نجل إردوغان إلى لبنان: زيارة «إنسانية» بأبعاد سياسية تتعارض مع تموضعات بعبدا | طرابلس بوابة أنقرة إلى الساحة السنّية (الأخبار 28 تشرين الأول)

لم تعد زيارة بلال إردوغان، نجل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إلى لبنان مجرّد تكهّنات جرى تداولها خلال الأشهر الماضية. فبحسب معلومات «الأخبار»، حُدّد موعد الزيارة منتصف الشهر المقبل، ضمن برنامج يغلب عليه الطابع الإنساني والاجتماعي، لكنه ينطوي على أبعاد تتجاوز العمل الخيري. فالزيارة تأتي في سياق حراك تركي متصاعد لتوسيع حضور أنقرة في لبنان، في لحظة إقليمية يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ.
وفيما ستقتصر اللقاءات الرسمية على الرؤساء الثلاثة وعدد من المراجع الروحية، تحتلّ طرابلس موقعاً متقدّماً في برنامج الزيارة. فبحسب مصادر معنية، يعتزم إردوغان تنظيم لقاء جماهيري يؤكّد خلاله أهمية المدينة بالنسبة إلى تركيا، فيما بدأ فريقه التحضير لجولة شعبية في أحياء المدينة القديمة، تترافق مع الإعلان عن مشاريع لترميم عدد من الأبنية الأثرية العائدة إلى الحقبة العثمانية، إلى جانب حزمة من المنح الدراسية في جامعات خاصة، تتجاوز برامج المنح التي تقدّمها أنقرة سنوياً في لبنان.
ويشمل البرنامج أيضاً لقاءات مع فاعليات دينية في المدينة، ومسؤولين في مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومعرض رشيد كرامي الدولي، للبحث في إمكانات التعاون وإطلاق مشاريع مشتركة بين هذه المؤسسات ومؤسسات تركية. ولهذه الغاية، سيضمّ الوفد المرافق لإردوغان رجال أعمال ومسؤولين في قطاعات خدمية تركية.
ووسّعت تركيا، خلال السنوات الماضية، نطاق مساعداتها ومشاريعها في لبنان عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا»، مستفيدةً من العمل الإنساني والثقافي والتنموي لبناء حضور تدريجي في عدد من المناطق. وفي الحسابات التركية، تبدو طرابلس البيئة الأكثر قابلية لاحتضان هذا الحضور، ليس فقط لما تختزنه من روابط تاريخية واجتماعية مع تركيا، بل لموقعها في المعادلة السنّية اللبنانية أيضاً.
وفي هذا السياق، تسعى أنقرة إلى كسر احتكار الرياض التقليدي للملف السنّي في لبنان، مستفيدةً من غياب مشروع سياسي سعودي واضح لإدارة هذه الساحة. فالرياض، التي أسهمت في إقصاء سعد الحريري عن الحياة السياسية، لم تعمل، طوال السنوات التي تلت خروجه، على إنتاج زعامة بديلة، بل مضت في سياسة حدّت من فرص قيام مشاريع سياسية وتنموية، وقلّصت أشكال الدعم للبيئة السنّية، تاركةً إياها في فراغ سياسي وزعاماتي كانت هي نفسها أحد أبرز أسباب نشوئه.
تسعى أنقرة إلى كسر احتكار الرياض للملف السنّي مستفيدةً من غياب مشروع سعودي واضح لإدارة الساحة السنّية في لبنان
وتراهن أنقرة، في هذا المجال، على استثمار دورها المحوري في إسقاط نظام بشار الأسد، ووصول القوى الإسلامية إلى الحكم في دمشق، وما رافق ذلك من ارتفاع في معنويات قطاعات من الشارع السنّي اللبناني، وجدت في الرئيس السوري أحمد الشرع شخصية سياسية تعبّر عن تطلّعاتها. كما تستفيد تركيا من صورتها بوصفها قوة إقليمية تمتدّ أدوارها من ليبيا إلى الصومال، وتقدّم نفسها في موقع المواجهة للمشاريع الإسرائيلية في المنطقة. وهي سردية لا تزال قابلة للاستثمار سياسياً داخل البيئة السنّية اللبنانية.
واختيار بلال إردوغان تحديداً، وهو أحد الأسماء المطروحة لأدوار مستقبلية داخل منظومة الحكم التركية، يحمل رسالة سياسية، بأن أنقرة، التي باتت صاحبة نفوذ واسع في سوريا، تريد أن تكون جزءاً من المعادلة التي ستتكرّس في لبنان، باعتباره جزءاً من المجال الجيوسياسي الذي يتشكل حول سوريا وشرق المتوسط.
وقد تكشّف هذا التوجّه خلال الأشهر الماضية عبر سلسلة خطوات تركية لبناء حضور مستدام وتثبيت موطئ قدم سياسي واقتصادي وأمني في لبنان، بدأت بتأكيد الرئيس رجب طيب إردوغان أن أمن تركيا من أمن لبنان وسوريا، مروراً بعرضه على الرئيس جوزيف عون تقديم دعم عسكري ولوجستي وتدريبي للجيش اللبناني، وصولاً إلى المشروع التركي لتوسعة مرفأ طرابلس، والدور الذي سعت أنقرة إلى أدائه لمنع تفجّر التوتر بين حزب الله والإدارة السورية الجديدة.
لكنّ هذا الاندفاع التركي يصطدم بحسابات مختلفة لدى رأس السلطة في بيروت. فمنذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية، اتّخذ عون خطوات تصبّ في دفع لبنان للتموضع ضمن شبكة علاقات إقليمية مختلفة، تضم الإمارات واليونان وقبرص والهند، وتتقاطع مع المصالح الإسرائيلية في شرق المتوسط. ومن أبرز هذه الخطوات إصرار عون على توقيع اتفاقية ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص، من دون تنسيق مع تركيا، التي أبدت انزعاجاً شديداً من الخطوة اللبنانية، ثم زيارته إلى أثينا، وحديثه عن تحالف استراتيجي مع اليونان، بالتزامن مع توقيعها أكبر اتفاق دفاعي مع إسرائيل. ويُضاف إلى انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى شبكة موانئ الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا، يوم السبت الفائت، واحتفال عون بالخطوة التي حصلت بتوجيهٍ منه، بما يوحي بانفتاح لبنان على مشاريع إقليمية منافسة للمشروع التركي في شرق المتوسط. وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية تعاطي السلطة اللبنانية مع العروض التركية، وما إذا كانت ستتعامل معها بوصفها فرصاً للتعاون الاقتصادي والعسكري، أم ستُبقيها معلّقة مراعاةً لحسابات إقليمية أخرى.



