خاص – مديحة رسلان تدق ناقوس الخطر: الاعمال تراجعت حتى 40% وكلفة الصمود باتت تفوق قدرة المؤسسات!

لم يعد السؤال المطروح اليوم في لبنان كيف يمكن للقطاع الخاص أن ينمو ويتوسّع، بل كيف يستطيع الاستمرار والصمود في مواجهة أزمات تتوالى من دون أن تترك للمؤسسات فرصة لالتقاط أنفاسها. فبعد سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي، جاءت التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل لتضع أصحاب المؤسسات أمام تحديات جديدة، وسط مخاوف متزايدة على استمرارية الأعمال وفرص العمل.
وفي هذا السياق، تدقّ رئيسة جمعية السيدات القياديات، مديحة رسلان، ناقوس الخطر، كاشفةً في حديث إلى موقعنا Leb Economy عن تراجع حجم الأعمال بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة مقارنة بالعام الماضي، ومحذّرةً من أنّ كلفة الصمود باتت تفوق قدرة العديد من المؤسسات على التحمّل.
وتؤكد رسلان أنّ القلق الأكبر اليوم لا يرتبط بالمستقبل فحسب، بل بالحاضر الذي بات اللبنانيون يعيشونه يومًا بيوم، في ظلّ غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي وصعوبة التنبؤ بالتطورات. وتشير إلى أنّ اللبنانيين، منذ عام 2019، لم يعد لديهم ترف التخطيط للمستقبل، بعدما أصبحت الظروف تزداد صعوبة مع تعاقب الأزمات.
وتوضح أنّ التطورات الإقليمية، ولا سيما الحرب الدائرة مع إيران والظروف غير المستقرة في الخليج، انعكست بصورة مباشرة على الأعمال في لبنان، لافتةً إلى أنّ حجم الأعمال تراجع بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة مقارنةً بالعام الماضي. وإلى جانب ذلك، أسهم ارتفاع أسعار المازوت والنفط في زيادة تكاليف التشغيل والإنتاج، فيما أضافت الزيادات في بدل نقل الموظفين أعباءً جديدة على أصحاب العمل، رغم إقرارها بحق الموظفين في الحصول على بدل النقل في ظل ارتفاع الأسعار والتضخم.
وترى رسلان أنّ القطاع الخاص، الذي تمكّن من استعادة جزء من قدرته على العمل بعد الأزمات السابقة، بات يواجه تكاليف تفوق قدرته على التحمل، مشيرةً إلى أنّ فاتورة الكهرباء وحدها تحوّلت إلى أزمة بالنسبة إلى المؤسسات. وتنتقد في هذا الإطار استمرار فرض الضرائب والرسوم من دون اتخاذ إجراءات كافية لدعم القطاع الخاص، الذي يساهم في تأمين الجزء الأكبر من إيرادات الدولة، ويتيح لها تمويل رواتب القطاع العام.
وتحذّر من أنّ استمرار هذه الظروف يهدّد استمرارية المؤسسات وأعمالها وفرص العمل التي توفرها، مؤكدةً أنّ المخاوف اليوم تطال المؤسسات وفرق العمل على حدّ سواء، بعدما أصبحت كلفة الصمود أكبر بكثير مما تستطيع الشركات تحمّله. كما تلفت إلى أنّ الظروف غير المريحة في الخليج قد تؤثر في التحويلات المالية للمغتربين اللبنانيين، الذين يواجهون بدورهم مخاوف بشأن مستقبلهم.
وفي مقابل هذه التحديات، لا تستبعد رسلان ظهور تحوّلات في الأسواق تتيح فرصًا جديدة، لكنها تشير إلى أنّ هذه التحوّلات تحتاج إلى وقت حتى تتضح معالمها. وتشدّد على أنّ الاستفادة من أي فرص محتملة تتطلب تهيئة الظروف المناسبة داخل لبنان، معتبرةً أنّ الحكومة مطالبة بالالتفات إلى احتياجات القطاع الخاص، والعمل على توفير الدعم اللازم له، بما يشمل إعادة جدولة الاستحقاقات المالية للمؤسسات وتمديد المهل، بما يساعدها على تجاوز المرحلة الحالية والحفاظ على استمراريتها.
وعلى مستوى القيادة، ترى رسلان أنّ المرأة اللبنانية أثبتت امتلاكها المقوّمات اللازمة لتولّي المواقع القيادية، من الحكمة والقدرة على قراءة المتغيرات إلى التعامل مع الأزمات ومواجهتها. وتعتبر أنّ اللبنانيين، رجالًا ونساءً، أصبحوا خبراء في إدارة الأزمات نتيجة الانتقال المستمر من أزمة إلى أخرى، إلى حدّ باتت فيه هذه المهارة جزءًا أساسيًا من متطلبات القيادة في المؤسسات الخاصة والعامة.
وتؤكد أنّ المرأة جديرة بتولّي المزيد من المواقع القيادية، إلا أنّ فرص بعض النساء لا تزال محدودة بسبب اعتبارات سياسية والذهنية الذكورية التي ما زالت حاضرة في أماكن عدة. وتشير إلى أنّ السيدات في القطاع الخاص يقدن مؤسساتهن ويتحمّلن أعباءً كبيرة، ويواصلن النجاح رغم صعوبة الظروف، ما يثبت قدرتهن على الاستمرار وإدارة الأعمال.
لكنّ رسلان تشدّد على أنّ قدرة القيادات على الصمود تبقى محدودة عندما تتراكم الأعباء الخارجة عن إرادتها، معتبرةً أنّ الدولة مطالبة بالوقوف إلى جانب القطاع الخاص وأصحاب العمل لتأمين استمرارية المؤسسات وتجاوز المرحلة الصعبة. ورغم تأكيدها أنّها إنسانة متفائلة بطبيعتها، فإنّها ترى أنّ التفاؤل وحده لا يكفي، بل لا بدّ من اتخاذ إجراءات فعلية على أرض الواقع.
وفي ما يتعلق بدور جمعية السيدات القياديات، توضح رسلان أنّ تمكين المرأة اقتصاديًا شكّل الهدف الأساسي للجمعية منذ تأسيسها قبل نحو ثماني سنوات، من خلال تشجيع النساء على دخول عالم الأعمال، والوصول إلى مواقع قيادية، وإيصال أصواتهن وإبراز قدراتهن وإنجازاتهن. وتعمل الجمعية على تحقيق هذه الأهداف من خلال تنظيم التدريبات، ومواكبة التطورات، وتعزيز التشبيك وبناء شبكات التواصل، وقد نجحت في ترسيخ حضورها في لبنان والبلدان العربية.
وتبرز رسلان أهمية مؤتمر «أنا لبنانية عربية»، الذي تنظّمه الجمعية سنويًا، باعتباره منصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين لبنان والبلدان العربية، واستقطاب الاستثمارات إلى لبنان، وخلق فرص العمل وتوسيع التبادل التجاري. وتشير إلى أنّ المؤتمر، الذي كان مقررًا عقده في تشرين الأول، أُرجئ إلى 26 و27 أيار 2027، على أمل تحسّن الأوضاع، لافتةً إلى أنّه حقق نجاحًا وأصبح يحظى باهتمام وانتظار من المشاركين والمهتمين.
ولا تقتصر أنشطة الجمعية على المؤتمر، إذ تعمل أيضًا على إطلاق بودكاست «WLA» بالتعاون مع صحيفة «نداء الوطن»، على أن يُبثّ كذلك عبر «أنا سوريا». ويهدف البرنامج إلى تسليط الضوء على قصص النجاح في مجالات الاقتصاد والأعمال والسياسة والثقافة، سواء لدى النساء أم الرجال. كما توفر الجمعية التوجيه والإرشاد للنساء اللواتي يحتجن إلى الدعم، سواء كنّ من أعضائها أم من خارجها، وتشارك في الفعاليات الاقتصادية والمعارض من خلال حضور سيدات في جلسات حوارية ومناقشات متخصصة.
وتلفت رسلان إلى أنّ الجمعية تسعى إلى تقديم قيمة مضافة لعضواتها، اللواتي يتمتعن أصلًا بالنجاح والخبرة في مجالاتهن، من خلال تسهيل أعمالهن وتعزيز علاقاتهن وتوفير الفرص أمامهن. كما تعمل على تسليط الضوء على القضايا المتعلقة بالمرأة اللبنانية والدفاع عن حقوقها، مستخدمةً أساليب مختلفة، تتراوح بين العمل الدبلوماسي الهادئ والمواقف الأكثر حزمًا عندما تقتضي الحاجة.
وتؤكد أنّ الجمعية تسعى أيضًا إلى تعزيز علاقاتها مع الوزارات المعنية ببيئة الأعمال، والتأثير في مواقع صنع القرار بالوسائل المتاحة، مع الإقرار بأنّها ليست جهة تنفيذية، بل إطار قادر على التأثير والمناصرة والعمل من أجل تحقيق أهدافه.
وتختم رسلان بالتأكيد أنّ الجمعية تمكّنت من إحداث فرق منذ تأسيسها، وأنّها مستمرة في العمل على تمكين المرأة اقتصاديًا وتعزيز حضورها في الحياة العامة ومجتمع الأعمال، انطلاقًا من إيمانها بقدرات النساء وأهمية دورهن في مواجهة التحديات التي يمرّ بها لبنان.



