10 رسائل من صندوق النقد للشرق الأوسط: نفط بـ130 دولاراً في سيناريو التصعيد

قد يصل متوسط سعر النفط إلى نحو 130 دولاراً للبرميل في 2027 إذا امتدت حرب الشرق الأوسط حتى الربع الثاني من العام المقبل واستمرت اضطرابات الإنتاج والتجارة، وفق سيناريو سلبي وضعه صندوق النقد الدولي، في واحدة من أبرز الإشارات التي يحملها تقريره الجديد عن آفاق اقتصادات المنطقة.
الرقم، الذي يزيد بنحو 45% على السيناريو الأساسي للصندوق، لا يعني بالضرورة مكاسب أكبر لمصدري النفط. فالاضطراب الذي يرفع الأسعار هو نفسه الذي يخفض أحجام الإنتاج ويعطل التجارة والنقل والاستثمار، ما يجعل بعض الاقتصادات المصدرة من أكبر المتضررين حتى مع صعود الخام.
ويرسم تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط وآسيا الوسطى» الصادر في أكتوبر 2026 صورة شديدة التباين: اقتصادات خليجية تتحمل جانباً كبيراً من صدمة تعطل الطاقة، ودول مستوردة للنفط أظهرت صموداً يفوق المتوقع، فيما تتراجع الهوامش المالية والخارجية وتتزايد أهمية المؤسسات وتنويع طرق التجارة في تحديد قدرة الدول على مواجهة الصدمات.
وهذه أبرز 10 رسائل من التقرير:
1- استمرار الاضطرابات قد يدفع النفط إلى 130 دولاراً في 2027
يفترض السيناريو السلبي للصندوق استمرار الصراع حتى الربع الثاني من 2027، مع بقاء تعطل إنتاج النفط لدى المصدرين المتضررين قريباً من مستوياته المسجلة في 2026. ومع تآكل المخزونات والعوامل التي كبحت الأسعار حتى الآن، قد يرتفع متوسط النفط إلى نحو 130 دولاراً للبرميل.
لكن ارتفاع الأسعار لا يعوض بالضرورة خسارة الإنتاج. ففي هذا السيناريو، يقل الناتج الحقيقي للدول المصدرة المتضررة مباشرة بنحو 3.8% عن خط الأساس في 2027، بينما يرتفع التضخم بنحو 1.25 نقطة مئوية.
أما الدول المستوردة للطاقة فتواجه مزيجاً من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم. وبذلك، لا تكمن المخاطرة في سعر البرميل وحده، بل في اجتماع الأسعار المرتفعة مع تعطل القدرة على إنتاج الطاقة ونقلها.
2- الإنتاج هبط من 33 إلى 19 مليون برميل يومياً
تكشف أرقام الإنتاج حجم الصدمة بصورة أوضح من حركة الأسعار. فقد انخفض إنتاج النفط لدى المصدرين المتضررين مباشرة من نحو 33 مليون برميل يومياً في فبراير إلى قرابة 19 مليوناً في مايو.
وكانت البحرين والعراق وإيران والكويت وقطر الأكثر تعرضاً بسبب الاعتماد الأكبر على مضيق هرمز ومحدودية البدائل، فيما انخفض إنتاج النفط والغاز في قطر بما يصل إلى 86% في أشد مراحل الاضطراب.
في المقابل، كانت السعودية والإمارات أقل تضرراً نسبياً بفضل محدودية الأضرار واستخدام خطوط أنابيب ومسارات تصدير بديلة. إلا أن الضغوط تجددت في أغسطس، عندما دفعت اضطرابات خطوط الأنابيب والملاحة عبر باب المندب إنتاج السعودية إلى أدنى مستوى منذ بدء الصراع.
وظل إنتاج الدول المتضررة، حتى بعد التعافي الجزئي، أقل بنحو 30% من مستويات فبراير.
3- الخليج يتحمل الجزء الأكبر من صدمة الحرب
يتوقع صندوق النقد انكماش اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 4.8% في 2026، بعد نمو 4.5% في 2025، قبل ارتداد قوي يبلغ 9.1% في 2027 مع استعادة إنتاج الطاقة والتجارة.
ولا تقتصر الضربة على النفط. فالنشاط غير النفطي الخليجي مرشح للانكماش بنحو 0.8% هذا العام، بعدما نما 4.5% في 2025، مع امتداد آثار الحرب إلى التجارة والنقل والسياحة والاستثمار والثقة.
وخفض الصندوق توقعاته لنمو الخليج في 2026 بنحو 6.8 نقاط مئوية مقارنة بتقديراته في أبريل، لكن حجم الضرر يختلف بين الدول بحسب مدى الاعتماد على هرمز وتوافر قنوات تصدير بديلة.
أما النمو القوي المتوقع في 2027، فيعكس بدرجة كبيرة استعادة إنتاج فقد خلال الأزمة أكثر من كونه تسارعاً جديداً في المسار الاقتصادي الأساسي.
4- انكماش في 2026 يليه ارتداد قوي
يتوقع الصندوق انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بنحو 1.3% في 2026، مقارنة بتوقعات نمو 1.4% في أبريل، قبل أن ترتد إلى نمو يبلغ 6.6% في 2027.
ويستند هذا التحسن إلى افتراض استمرار اضطرابات الطاقة والتجارة حتى الربع الأول من 2027، ثم انحسار المواجهات وعودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز تدريجياً، وصولاً إلى ظروف أقرب إلى الطبيعية بنهاية العام.
لكن العودة إلى النمو السريع لا تمحو خسائر الحرب. فالناتج التراكمي حتى 2030 سيظل أدنى من المسار الذي كان متوقعاً قبل الصراع، ما يعني أن الأزمة قد تترك أثراً أطول من انكماش لعام واحد.
5- المنتجات النفطية ارتفعت أسرع من الخام
من أبرز ملامح الأزمة أن أسعار الوقود المكرر ارتفعت بوتيرة تفوق الخام. فمنذ أواخر فبراير، زاد وقود الطائرات بنحو 85%، والديزل 68%، والبنزين 45%، مع انخفاض إمدادات الخليج وتراجع طاقات التكرير والمخزونات.
وارتفع سعر الغاز الطبيعي بنحو 150% عن مستواه قبل الحرب بحلول سبتمبر، وإن بقي دون ذروة 2022 بفضل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من خارج الخليج.
ويعني ذلك أن الصدمة تنتقل من الخام إلى تكاليف النقل والإنتاج والشركات ثم إلى المستهلك. ويتوقع الصندوق أن ترفع زيادة تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل والتأمين أسعار الغذاء بنحو 5% في 2026 و2.4% في 2027.
6- مستوردو النفط أكثر صموداً مما كان متوقعاً
على خلاف الصورة التقليدية التي تجعل المستوردين أكثر تعرضاً لارتفاع أسعار الطاقة، أظهرت عدة اقتصادات مستوردة للنفط مرونة أكبر من بعض المصدرين.
ويتوقع الصندوق نمو اقتصادات الأسواق الناشئة ومتوسطة الدخل المستوردة للنفط في المنطقة بنحو 4.2% في 2026، مدعومة بالطلب المحلي وتحويلات العاملين والسياحة والسياسات الحكومية.
وحافظ النشاط السياحي على تماسكه في مصر والمغرب وتونس وباكستان، كما ساعدت التحويلات والظروف المالية الداعمة نسبياً في امتصاص جانب من صدمة الواردات.
لكن هذا الصمود يظل معرضاً للخطر إذا تجددت القفزات في أسعار النفط والغذاء. والرسالة الأوسع هي أن طبيعة التعرض للصراع أصبحت أهم من مجرد تصنيف الدولة كمصدر أو مستورد للطاقة.
7- المؤسسات تحدد مقدار انتقال الصدمة إلى التضخم
الصدمة الخارجية نفسها لا تنتج التضخم نفسه في كل دولة. فحجم انتقال أسعار الغذاء والطاقة والشحن يعتمد على نظام سعر الصرف، وقوة السياسة النقدية، ومستوى الدين، وطبيعة الدعم.
ويشير الصندوق إلى أن اقتصادات الخليج سجلت تاريخياً انتقالاً أقل للصدمات إلى التضخم، بفضل دعم الطاقة وربط العملات بالدولار، فيما ساعد استقلال البنوك المركزية وانخفاض الدين في بعض اقتصادات آسيا الوسطى على احتواء الضغوط.
ويبرز الدين كعامل حاسم: إذ يرتفع تضخم أسعار المستهلكين بعد صدمات العرض العالمية بنحو أربعة أضعاف في الاقتصادات مرتفعة الدين مقارنة بنظيراتها منخفضة الدين.
لذلك تصبح مصداقية البنوك المركزية وقوة المؤسسات من أهم خطوط الدفاع أمام صدمات مصدرها الخارج.
8- الهوامش المالية والخارجية تتراجع
تستهلك الأزمة جانباً من الاحتياطيات والهوامش التي تسمح للحكومات بامتصاص الصدمات. ففي الخليج، يتوقع الصندوق تراجع فائض الحساب الجاري من 5% من الناتج في 2025 إلى 1.3% في 2026، مع اتساع عجز الموازنة.
وعلى مستوى المنطقة الأوسع، يتحول الحساب الجاري من فائض إلى عجز، فيما ترتفع ضغوط المالية العامة.
وتتزايد المخاطر خصوصاً في الاقتصادات التي دخلت الأزمة بمستويات دين مرتفعة واحتياجات تمويل كبيرة، إذ تصبح قدرتها على دعم النشاط أضعف، خاصة إذا تزامن ذلك مع تشدد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع كلفة الاقتراض.
9- دعم الوقود خفّض التضخم.. لكنه نقل الكلفة إلى الموازنة
ساهم دعم الوقود والأسعار المدارة في تقليص انتقال ارتفاع النفط إلى المستهلك. وتشير محاكاة الصندوق إلى أن الدعم خفض أثر قفزة أسعار الخام على التضخم بنحو 0.4 نقطة مئوية في 2026.
لكن الكلفة المالية لذلك بلغت نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى المنطقة.
ويرى الصندوق أن الدعم الواسع قد يؤدي دوراً مؤقتاً في امتصاص الصدمة، لكنه غالباً مكلف وغير موجه بدقة إلى الأكثر احتياجاً، كما أنه لا يلغي الكلفة بل ينقلها من المستهلك إلى الموازنة.
لذلك يوصي بالتخلي التدريجي عن الدعم الشامل مع انحسار الصدمة، واستبداله بتحويلات نقدية مؤقتة وموجهة إلى الفئات الأكثر تضرراً.
10- تنويع التجارة تحول إلى قضية أمن اقتصادي
تكشف اضطرابات هرمز والبحر الأحمر أن التنويع لم يعد متعلقاً فقط بتوسيع مصادر النمو، بل أيضاً بتقليل الاعتماد على عدد محدود من السلع والأسواق والممرات التجارية.
ورغم التقدم خلال العقدين الماضيين، لا تزال اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى أقل تنوعاً تجارياً من بقية العالم، كما تظل اقتصادات الشرق الأوسط أكثر تعرضاً لتعطل التجارة البحرية.
ويخلص الصندوق إلى أن الاقتصادات الأكثر تنوعاً تتلقى ضربة أصغر من الصدمات الخارجية وتتعافى بصورة أسرع، بينما يساعد التكامل الإقليمي على إعادة توجيه التجارة بكلفة أقل عند تعطل الممرات التقليدية.
لكن وسيلة التنويع مهمة أيضاً. فالحوافز القطاعية قد توسع الصادرات، لكنها قد تخفض الكفاءة إذا لم تعالج خللاً واضحاً في السوق. في المقابل، يرى الصندوق أن تحسين بيئة الأعمال والمنافسة ورأس المال البشري ومرونة سوق العمل والتكامل التجاري يوفر مساراً أكثر استدامة.
وهنا تتبلور الرسالة الأوسع للتقرير: قدرة اقتصادات المنطقة على تحمل الصدمة المقبلة لن تتحدد بحجم إنتاج النفط أو الاحتياطيات وحدهما، بل أيضاً بقدرتها على إبقاء التجارة والطاقة والتمويل مفتوحة عندما تتعطل المسارات التقليدية.



