أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

من قادر على تملّك شقّة في لبنان؟ (نداء الوطن 23 تشرين الأول)

المتر يتراوح بين 2000 و 10 آلاف في بيروت

لم يعد شراء عقار أو شقة سكنية أمرًا سهلًا في لبنان. فالسوق العقارية لم تستعد عافيتها بعد الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد، وسط محدودية العرض والطلب، رغم الحاجة المتزايدة إلى التملّك. ويزداد المشهد تعقيدًا في ظل الاعتماد على الدفع النقدي، وغياب القروض السكنية الفاعلة باستثناء مبادرات تمويلية مصرفية خجولة، فيما تواصل أسعار الشقق ارتفاعها متأثّرة بالتضخّم وزيادة تكاليف البناء. كم بلغت أسعار الشقق السكنية، وهل عادت إلى مستويات 2019، وهل تعكس القيمة الفعلية للبيع والشراء؟

بين الحاجة إلى التملّك والمدخول الضئيل وارتفاع أسعار الشقق السكنية، يتخلّى عدد كبير من الشباب عن فكرة شراء منزل بسبب عدم استيفاء شروط القروض المحدودة التي تمنحها بعض المصارف، وخصوصًا التجارية التي تتقاضى فوائد مرتفعة جدًا. وسامي واحد من هؤلاء الشباب الذي يطمح إلى شراء شقّة سكنية جديدة، إلا أن الفائدة المرتفعة وارتفاع أسعار الشقق، خصوصًا الجديدة منها، جعلته يعدل عن تلك الفكرة، كما أوضح لـ”نداء الوطن”، واضعًا أمامه فكرة استئجار شقّة عند الضرورة ونازعًا من رأسه مشروع الزواج، أقلّه في الفترة الراهنة.

حول واقع القطاع وعجلة البيع والشراء، أوضح المستشار العقاري أحمد الخطيب لـ”نداء الوطن” أن “الشقق التي تتمتع بموقع مناسب ومواصفات جيدة وسعر واقعي تجد فرصًا أفضل للوصول إلى المشترين الجدّيين، بينما تواجه العقارات المسعّرة بأرقام مبالغ فيها صعوبات في التسويق، ما يطيل فترة عرضها ويؤخر إتمام الصفقات. ومن الضروري التمييز بين السعر الذي يطلبه المالك والقيمة السوقية الفعلية التي يمكن تحقيقها، إذ أصبحت السوق أكثر حساسية تجاه التسعير، ولم يعد الاعتماد على الأسعار التاريخية أو التوقعات الشخصية كافيًا”.

ويلفت إلى أن “غياب التمويل السكني يشكّل أحد أبرز العوائق أمام استعادة النشاط الطبيعي للقطاع. فبعدما كانت القروض المصرفية تتيح للشباب والعائلات الجديدة فرصة التملّك على مراحل، أصبح الشراء يعتمد بدرجة كبيرة على السيولة النقدية. وقد أدّى ذلك إلى تضييق قاعدة المشترين، وحصر جزء مهم من الحركة العقارية بالأفراد الذين يمتلكون مدّخرات جاهزة أو يستفيدون من مداخيل وتحويلات من الخارج”.

وحول أسعار الشقق، أوضح أن “السوق العقارية تظهر مؤشرات التعافي تدريجيًا، لا سيما في بيروت وضواحيها، إلا أن هذا التحسن يبدو متباينًا بين مختلف المناطق، ولا يعكس صورة كاملة وشاملة لحركة البيع والشراء، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:

– تشهد بعض المناطق استقرارًا نسبيًا، مع تسجيل تحسن طفيف بنسبة تتراوح بين 5% و10% مقارنة بالسنوات الماضية، في حين تظل الأسعار أدنى بقليل عما كانت عليه قبل أزمة عام 2019.

– تتفاوت أسعار العقارات بحسب المواقع. في ضواحي بيروت، يتراوح سعر المتر المربع الواحد تقريبًا بين 1300 و1800 دولار، بينما يرتفع في أحياء الأشرفية ليصل إلى 3000 دولار.

وبالتالي، فإن سعر الشقة التي تبلغ مساحتها، على سبيل المثال، 100 متر مربع، يتراوح بين 130 ألفًا و300 ألف دولار، وفقًا لموقعها ومواصفاتها، مع الإشارة إلى أن هذه التقديرات لا تمثل بالضرورة أسعار البيع النهائية.

ويتركّز الطلب حاليًا على الوحدات السكنية الصغيرة التي تتراوح مساحاتها بين 80 و150 مترًا مربعًا، وخاصة من قِبل العائلات الشابة وأصحاب الدخل المتوسط. لكن غياب التمويل المصرفي الكافي يحول دون ترجمة هذا الطلب الفعلي إلى عمليات شراء حقيقية.

أما في ما يتعلق بالمشاريع السكنية الجديدة، فلا تزال حركة البناء مستمرة، ولكن بوتيرة محدودة وانتقائية، وليس كما كانت عليه في السابق؛ فالمطوّر يضطر إلى شراء الأراضي والقيام بأعمال الإعمار بنفسه، وغالبًا ما يحجم عن البيع بالتقسيط إلا لمن يعرفهم جيدًا”.

سعر المتر بين 2000 و10 آلاف

تتراوح أسعار الشقق في بيروت بين ألفَي دولار وعشرة آلاف دولار للمتر المربع، كما أوضح نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان وليد موسى لـ”نداء الوطن”، مؤكّدًا أن “الأسعار عادت بالفعل إلى مستوياتها السابقة، خصوصًا في بيروت وبعض المناطق، حتى إنها قد تكون تجاوزتها في بعض المناطق رغم محدودية العرض والبناء”.

السبب بحسب موسى، يعود إلى “مواكبة التضخّم المتسارع الذي شكّل الدفعة التي أعادت الأسعار إلى مستوياتها السابقة أو حتى أعلى. وظهر ذلك خصوصًا في المناطق ذات القدرة الشرائية المرتفعة، مثل بيروت والمصايف، ومنها فقرا وفاريا والبترون وعمشيت، حيث سجلت الأسعار ارتفاعًا كبيرًا.

وفي تفسيره لواقع السوق، يشير موسى إلى أن “العرض محدود، لأن الذين أرادوا البيع باعوا بالفعل خلال الأزمة، فيما اشترى الراغبون في الشراء. اليوم، عمليات الشراء تتسم بحذر شديد، ويسعى المشترون إلى البحث عن أسعار معقولة، لكن ارتفاع الأسعار أحدث نوعًا من عدم التوازن بين السعر الذي يريده المشتري والسعر الذي يطلبه البائع.

أما الحركة القائمة في السوق والفئة التي تتملّك والقادرة على التملّك، فتقتصر بحسب موسى “على الميسورين الذين يعيشون في لبنان ويتمتعون بوضع مالي يتيح لهم تحقيق مداخيل بالدولار أو المغتربين. وحصة المغتربين في التملّك في لبنان كانت كبيرة قبل الأزمة، إلا أنها تراجعت، وهذا ما تبيّنه الأرقام، إذ تراجع عدد العمليات العقارية بنحو 25% في عام 2026 مقارنة بالعام 2025 للأسباب التالية:

– العام 2026 جاء محمّلًا بالحروب، في حين أن 2025 كان سنة التفاؤل السياسي مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وتسمية رئيس للحكومة وتشكيل مجلس وزراء.

– تأثّر الجالية اللبنانية في الخارج، ولا سيما في منطقة الخليج، بالأزمات الاقتصادية التي انعكست انخفاضًا في مداخيلها ومردودها المالي، وأدت إلى تراجع التحويلات الخارجية في لبنان، ما انعكس سلبًا على حجم الاستثمارات العقارية. في ظلّ هذا الواقع، ما السبيل لتحريك السوق العقارية؟

في هذا المجال، يؤكد موسى أن “كل مبادرة تمويلية إيجابية تصبّ في مصلحة هذا القطاع، لأن السوق تحتاج إلى القروض السكنية، مثل قروض مصرف الإسكان التي بدأت منذ نحو سنتين. واليوم هناك قروض المؤسسة العامة للإسكان التي ستباشر العام المقبل منحها بعد إقرار المبلغ المحدّد لها في موازنة عام 2027. فرغم خفض المبلغ من 60 مليون دولار إلى 24 مليونًا، فإن القروض التي ستُمنح تبقى أفضل من لا شيء. عدا عن معاودة بعض المصارف تقديم قروض سكنية بفوائد مرتفعة”.

تلك المبادرات، يقول موسى، “تعيد الأمل إلى القطاع العقاري، مع العلم أنه لا يمكن قيام قطاع عقاري سليم أو قطاع مصرفي سليم من دون قروض سكنية”، معربًا عن أمله في انفراج الأوضاع وتحسّنها بما يسمح للقطاع باستعادة نشاطه والعودة إلى مقدمة القطاعات التي تشهد انتعاشًا. لكن ما هي الأسباب وراء ارتفاع الأسعار؟

فجوة الأسعار والقدرة الشرائية

“عوامل عدة تساهم في خلق فجوة بين أسعار الوحدات السكنية الجديدة والقدرة الشرائية لشريحة واسعة من اللبنانيين”، يقول الخطيب، ومنها: المخاوف المتعلقة بالنزاعات القضائية وطول أمد التقاضي، وانعدام التمويل، فضلًا عن الارتفاع الملحوظ في كلفة البناء خلال هذه الفترة.

كما تؤثر محدودية القروض السكنية سلبًا على حجم المعاملات العقارية، وتحدّ من سرعة تصريف الشقق المعروضة رغم وجود طلب فعلي، إذ يفضّل المالك الاحتفاظ بعقاراته في الوقت الحالي بدلًا من بيعها بأسعار غير مناسبة.

التعافي الحقيقي للسوق العقارية لا يُقاس بارتفاع أسعار الشقق، بل بعودة القدرة الشرائية للأفراد وتوفّر التمويل السكني ما يتيح للعائلات اللبنانية التملّك، ويحقق توازنًا مستدامًا بين العرض والطلب، عدا طبعًا عن توفّر الاستقرار الأمني وارتفاع مداخيل الأسر والرواتب.

 

بواسطة
باتريسيا جلاد
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى