الموجة هو تلوّنها الطائفي والمذهبي الحاد، فهي تضم مزيجاً من عائلات تنتمي إلى الطائفتين الشيعية والعلوية، إلى جانب نسب ملحوظة من الطائفة السنية، وحضور أقل للطائفة الدرزية.
والمفارقة أن هذه الأرقام الأمنية مخصصة بالكامل للوافدين السوريين، ولا تشمل العائلات اللبنانية التي كانت تقطن قرى حوض العاصي الحدودية داخل الأراضي السورية ونزحت نحو العمق اللبناني بعد تبدّل القوى المسيطرة على الأرض.
المتاهة القانونية
يجد النازحون الجدد أنفسهم فور اجتياز الحدود أمام معضلة قانونية حادة تشبه المتاهة، حيث تتشابك الإجراءات لتضعهم في وضع معلّق بين حدّين: معضلة المعابر (الشرعية والخلّص)، إذ ينقسم الوافدون إلى فئتين، الأولى دخلت عبر البوابات الرسمية وحصلت على بطاقات إقامة موقتة قصيرة الأجل انتهت صلاحيتها ليتحول أصحابها قانوناً إلى فئة “الخلّص”، والثانية عبرت سابقاً خلسة من الجرود والمسالك غير الشرعية في الهرمل والقصر (المقفلة حالياً بفضل جهود مديرية المخابرات والجيش اللبناني)، لتصبح بلا أي مستند رسمي يثبت مشروعية وجودها.
تعقيدات التسوية وشلل الحركة: على الرغم من صدور مذكرات عن الأمن العام اللبناني تتيح تسوية الأوضاع (عبر الكفالات أو الإقامات المصرفية وسندات الملكية)، اصطدمت هذه التسهيلات بشروط معقدة للغاية، خصوصا للذين دخلوا البلاد خلسة ولا يملكون إقامات في الأساس، ما جعل طوق القانون يضيق حول أعناقهم.
هذا الانسداد القانوني جعل الفئة المذكورة تحديداً عاجزة تماماً عن تسوية أوضاعها، ما أدى إلى شل حركتها وتنقلها، وحرمانها المطلق القدرة على ممارسة أي عمل لتوفير قوت يومها.
تواجه هذه الموجة جداراً صلباً من الانكفاء الدولي، إذ تشير الأرقام إلى أن نسبة المسجلين منهم لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) لا تتعدى 10% وفق المصدر الأمني نفسه، وهو ما يعكس تبدلاً في سياسات المانحين مقارنة بالتسهيلات المفتوحة التي أعطيت للموجة الأولى عام 2011.
ثلاثية “موانع العودة”
رغم قسوة الظروف المعيشية وضيق الهامش القانوني في لبنان، يبقى خيار العودة إلى سوريا بالنسبة إلى هؤلاء بمثابة انتحار حتمي. ووفقاً لشهادات ميدانية حصلت عليها “النهار” من بعض الوافدين الجدد، فإن هذا الرفض القاطع لا يأتي من فراغ، بل يتغذى من ثلاثة مسارات معقدة ومتشابكة تجعل من الداخل السوري بيئة طاردة بامتياز:
أولا- الهاجس المذهبي وفوبيا الانتقام:
تمثل الخلفية الطائفية للقسم الأكبر من هؤلاء الوافدين (خصوصا الشيعة والعلويين، إلى جانب السُنّة الذين عُرفوا بولائهم أو عملهم في الهياكل الإدارية والعسكرية للنظام السابق) عائقاً أمنياً ونفسياً جوهرياً، وتتضاعف هذه المخاوف مع تواتر التقارير التي تتحدث عن اضطرابات وغياب للأمن في مناطق الساحل والجنوب السوري، مما يذكي فوبيا عمليات الانتقام والملاحقات السياسية والمذهبية، في غياب سلطة مركزية قوية ومحايدة تضمن سلامة الجميع.
ثانيا – سيولة الأمن وتشظي الدولة:
تفتقر الخريطة السورية الحالية إلى مفهوم “البيئة المستقرة”، فالمناطق تعاني سيولة أمنية حادة وانتشارا واسعا للفصائل المتعددة الولاء، وهذا التشظي يجعل من “العودة الآمنة” مجرد شعار نظري لا رصيد له على أرض الواقع، مما يدفع العائلات إلى تفضيل البقاء تحت وطأة التضييق في لبنان على المخاطرة بأرواحهم هناك.
ثالثا- الموت السريري للاقتصاد وتوقف الإعمار:
يمثل العامل الاقتصادي رصاصة الرحمة على فكرة العودة، إذ تعيش سوريا حالة شلل تام وغياباً فعلياً لأي دورة اقتصادية حقيقية، فمشاريع إعادة الإعمار مجمدة بالكامل نتيجة الفيتوات الدولية والشروط السياسية المعقدة. هذا الموت السريري للاقتصاد يترجم على الأرض انعداما مطلقا لفرص العمل، وركاما يغطي المنازل، وانهيارا في الخدمات الأساسية كالطبابة والتعليم، مما يجعل العودة قفزة نحو العوز التام.
على المقلب الآخر، لم يعد الداخل اللبناني المنهك اقتصادياً واحة مريحة، فالأزمة المالية اللبنانية التاريخية حدّت من قدرة المجتمع المضيف والجهات المحلية (بما فيها الأحزاب والقوى السياسية في بعلبك والجهات الدينية العراقية المانحة) على تقديم أي دعم مالي أو عيني، واقتصرت الإغاثة على مبادرات خجولة ومحدودة لا تسمن ولا تغني عن جوع.
ومع صرامة القوانين اللبنانية التي تحظر على هؤلاء النازحين ممارسة أي عمل أو فتح مؤسسات تجارية، والتشدد الأمني في ملاحقة حركتهم وتنقلهم بين المحافظات، حوصرت هذه الكتلة البشرية في حلقة مفرغة خانقة: “فلا مقومات الحياة والعمل متاحة لهم في لبنان، ولا الأمان الجسدي والمعيشي متوفر لهم في سوريا”، كما يؤكدون لـ “النهار”.
البعد الإجرائي
في موازاة الهواجس المذهبية، تضع حقائق إجرائية كشفتها مصادر أمنية سورية وشهادات ميدانية لـ”النهار” النقاط على الحروف قانونياً وتقنياً:
آلية التكليف الإداري للفيش الأمني: عند تقدم العائدين إلى المعابر، وفي حال وجود ما يُعرف بـ”الفيش الأمني” المرتبط بمخالفات سابقة (كالتخلف عن الخدمة الإلزامية، وحيازة السلاح، أو الانشقاق)، تعمد الأجهزة الحدودية المختصة إلى إعطاء الوافد “تكليفاً ورقياً موقتاً” لمراجعة إدارة الهجرة والجوازات في الداخل، حيث لا تستغرق عملية شطب الفيش وتحديث البيانات أكثر من خمس دقائق ليعود السجل نظيفاً بالكامل.
معيار التوقيف وطبيعة التصنيف: يؤكد المصدر الأمني نفسه أن الملاحقة القضائية والتوقيف تنحصر فقط بالمتورطين بجرائم جنائية أو قتالية موثقة (كالمشاركة الفعلية في معارك أو تنظيمات مسلحة)، ويضيف: “المفارقة الرقمية الصادمة التي تدحض البُعد المذهبي المتداول، هي أن 80% من الموقوفين يومياً على هذه الخلفيات ينتمون إلى الطائفة السنية، وليسوا من العلويين أو الشيعة، مما يؤكد أن التدقيق معيار قانوني قضائي بحت لا علاقة له بالانتماء الطائفي”.
من الأمن الموضعي إلى الرؤية الشاملة
وفقاً لمصدر لبناني متابع للملف، فإن الاستمرار في مقاربة ملف النازحين السوريين الجدد بعقلية “المعالجة الأمنية الموضعية” أو المياومة لم يعد مجدياً، وإن ترك الآلاف في العراء القانوني والاجتماعي، مع إغلاق منافذ العيش الشرعي وانكفاء المساعدات الدولية، يحوّل المنطقة إلى قنبلة موقوتة وبيئة خصبة للأزمات.
تكمن المصلحة المشتركة اليوم في صياغة آليات تنظيمية مرنة وشجاعة تضمن ضبط الوجود السوري وإحصاءه بدقة، بالتوازي مع فتح قنوات حوار إقليمية ودولية جادة لتهيئة ظروف موضوعية – أمنياً واقتصادياً – داخل سوريا، تسمح بإنتاج معادلة عودة طوعية، كريمة، ومستدامة تنهي فصول هذه الأزمة المركبة.



