أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

إلى المصارف: أموال النهب ليست أرباحاً (الجمهورية 23 تشرين الأول)

عاد الجدال بين وزارة المالية والمصارف إلى الواجهة، وهذه المرّة حول التصاريح الضريبية المرتبطة بسندات اليوروبوندز ومنصة صيرفة، وما إذا كانت العمليات التي أجرتها المصارف قد حققت أرباحاً فعلية (أي نهب) أم خسائر، وما الذي يجب احتسابه ضريبياً، وما الذي يمكن اعتباره مؤونة (النهب) أو خسارة قابلة للتنزيل. تصريحات متبادلة، واعتراضات، وتفسيرات محاسبية وقانونية، ومفاوضات حول الأرقام. تحليلاتمفاوضات

ما هذه الوقاحة؟
الفضيحة أنّ هذا النقاش يجري وكأنّ شيئاً لم يحدث، وكأنّ «سرقة القرن» لم تقع، وكأنّ ودائع الناس لم تُحتجَز، وجنى أعمارهم لم يُنهب، وكأنّ آلاف الناس لم يدفعوا ولا يزالون يدفعون ثمن السرقة.

يتجادلون حول المؤونات وفروقات الصرف والتصاريح الضريبية، ويتبادلون الاعتراضات والتفسيرات، فيما لا يزال أصحاب الحقوق ينتظرون استعادة أموالهم، ولا أحد يقدّم لهم حساباً واضحاً عمّا جرى، ولا محاسبة لِمَن يتحمّل المسؤولية.

ثم يخرجون إلينا بخطط تسديد تمتد على 20 عاماً، وكأنّ المطلوب من المودع أن يسلّم عمره للانتظار. أي منطق هذا الذي يحوّل حق الناس إلى جدول زمني طويل، ويعامل أموالهم وكأنّها دين مؤجَّل يمكن تسديده متى تيسّرت الظروف، لا حق سُلب منهم ويجب العمل على استعادته؟

كأنّ كل شيء طبيعي
إنّ الوقاحة ليست في الاختلاف على الأرقام، بل في التصرُّف وكأنّ الحياة تسير بصورة طبيعية، وكأنّ ما حصل مجرّد مشكلة محاسبية تحتاج إلى بعض التسويات، لا سرقة ضخمة دمّرت حياة الناس وضربت ثقتهم بالدولة والمصارف.

ثم، ألَم يخطر ببال مسؤولينا بعبقريّتهم الفذة، أنّ الاختلاف في الأرقام حلّه بسيط وبديهي: فتح دفاتر المصارف وإخضاع حساباتها لتدقيق شامل وشفاف، يكشف حقيقة العمليات والأرباح والخسائر والتحويلات، ويُحدِّد بوضوح مسؤولية كل طرف؟

إنّ الشفافية ليست مطلباً إضافياً يمكن تأجيله إلى حين التوصُّل إلى تسوية، ولا امتيازاً يُمنح للمودعين عندما تسمح الظروف. إنّها المدخل الضروري لمعرفة ما جرى، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة مَن سرق ونهب، واستعادة الثقة التي دُمّرت بين الناس والمصارف والدولة.

لقد دفع الناس الثمن من مدّخراتهم وأعمالهم وشيخوختهم ومستقبل أولادهم. فهل المطلوب منهم أيضاً أن يبقوا رهائن خلافات محاسبية وضريبية لا تنتهي، فيما لم تُكشف أمامهم بصورة شاملة وشفافة حقيقة ما حصل بأموالهم؟ ألم يحن الوقت للخروج من هذه الدوامة؟ ابدأوا بفتح الدفاتر، ودعوا الأرقام تتكلّم.

مرفأ بيروت ومحيطه
في سياق آخر، إلى القيِّمين على مرفأ بيروت والمسؤولين عن تطويره، وإلى شركة CMA CGM، أجيبونا: كيف ستُنقل البضائع من المرفأ وإليه؟ هل المطلوب تطوير المرفأ من الداخل، وزيادة قدرته الاستيعابية وتحديث تجهيزاته، من دون التفكير جدّياً في ربطه بشبكة مواصلات فاعلة؟ كيف يمكن تحويله إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، فيما الطرقات المحيطة به تعاني الاختناق؟

إنّ تطوير المرفأ لا يمكن أن يقتصر على الأرصفة والرافعات والمستودعات. فهو جزء من منظومة اقتصادية متكاملة، تبدأ بوصول السفن ولا تنتهي إلّا بوصول البضائع إلى وجهتها.

لقد حان الوقت لنفكّر بعقلية الإنتاج، لا بعقلية إدارة الأزمات وتأجيل الحلول. والمؤسف أنّ مسؤولينا يتصرَّفون وكأنّ شيئاً لم يحدث، وكأنّ لبنان يملك ترف الوقت، فيما اقتصاده معرَّض لمزيد من الانهيار، ولا نزال نناقش في جنس الملائكة. ارحموا هذا الشعب وانتقلوا إلى حلول فاعلة، تبدأ بفتح الدفاتر أمام الرأي العام، وبيع الأراضي والذهب واستثمار أصول الدولة بشفافية، وفتح المجال أمام إنشاء مصارف جديدة، وبالطبع إقرار الشفافية المطلقة في إدارة المال العام.

لم يعُد لبنان يحتمل مزيداً من التسويف، بل يحتاج إلى قرارات جريئة وخطة إنتاجية متكاملة، تعيد تحريك اقتصاده وتضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار.

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى