أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

البنك الدولي: الاقتصاد ينكمش والبطالة تتصاعد (الأخبار 21 تشرين الأول)

لعلّ أبرز ما ورد في تقرير البنك الدولي الأخير، بعنوان «آفاق الاقتصاد الكلي والفقر»، أنه يتوقع ارتفاع معدّل البطالة في لبنان إلى 15.2% خلال عام 2026، مقارنةً بـ12.6% في العام الماضي، أي بزيادة 2.6%، بالتزامن مع تراجع متوقّع في نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.2%، وانكماش الاستهلاك الخاص بنسبة 6%. وتكشف هذه التقديرات عن اتّساع الضغوط على سوق العمل والأسر، في اقتصاد لم يتمكّن أصلاً من تجاوز تداعيات انهياره المالي، قبل أن تأتي الحرب لتبدّد التعافي المحدود الذي سجّله في عام 2025.

ولا تقف التوقّعات عند هذا الحد، إذ يرجّح البنك الدولي تراجع معدّل التشغيل من 41.4% إلى 40.2%، ما يعني أنّ نحو أربعة أشخاص فقط من كل عشرة في سنّ العمل سيكونون منخرطين في العمل فعلياً. وهذا يعكس صعوبة الأوضاع في سوق العمل. فارتفاع البطالة يعني اتّساع نسبة الباحثين عن عمل من دون العثور عليه، فيما يُظهِر تراجع معدّل التشغيل انخفاض نسبة الذين يعملون من إجمالي السكان في سنّ العمل.

والأزمة لا تقف عند حدود الحصول على وظيفة. فحتى بالنسبة إلى العاملين الذين حافظوا على وظائفهم، تزداد الضغوط المعيشية مع ارتفاع الأسعار وكلفة الخدمات الأساسية. وفي ظلّ انكماش الاقتصاد وتراجع الاستهلاك، تصبح قدرة الأسر على الحفاظ على مستوى إنفاقها موضع ضغط متزايد، ولا سيما تلك التي فقدت مصادر دخلها أو اضطُرت إلى النزوح. ويشير البنك الدولي إلى أن الأوضاع المعيشية كانت هشّة قبل تصعيد آذار 2026، وأنها ازدادت سوءاً بعده، مع خسارة أجور وأصول إنتاجية واعتماد العديد من الأسر النازحة على شبكات الدعم غير الرسمية وموارد آخذة في التناقص.

وتظهر هذه الضغوط بوضوح في توقّعات الاستهلاك الخاص، الذي يُرجِّح البنك الدولي انتقاله من نموّ بنسبة 1.6% في عام 2025 إلى انكماش بنسبة 6% في العام الجاري. وهو مؤشّر أساسي على تراجع الطلب في الاقتصاد، إذ يعني انخفاض الإنفاق الاستهلاكي للأسر، بما يحمله ذلك من انعكاسات على حركة الأسواق والمؤسسات التي تعتمد على مُشتريات المستهلكين. وفي الوقت نفسه، يتوقع تراجع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي بنسبة 7.2%، بعدما كان قد ارتفع بنسبة 3.4% العام الماضي. ورغم أنّ هذا المؤشّر لا يقيس الأجور مباشرة، فإنّه يكشف عن انخفاض الناتج الاقتصادي الحقيقي للفرد، ويعطي صورة إضافية عن حجم التراجع الذي يشهده الاقتصاد.

يتوقّع البنك الدولي أن ينكمش الاستهلاك الخاص الذي يُعدّ المحرّك الأساسي للاقتصاد بنسبة 6%

ولا تبدو الآفاق أفضل بالنسبة إلى الاستثمار. فبعد نمو بنسبة 3.8% في عام 2025، يتوقع أن ينكمش الاستثمار في رأس المال الثابت بنسبة 5.4% خلال عام 2026. وتكمن خطورة هذا التراجع في أنّ الاستثمار يرتبط بإنشاء المشاريع وتوسيع المؤسسات وتجديد تجهيزاتها وقدراتها الإنتاجية. وبالتالي، فإنّ انكماشه لا يضغط على النشاط الاقتصادي الحالي فحسب، وإنما يحدّ أيضاً من إمكانات خلق فرص عمل جديدة وتحسين الإنتاج في المدى المقبل.

وتطاول التوقعات الانكماشية القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وفي مقدّمها الخدمات، التي يُنتظر تراجعها بنسبة 7% بعدما نمت بنسبة 3.7% في العام الماضي. ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة في ظلّ تأثر السياحة والحركة التجارية والخدماتية بالوضع الأمني. كذلك، يتوقع انكماش الصناعة بنسبة 3.5%، والزراعة بنسبة 2.5%. وتُظهِر هذه التقديرات أنّ الضغوط لا تقتصر على نشاط واحد، إذ تشمل القطاعات التي يُفترض أن تسهم في الإنتاج والتشغيل وتوفير الدخل.

وفي المقابل، تستمرّ الأسعار بالارتفاع، ما يزيد صعوبة التكيّف مع تراجع النشاط الاقتصادي. فقد بلغ التضخّم 17.3% على أساس سنوي في النصف الأول من عام 2026، فيما يتوقّع البنك الدولي أن يصل متوسطه السنوي إلى 17.5%. ويبرز قطاع الكهرباء مثالاً على هذه الضغوط. فالبنك الدولي يشير صراحة إلى أن خفض إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان المُعتمِد على الوقود يدفع الأسر إلى تحمّل زيادات حادّة في أسعار المولّدات الخاصة، بما يؤدّي إلى تآكل القدرة الشرائية وتعميق أزمة كلفة المعيشة، علماً أن فاتورة استيراد الطاقة ارتفعت بنسبة 9% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، لتبلغ 3 مليارات دولار، رغم انخفاض الكميات المستوردة بنسبة 31%. أي إنّ الاقتصاد تحمّل فاتورة أعلى مقابل كميات أقل من الطاقة.

أمّا على مستوى المالية العامة، فتبدو الصورة مختلفة. فقد سجّلت الدولة فائضاً مالياً إجمالياً بنحو مليار دولار حتى أيار 2026، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي، في ظلّ ارتفاع الإيرادات بنسبة 26.6%، مدعومةً بزيادة حصيلة ضريبة البنزين. غير أنّ تسجيل فائض في حسابات الدولة لا يعني بالضرورة تحسّناً في أوضاع الأسر أو سوق العمل، ولا سيما عندما يتزامن مع انكماش الاستهلاك وارتفاع البطالة وتزايد كلفة الخدمات الأساسية. فالفائض المالي يقيس الفرق بين الإيرادات والنفقات العامة، ولا يعكس بالضرورة قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل أو قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها.

إزاء هذا كلّه تبدو السلطة منشغلة بزيادة إيرادات الخزينة وضبط نفقاتها، من دون أن يقابل ذلك بناء سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة. وقد ظهر هذا النهج بوضوح في مشروع موازنة عام 2027، الذي طغت عليه الاعتبارات المحاسبية، فيما غابت عنه المعالجات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما يجعل توقّعات البنك الدولي قابلة للتحقّق بدرجة كبيرة، إذ إنّ مشروع الموازنة يقدّم مؤشراً واضحاً إلى استمرار السياسات نفسها التي لم تنجح في معالجة الاختلالات القائمة. فطالما أنّ السلطة تواصل البحث عن كيفية تأمين المزيد من الأموال للخزينة، من دون معالجة الأسباب التي تؤدّي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار وفرص العمل، فإنّ المؤشّرات الاقتصادية السلبية مرشّحة للاستمرار، وربما التفاقم، في السنوات المقبلة.

 

بواسطة
زينب بزي
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى