تكاليف الشحن تغلق نافذة تصدير الديزل الأميركي إلى أوروبا

لم تعد أسعار الديزل وحدها هي التي تحدد اتجاه الشحنات إلى أوروبا، فقد أصبحت تكاليف النقل العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان استيراد الوقود من الولايات المتحدة يحقق عائداً اقتصادياً أم يتحول إلى صفقة خاسرة.
فبعدما جذبت الأسعار المرتفعة شحنات من ساحل الخليج الأميركي إلى أوروبا، أدى صعود أسعار الشحن إلى إغلاق نافذة المراجحة، رغم استمرار حاجة السوق إلى الإمدادات.
وبحسب تقرير لشركة كبلر لتحليلات الطاقة، ارتفعت أسعار شحن الديزل الفورية من ساحل الخليج الأميركي من نحو 250 نقطة على مقياس «وورلدسكايل» إلى أكثر من 400 نقطة، قبل أن تتراجع خلال الجلسات الأخيرة، حيث أدى ارتفاع تكلفة النقل بوتيرة أسرع من أسعار البيع إلى تحويل المراجحة بين هيوستن وروتردام إلى منطقة الخسائر، ما حدّ من قدرة الأطراف الثالثة على شراء الشحنات ونقلها إلى أوروبا لتحقيق أرباح.
وأضاف التقرير أن إغلاق نافذة المراجحة لا يعني توقف تدفقات الديزل، إذ تظل حركة التجارة مرتبطة بالجدوى الاقتصادية النسبية بين الأسواق، كما تختلف حسابات مالكي الشحنات عن حسابات المتداولين الذين يشترون الوقود بغرض إعادة بيعه بعد نقله.
وكان ترامب قد أعلن في 9 أكتوبر أن روسيا ستصدر فوراً 300 ألف طن متري من الديزل، بما يعادل نحو 2.25 مليون برميل، إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية، على أن تتبعها شحنات إضافية تبلغ 500 ألف طن في نوفمبر، ثم مليون طن «بعد ذلك مباشرة»، وفق تصريحاته.
ويأتي الاتفاق ضمن مساعي الإدارة الأميركية لخفض أسعار الديزل المرتفعة قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، كما شمل تخفيف أجزاء من قانون عقوبات أميركي جديد على روسيا، فيما هدد ترامب أوروبا بحظر صادرات الديزل الأميركية إذا لم تسحب دول أوروبية كميات إضافية من احتياطياتها الطارئة للمساعدة في تهدئة الأسعار.
كيف تغلق تكاليف الشحن نافذة المراجحة؟
تُقاس مراجحة الديزل بالفارق بين سعر بيع الشحنة في ميناء الوصول والتكلفة الإجمالية لوصولها من ميناء المنشأ، بما يشمل الشحن والتكاليف المرتبطة بالنقل، حيث تكون المراجحة إيجابية عندما يسمح هذا الفارق بتحقيق ربح، بينما تصبح سلبية عندما تتجاوز تكلفة الوصول سعر البيع المتاح.
وبالنسبة إلى الشحنات المتوقع وصولها إلى روتردام في نوفمبر، أظهرت حسابات كبلر أن فرص المراجحة أصبحت سلبية لجميع مصادر الإمداد المدرجة في المقارنة، حيث تتراوح الخسائر من نحو دولار واحد للبرميل للشحنات القادمة من ساحل الخليج الأميركي، إلى نحو 60–70 دولاراً للطن للشحنات من الساحل الغربي للهند، وصولاً إلى نحو 150 دولاراً للطن من أولسان في كوريا الجنوبية، ويعكس هذا التفاوت اختلاف تكلفة نقل الديزل والظروف السعرية بين مسارات التجارة، وليس بالضرورة اختلافاً في طبيعة السلعة نفسها، فالديزل يُتداول في سوق عالمية مترابطة، وتُقارن جدوى الشحنات على أساس ميناء المنشأ وميناء الوصول.
برميل النفط يعكس اختلالاً بين الخام والمنتجات
تأتي هذه التطورات في سوق لا تزال تتأثر بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، فبعد نحو ثمانية أشهر من الاضطرابات، تعافت تدفقات النفط الخام الرئيسية، إذ بلغ متوسط التدفقات خلال سبعة أيام نحو 24 مليون برميل يومياً، مقارنة بمستوى مرجعي قبل الحرب يبلغ 23 مليون برميل يومياً.
وتقول شركة تحليلات الطاقة إن صادرات المنتجات النفطية لم تتعافَ بالوتيرة نفسها، إذ لا تزال صادرات المنتجات من الخليج أقل بنحو 50% من مستويات ما قبل الحرب.
كما استمرت المخاطر على الممرات المائية، مع تعرض 18 سفينة لهجمات خلال فترة امتدت 11 يوماً، حيث تظهر الأسعار هذا الاختلال، إذ تداول خام برنت تسليم ديسمبر عند أقل قليلاً من 110 دولارات للبرميل، بينما بلغ سعر زيت الغاز في بورصة إنتركونتيننتال (ICE) تسليم نوفمبر نحو 1,477 دولاراً للطن، بما يعادل قرابة 200 دولار للبرميل.
وأضافت كبلر أنه في حين تدعم أسعار الديزل سوق المنتجات النفطية، تظل بقية مكونات البرميل تحت ضغوط مختلفة، غير أن ارتفاع سعر المنتج لا يكفي وحده لضمان وصوله إلى السوق المستوردة، إذا ارتفعت تكاليف الشحن بما يلتهم هامش الربح.
مستوى 330 نقطة قد يعيد فتح المسار الأميركي
تكشف حسابات كبلر عن حساسية المراجحة بين ساحل الخليج الأميركي وروتردام لتغير أسعار الشحن. فمع ثبات بقية المدخلات، يؤدي خفض تكلفة الشحن المفترضة إلى 330 نقطة على مقياس «وورلدسكايل» إلى جعل المراجحة قابلة للتحقق بالكاد.
ويقدم ذلك مؤشراً لمتابعة السوق، خصوصا أن أسعار الشحن على المسار المعروف باسم TC14 اقتربت من 400 نقطة في نهاية الأسبوع السابق للتقرير.
وفي المقابل، تشير بيانات حركة السفن إلى أن نحو 180 سفينة كانت في طريقها فارغة إلى منطقة ساحل الخليج الأميركي خلال 15 يوماً، بما يعكس زيادة محتملة في الطاقة الاستيعابية المتاحة.
وترى كبلر أن تراجع أسعار TC14 إلى نطاق 340–350 نقطة، مع ثبات بقية العوامل، قد يعيد فتح نافذة المراجحة، «لكن ذلك يظل مرتبطاً بتطورات تكاليف النقل وأسعار البيع الفعلية، ولا يمثل ضماناً لاستمرار الجدوى الاقتصادية إذا تغيرت هذه المدخلات».
علاوات السوق الفعلية تغير الحسابات سريعاً
وبحسب تقرير كبلر، فإن علاوة الديزل للشحنات المتوقع وصولها في أواخر نوفمبر تحولت من موجب 25 دولاراً للطن في 12 أكتوبر إلى سالب 4 دولارات للطن في 19 أكتوبر، وهو تغير بنحو 30 دولاراً للطن خلال أسبوع واحد، حيث جاء هذا التحول في وقت كانت السوق تقيّم فيه احتمالات الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية والجهود الدبلوماسية لتأمين مزيد من الديزل من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
ويوضح هذا التغير أن تحركات الأسعار الفعلية قد تؤثر في ربحية الشحنات بسرعة، حتى عندما لا تتحرك أسعار العقود الآجلة بالوتيرة نفسها.
وبالتالي، فإن مراقبة تكاليف الشحن وحدها لا تكفي لاتخاذ قرارات الاستيراد؛ إذ يتعين على المتداولين متابعة أسعار البيع الفعلية، وتكلفة النقل، وتوقيت الوصول، إلى جانب الفارق بين سعر المنتج وسعر النفط الخام.
إغلاق المراجحة لا يوقف تدفق الديزل
توضح بيانات كبلر أن شحنات الديزل من الهند إلى أوروبا تراجعت بين مارس ويونيو، عندما كانت الجدوى الاقتصادية ترجّح توجيه الشحنات شرقاً. لكن التدفقات عادت بدءاً من يوليو، وكان سبتمبر من بين الأشهر الأعلى من حيث حجم الشحنات منذ فترة طويلة، بعد أن فُتحت نافذة المراجحة أمام الأطراف الثالثة في أغسطس.
ولا تزال الشحنات قصيرة المسافة من ينبع إلى منطقة البحر المتوسط مجدية اقتصادياً، فيما تظل الشحنات من الساحل الغربي للهند إلى روتردام أقل سلبية من مسار الهند إلى سنغافورة، وهو ما يدعم استمرار توجيه بعض الكميات غرباً.
كما تختلف قرارات مالكي الشحنات عن قرارات الأطراف الثالثة؛ فقد يختار المنتج أو مالك الشحنة نقل الديزل إلى أوروبا حتى عندما لا يستطيع متداول مستقل شراء الشحنة ونقلها وبيعها لتحقيق ربح. لذلك، تعكس إشارة المراجحة اتجاه الشحنات الهامشية، ولا تحدد وحدها حجم التدفقات الفعلية.
إشارات المراجحة تسبق وصول الشحنات
وفقاً لكبلر، ارتفعت أحجام الشحنات المحمّلة في أكتوبر من 336 ألف طن إلى أكثر من مليون طن خلال بضعة أيام، بالتزامن مع فتح نافذة المراجحة في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر، وظهر نمط مشابه خلال الربيع، عندما أعقبت إشارة المراجحة في أواخر مارس وأوائل أبريل زيادة في التدفقات بحلول مايو.
ويشير التقرير إلى ضرورة مراعاة فترة تأخير تقارب شهراً عند مقارنة إشارة المراجحة المحسوبة على مدى خمسة أيام بمتوسط التدفقات خلال 28 يوماً، حيث يعني ذلك أن عودة الجدوى الاقتصادية لا تظهر بالضرورة في بيانات الواردات فوراً، كما أن إغلاق النافذة لا يوقف الشحنات التي اتُّخذت قرارات تحميلها بالفعل.
الإمدادات الأميركية والروسية ترسمان ملامح السوق
تأتي أهمية المسار الأميركي من حصته في إمدادات أوروبا، إذ وفر ساحل الخليج الأميركي ما يقرب من نصف واردات شمال غرب أوروبا من الديزل خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وهي حصة أكبر بكثير من مستواها قبل عام.
وتقول كبلر إن المصافي الأميركية شغّلت طاقاتها بمعدلات مرتفعة منذ أبريل، وساعدت في سد فجوة خلّفتها الشحنات الروسية المفقودة في أسواق مثل البرازيل ودول الأميركتين. لذلك، فإن فرض قيود على صادرات الديزل الأميركية قد يضيف ضغطاً على السوق التي تواجه بالفعل نقصاً في إمدادات الشرق الأوسط، فضلاً عن أثر فقدان الشحنات الروسية.
وتواجه أوروبا أيضاً طلباً ضعيفاً نسبياً على الديزل، بعدما حولت المصافي إنتاجها نحو المقطرات، بينما بقي صافي ميزان الديزل في شمال غرب القارة أعلى من نطاقه الموسمي المعتاد، غير أن تراجع المخزونات سيجعل إعادة بنائها ضرورية، حتى مع توقعات شتاء أكثر دفئاً.



