سلاح المخيمات الفلسطينية يفضح تقاعس الدولة اللبنانية (نداء الوطن 5 تشرين الثاني)

لم يعد ممكنًا التعامل مع سلاح المخيمات الفلسطينية كملف مؤجل أو تفصيل أمني قابل للمساومة. فبقاء مناطق خارج سلطة المؤسسات يجعل السيادة انتقائية والقانون بلا تنفيذ. ولبنان لا يحتمل تعدد المرجعيات المسلحة أو إدارة هذا الاستحقاق بالوعود. فحصرية السلاح معيار جدية الدولة وقدرتها على بسط سلطتها على أراضيها.
ويشكل هذا الملف اختبارًا لقرار الحكومة، التي أطلقت في 30 تشرين الأول 2026، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحضوره، التشاور حول “الخطة الوطنية لحوكمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان”. وشارك رئيس لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني السفير رامز دمشقية، وسفير فلسطين لدى لبنان محمد الأسعد، وياسر عباس، عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” ومفوض العلاقات الخارجية، إلى جانب ممثلين فلسطينيين ولبنانيين و”أونروا” وسفارتي النرويج وسويسرا.
وتقوم المسودة على ثلاثة محاور: السيادة والأمن والقانون؛ الحقوق والخدمات والتنمية الإنسانية؛ والإدارة والحوكمة. وتقترح تنفيذًا تدريجيًا يبدأ بمرحلة تأسيسية ونماذج مصغرة وصولا إلى الحوكمة الكاملة. وتشمل تسليم السلاح للجيش وإنهاء المظاهر المسلحة، وإنشاء مخفر لقوى الأمن الداخلي في كل مخيم وفق الشرطة المجتمعية، وبسط سلطة القضاء وتسليم المطلوبين، ومعالجة الحقوق والخدمات والأوراق الثبوتية، وإجراء مسوحات اجتماعية وعمرانية، وإنشاء هيئة لإدارة المخيمات. لكن المسودة لا تزال قيد التشاور، ولم تصبح خطة نهائية مقرة أو برنامجًا تنفيذيًا بمهل ملزمة.
ولم تبقَ المواقف الفلسطينية في حدود إعلان النوايا. ففي 21 أيار 2025، التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرئيس جوزاف عون في بعبدا، وصدر بيان مشترك أكد حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز التنسيق لضمان الاستقرار داخل المخيمات ومحيطها. وشدد عباس في مواقفه العلنية خلال زيارته على أن المخيمات تحت سيادة الدولة والجيش، وأن السلاح خارج إطار الدولة يضعف لبنان ويضر بالقضية الفلسطينية.
وقد أعلن ياسر عباس بدء تسليم دفعات من السلاح إلى الجيش ضمن مسار متدرج ومتفق عليه. وتضع هذه الخطوة الحكومة أمام استحقاق لا يجوز تبديده في المشاورات، ولا سيما أن المسار التشاوري سيمتد ستة أشهر قبل رفع الصيغة النهائية إليها. والمطلوب ألا تتحول المهلة إلى غطاء للتأجيل، بل إلى فرصة لتحديد جدول التنفيذ والمسؤوليات ومؤشرات الإنجاز والمحاسبة.
وفي السياق ذاته، لم يحصر ياسر عباس موقفه بتسليم السلاح، بل وصف الخطة بأنها انتقال من إدارة الأزمات وردود الفعل إلى العمل المؤسسي، ومن تداخل الأدوار إلى تحديد المسؤوليات وآليات التنسيق والمتابعة. وأكد دعم دولة فلسطين المشاورات والمشاركة في تطوير المسودة، مثمنًا تأكيد حق العودة ورفض التوطين، وعدم ربط الحقوق الإنسانية والمدنية بأي مسار آخر، ومراعاة خصوصية كل مخيم والتنفيذ المرحلي.
وكان عباس واضحًا في الفصل بين العمل السياسي والوجود العسكري؛ فحرية العمل السياسي الفلسطيني ضمن القانون والمؤسسات الشرعية لا تبرر تشكيلات عسكرية مستقلة أو صلاحيات أمنية موازية. وجدد احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه ومؤسساته، وتأييد حصرية السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، ورفض استخدام المخيمات في الصراعات. وشدد على أن بسط سلطة الدولة يجب أن يترافق مع حماية السكان وصون كرامتهم وتعزيز الثقة بالمؤسسات اللبنانية.
ولا تكتمل الحوكمة باختزالها في الأمن. فقد دعا ياسر عباس إلى معالجة القيود المتعلقة بالعمل والتملك والتوريث والحماية الاجتماعية وأوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية، ومراجعة التشريعات ذات الصلة لضمان الحقوق الإنسانية والمدنية. كما دعا إلى معالجة الإشكالات القانونية المرتبطة بالتواصل أو السفر إلى فلسطين، والتمييز بين التواصل المشروع مع دولة فلسطين ومؤسساتها وشعبها وبين التعامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وشدد عباس على دور “أونروا”، لا كمقدم للخدمات فحسب، بل كشاهد دولي على قضية اللاجئين ومسؤولية المجتمع الدولي، داعيًا إلى حماية ولايتها وتمويلها ومنشآتها وحيادها وضمان استمرار خدماتها حتى التوصل إلى حل عادل. فالغاية مخيمات آمنة، ولاجئون يعيشون بكرامة، وشراكة رسمية بين الدولتين، مع التمسك بحق العودة ورفض التوطين.
لبنان لا يحتاج إعلانًا جديدًا، بل قرارًا ينقل الخطة من التشاور إلى التنفيذ. بدأت خطوات فلسطينية عملية، وعلى الحكومة مواكبتها بجدول زمني ومسؤوليات محددة، واستكمال بسط سلطة المؤسسات بالتوازي مع الحقوق والخدمات. أما التأجيل فيكرس واقعاً يناقض مفهوم الدولة. فإما أن تثبت الحكومة أن السيادة قرار نافذ على كامل الأراضي، وإما أن تتحمل مسؤولية إبقاء الملف مفتوحاً. فالسيادة لا تقاس بما تعلنه الدولة، بل بما تفرضه على الأرض.



