أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لبنان أمام فرصة التفكيك والانسحاب أو الحرب والاحتلال (الجمهورية 6 تشرين الثاني)

تواجه الدولة اللبنانية فرصة قد تكون الأهم منذ أكثر من 4 عقود لإعادة صياغة علاقاتها مع إسرائيل، واستعادة سلطتها على كامل أراضيها، وإعادة رسم التوازنات الداخلية التي اختلّت بفعل النفوذ العسكري والسياسي لـ»حزب الله». فالتغيّرات التي طرأت مع تراجع قدرات الحزب بعد الحرب مع إسرائيل، أوجدت ظروفاً استثنائية، تسمح بإحداث تحوُّل في ميزان القوى الداخلي، ولا سيما من خلال ربط نزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية، ببدء الانسحابات الإسرائيلية التدريجية وإطلاق عملية إعادة الإعمار. لكنّ التعهّد بتفكيك بنية الحزب العسكرية، بوصفه شرطاً أساسياً للانسحاب الإسرائيلي، بات أمام معضلتَين: مواجهة داخلية أو حرب إسرائيلية. تحليلسياسي لبنان

المشكلة لم تعُد مرتبطة حصراً بقدرات الجيش اللبناني أو حجم المساعدات الدولية أو غياب آليات الرقابة، بل باتت تعكس، بحسب ديبلوماسي مطلع، «نقصاً في الإرادة لتحويل التعهد إلى إجراءات عملية خوفاً من حرب داخلية أو خارجية».

وكان الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وقّعته الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان في 26 حزيران 2026، قد رسم مساراً تدريجياً نحو ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، تقوم على ربط التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الشرعية، وفي مقدمتها «حزب الله»، وبسط السيطرة الفعلية للجيش اللبناني، بانسحابات إسرائيلية متعاقبة وإعادة إعمار المناطق المتضررة. وقد مثّل هذا الاتفاق الخطوة السياسية الأكثر تفاؤلاً منذ أكثر من 40 عاماً، إلّا أنّ تنفيذه تعثّر بعد أشهر من توقيعه. تحليلسياسي لبنان

فالمناطق التجريبية الأولى لم تحصل حتى الآن على شهادة تثبت استكمال إزالة السلاح والبنية العسكرية للحزب، كما انتهت المحادثات العسكرية التي استضافتها القيادة المركزية الأميركية في تامبا بين 20 و22 تشرين الأول، من دون التوصُّل إلى اتفاقات بشأن آلية التحقق. وبدأ الجيش اللبناني في 20 تموز عملياته في المناطق التجريبية الأولى، وتحديداً في فرون وصريفا وزوطر الغربية، معلناً في مرحلة لاحقة ضبط أسلحة ومصادرتها. وكان الاتفاق قد نصّ على الاستعانة بجهة ثالثة تتولّى التحقق من تنفيذ الالتزامات، إلّا أنّ واشنطن لم تتمكن حتى الآن من التوصُّل إلى تفاهم بين لبنان وإسرائيل بشأن الدولة أو الجهة التي ستضطلع بهذه المهمّة، بالإضافة إلى عدم حسم معايير تبادل المعلومات الاستخبارية، إمكانية الوصول إلى المواقع وإجراء عمليات التفتيش، وإصدار شهادات التحقق، فضلاً عن تحديد كيفية التعامل مع الانتهاكات.

اختبارات تكشف حدود الإرادة السياسية

يلفت الديبلوماسي، إلى أنّ السلطات اللبنانية ترفض بأي شكل المواجهة مع «حزب الله»، ممّا يدفعها إلى اللجوء إلى خيارات «رمادية» عند توقيف شحنات أسلحته أو اتخاذ قرار بإجراء مداهمة لمصادرة أسلحة، مشيراً إلى أنّ الحزب نفسه أقرّ في بيان (عقب مداهمة مستودع أدوية غير قانونية) بأنّ تنسيقاً يجب أن يحصل عند تنفيذ أي مداهمة، وحتى أنّه أقرّ بأنّ شحنات المتفجرات المضبوطة تعود إليه، وصولاً إلى أنّه يضغط لاستعادتها وتجنّب أي مسار قضائي يحاسبه وعناصره. ويأتي الاختبار الأبرز عند عدم مبادرة الدولة اللبنانية لتفكيك منشأة علي الطاهر، ممّا اضطر إسرائيل لتنفيذ عملية عسكرية وتدميرها. تحليلسياسي لبنان

وبحسب الديبلوماسي، إنّ «لبنان لا يزال يعتمد نهجاً مألوفاً يقوم على الجمع بين التعهّدات باستعادة السيادة والإقرار بالعجز عن تنفيذها، وطلب المساعدات والأموال، وإطالة الإجراءات بفعل التأخير السياسي والإداري، ومحاولة نقل المسؤولية بين الأطراف الدولية الراعية. لكن تقييم أداء الدولة لا ينبغي أن يستند إلى التصريحات أو الدوريات العسكرية الشكلية، بل إلى قدرتها على الاحتفاظ بالأسلحة المصادرة، وتنفيذ مذكرات التوقيف، وإجراء محاكمات جدّية، وإصدار أحكام مناسبة، ومنع «حزب الله» من إعادة بناء حضوره العسكري. والأهم أن تتمّ هذه الإجراءات بموافقة الحزب أو من دونها».

مشيراً هنا إلى عدم مبادرة الدولة إلى نشر حواجز تفتش جميع الآليات الكبرى والمتوسطة على الطرقات المؤدية من وإلى جنوب الليطاني وشماله والبقاع الغربي والضاحية، لفرملة تحرّكات نقل شحنات الأسلحة من منطقة إلى أخرى، وعدم السماح للحزب بإعادة بناء ترسانة عسكرية ستتأخّر الدولة لاحقاً في إزالتها لتأمين الانسحاب الإسرائيلي، مشبِّهاً الأمر بأنّ «تنقل الماء بالدلو من الخزان، فيما يُعيد شخص آخر ملء الخزان من الجهة الأخرى».

المساعدات وإعادة الإعمار

لا تقتصر أهمية التحوُّل السياسي والأمني الراهن على استعادة سلطة الدولة، بل تشمل أيضاً إنقاذ الاقتصاد اللبناني وإعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الحرب، ولا سيما المناطق ذات الغالبية الشيعية في الجنوب. فلبنان أمضى 3 سنوات منخرطاً في حروب لم تكن حروبه، وخاضها «حزب الله» ضدّ إسرائيل خدمة لمصالحه ومصالح إيران.

ووفق بيانات البنك الدولي، انكمش الاقتصاد اللبناني بنحو 40% بين عامَي 2019 و2024. وبعد وقف إطلاق النار، سجّل الاقتصاد مؤشرات تعافٍ محدودة خلال عام 2025، مع نمو بلغ 4,7%، إلّا أنّ استئناف القتال في آذار 2026 أدّى إلى عكس هذا المسار. كما أنّ استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في نحو 6% من الأراضي اللبنانية، إلى جانب استمرار المواجهة مع «حزب الله»، لا يزالان يعرقلان إصلاح الأضرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

وقدّر رئيس الحكومة نواف سلام، أنّ الأضرار المباشرة التي تسبَّبت بها الحرب بلغت نحو 20 مليار دولار، مع احتمال ارتفاعها إلى 27 ملياراً. ويتوقع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي اللبناني بنسبة 6,4% خلال عام 2026، بالتزامن مع تضخّم يناهز 17,5%. لكنّ المساعدات والقروض لتأمين إعادة الإعمار «ستتأخّر طالما أنّ الحزب لم يسلّم كل سلاحه. فمَن الذي سيدفع أموالاً ويُعيد بناء مبنى سيُعاد تدميره بعد فترة وجيزة؟ هذه المسؤولية تقع على عاتق الطرفين: الدولة اللبنانية و»حزب الله» في تقدير مصالح شعبهما، فإن أرادت الأولى وقف الثاني في وجهها، رافضاً مقايضة سلاحه لتأمين مسكن لأبناء بيئته». تحليلسياسي لبنان

غير أنّ الحزب يبدو عاجزاً عن تلبية جميع مطالب بيئته، التي يزداد استياؤها نتيجة تأخّر المساعدات وإعادة الإعمار، ولذلك بدأ يتبنّى موقفاً يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية تقديم الدعم، ممّا يشكّل برأي الديبلوماسي «الحجة الأساس التي يجب على الدولة أن تبني عليها موقفها من الحزب، فإذا نجحت في تأمين التمويل، يجب أن تبني بيئة سليمة لضمان استمرار ما ستبنيه، بدلاً من تأمين تمويل يخفّف الضغط على الحزب ويشجّعه على المغامرة العسكرية مرّة أخرى. فتكون قد موَّلت حملته الدعائية للحرب».

وعلى الرغم من الضغوط، لم يتخلَّ «حزب الله» عن البحث عن قنوات جديدة وقديمة لتحسين وضعه المالي. فإلى جانب استمرار تهريب الأموال النقدية داخل الحقائب من الخارج، يواصل استخدام العملات المشفّرة ووسائل التحويل غير التقليدية، ومنها نظام «الحوالة»، الذي يقوم على نقل الأموال عبر شبكة من الوسطاء وتسوية الحسابات بينهم خارج النظام المصرفي الرسمي.

ومن هذه القناة، يشير الديبلوماسي إلى أنّ «عقوبات تقودها واشنطن، وتشارك فيها مروحة واسعة من الدول تمتد من أوروبا إلى الخليج فالأرجنتين، ستتسع مروحتها لتشمل شخصيات في لبنان وإفريقيا، وبعضهم من الرسميِّين (أمنيّين، نواب، وزراء، بلديات) والأحزاب الموالية لـ«حزب الله» التي تؤمّن له غطاءً سياسياً في معظم الأحيان للاستمرار بعملياته». تحليلسياسي لبنان

آلية التحقق… مدخل لإعادة الإعمار

إلى ذلك، أوضح المصدر نفسه، أنّ اقتراحات عدة بديلة للمطلب الإسرائيلي بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني، قد عُرِضت خلال المفاوضات، لتؤدّي أخيراً إلى انسحاب وإعادة إعمار واتفاقية سلام بين البلدَين وأبرزها: استكشفالتاريخ

– إنشاء آلية انتقالية للتحقق من التنفيذ، تكون بديلاً موقتاً من القوة الدولية المتخصصة، شرط أن تكون قادرة على إثبات إزالة أسلحة «حزب الله» وبنيته العسكرية فعلياً، وضمان استمرار سيطرة الجيش اللبناني، بما يسمح ببدء الانسحابات الإسرائيلية التدريجية.

– على إسرائيل تقديم معلومات استخبارية قابلة للاستخدام والكشف بشأن مواقع «حزب الله» وتحرُّكاته، من خلال قنوات متفق عليها، تتيح للجيش اللبناني تنفيذ الإجراءات اللازمة وإخضاع النتائج لعمليات تحقق مستقلة.

– إنشاء فريق تقني صغير للتحقق، يضمّ ممثلين عن دول ومنظمات وخبراء مستقلين ومتعاقدين وجهات أخرى، تحظى بقبول الطرفَين، يتولّى تفتيش المواقع المعنية وإصدار شهادات تثبت إزالة السلاح والبنية العسكرية وفق معايير موحّدة (الفريق الأميركي كليرفيلد مؤهّل لقيادة الجانب العسكري من عملية التنفيذ).

– ضغط سياسي مباشر للسماح بعمليات التفتيش، وتنفيذ مذكرات التوقيف، والوفاء بالتعهّدات.

– الاتفاق مسبقاً على شروط الدخول إلى المواقع في كل منطقة تجريبية، وآليات إزالة الأسلحة والمنشآت العسكرية، وضمان استمرار سيطرة الجيش اللبناني، والخطوات التي ستتخذها إسرائيل فور التأكّد من استكمال هذه الإجراءات. وفي حال عودة نشاط «حزب الله» إلى أي منطقة، يجب إخطار الأطراف المعنية وتحديد مهلة لمعالجة الخرق، مع تعليق الخطوة الإسرائيلية المقابلة التالية إذا لم تتمّ معالجته، وإعادة تفعيل التدابير السابقة عند الضرورة. أما التهديدات العاجلة، فتبقى خاضعة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، على أن يجري تنسيق التعامل معها سريعاً عبر مجموعة التنسيق العسكري. استكشفالتاريخ

– توجيه المساعدات الدولية إلى وحدات الجيش اللبناني التي تخضع للتدقيق، مع إعطاء الأولوية للاستخبارات والهندسة وإزالة الأسلحة والذخائر، وتعزيز القدرة على التنقل والاستجابة السريعة.

– ربط أي تمويل أو تجهيزات إضافية بإثبات إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله» واستمرار سيطرة الجيش اللبناني، بدءاً بالمناطق التجريبية.

– تأتي إعادة الإعمار بعد إصدار شهادات التحقق لكل منطقة على حدة، فيحصل السكان والحكومة اللبنانية على عائد ملموس مقابل فرض سلطة الدولة، بدلاً من مكافأة التعهّدات التي لم تُنفذ. ويتطلّب ذلك، إخضاع الجهات المنفّذة والمستفيدين لعمليات تدقيق، تمنع استخدام أموال إعادة الإعمار لتعزيز شبكات المحسوبية التابعة لـ«حزب الله».

بانتظار الحكومة الجديدة

وعلى المستوى الديبلوماسي الأوسع، لا يُتوقع تحقيق اختراقات كبيرة قبل تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، في ضوء الانتخابات والتعقيدات السياسية الداخلية. لكن ذلك لا ينبغي أن يمنع الأطراف من إحراز تقدُّم أساسي في تنفيذ التزاماتها داخل المناطق التجريبية القائمة. فبإمكان لبنان استكمال تطهير المنطقة الأولى من خلال نزع سلاح «حزب الله» وتفكيك منشآته بصورة كاملة وعلنية. تحليلسياسي لبنان

بواسطة
شربل البيسري
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى