وزارة المالية تبتكر ضريبة على الانهيار: محاولة جديدة لقضم جزء من الودائع( نداء الوطن 17 تشرين الأول)

يبدو أن وزارة المالية لم تعد تكتفي بالبحث عن إيرادات لسدّ عجز الخزينة، بل باتت تبحث عن طريقة مبتكرة لتحويل الخسائر إلى أرباح، ولو على الورق، تمهيداً لفرض الضرائب عليها! آخر ما أبتدعته مديرية الواردات الوزارة هو توجيه كتاب إلى المصارف تطالبها فيه بما سمّته «تصحيحاً ضريبياً» عن سنوات سابقة، في خطوة يُراد منها، وفق المعطيات المتداولة، إخضاع عمليات مرتبطة بسندات اليوروبوندز للضريبة، انطلاقاً من احتساب فروقات ناجمة عن تغيّر سعر الصرف. وهنا تكمن المفارقة الفاقعة: المصارف التي تكبّدت خسائر فعلية هائلة في هذه السندات، يُراد التعامل معها ضريبياً كما لو أنها حققت أرباحاً، فقط لأن الليرة اللبنانية انهارت!
لنفترض أن مصرفاً اشترى سند يوروبوندز بقيمة اسمية تبلغ 100 دولار، ثم انخفضت قيمته السوقية إلى نحو 28 سنتاً. أليس هذا انهياراً في قيمة الاستثمار وخسارة فادحة يصعب تجاهلها؟ بلى، لكن المنطق الذي تستند إليه المقاربة الضريبية المنسوبة إلى الوزارة يبدو مختلفاً تماماً: كانت قيمة المئة دولار، عند سعر الصرف القديم، تعادل نحو 150 ألف ليرة، فيما أصبحت تعادل اليوم نحو تسعة ملايين ليرة وفق سعر الصرف الجديد. وبذلك، تظهر زيادة هائلة في القيمة بالليرة، فتُستحضر باعتبارها أساساً لاحتساب أرباح ضريبية، فيما يجري تجاهل السؤال الجوهري: ماذا حلّ بالقيمة الفعلية للسند نفسه؟
أي منطق اقتصادي هذا الذي يرى في انهيار العملة مصدراً للربح، حتى عندما تكون قيمة الأصل الذي يملكه المستثمر قد تبخّرت؟ وأي عدالة ضريبية تسمح باقتطاع ضريبة من مكاسب دفترية مفترضة، من دون إعطاء الوزن اللازم للخسائر الفعلية التي أصابت الاستثمار؟ إن الضريبة ليست أداة سحرية لتغيير طبيعة الخسائر، ولا يجوز أن تتحول فروقات سعر الصرف، بمعزل عن المعالجة المحاسبية الصحيحة وطبيعة العملية والنتيجة الاقتصادية الفعلية، إلى أرباح جاهزة للجباية. فالمعيار ليس ما إذا كان الرقم بالليرة قد كبر، بل ما إذا كان قد تحقق ربح خاضع للضريبة وفقاً للقانون والأصول المحاسبية المعتمدة.
والأكثر إثارة للسخرية أن هذه المقاربة تأتي في وقت لا تزال فيه البلاد غارقة في واحدة من أسوأ الأزمات المالية والنقدية، وبعدما أصبحت الدولة عاجزة عن مواصلة الاستفادة من أموال مصرف لبنان بالطريقة التي اعتمدتها في السنوات الماضية. فقد كشفت الأزمة، بصورة لا تحتمل كثيراً من التجميل، حجم الاعتماد الذي قامت عليه المالية العامة على التمويل من المصرف المركزي، وما ترتب على ذلك من استنزاف لموارد النظام المالي. ولم يعد هذا الملف مجرد سجال سياسي أو رواية تتبادلها الأطراف؛ بل أصبح موضع أحكام ومواقف قضائية، فضلاً عن بيانات مالية رسمية تستوجب قراءة دقيقة ومسؤولة.
وفي هذا السياق، تشير الأرقام المتداولة بشأن ميزانية مصرف لبنان إلى وجود التزامات للمصرف المركزي تجاه المصارف تقارب 79 مليار دولار، فيما تُقدّر المبالغ التي استخدمتها الدولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر الاقتراض من مصرف لبنان خلال نحو خمسة عشر عاماً بنحو 63 مليار دولار. وهذه أرقام ينبغي التعامل معها وفق تعريفاتها ومصادرها وتفاصيلها المحاسبية، لكنها تطرح سؤالاً لا تستطيع السلطة التهرّب منه: كيف يجوز أن تتحول الدولة، بعد سنوات من استنزاف موارد النظام المالي، إلى جهة تبحث عن إيرادات إضافية عبر مقاربات ضريبية قد تزيد الأعباء على مكوّنات هذا النظام، من دون معالجة واضحة للمسؤوليات والخسائر المتراكمة؟
يبدو أن وزارة المالية، بعدما أغلقت في وجهها أبواب التمويل، قررت البحث عن أبواب أخرى للجباية، حتى لو اقتضى الأمر التعامل مع الخسائر كما لو أنها أرباح. إنها وصفة مثالية لقلب المفاهيم: انهيار سعر الصرف يتحول إلى فرصة ضريبية، وتراجع قيمة السندات يصبح تفصيلاً ثانوياً، أما الخسارة الفعلية فتُترك خارج الحساب عندما لا تخدم حاجة الخزينة إلى الإيرادات. لكن الدولة لا تستطيع أن تعالج عجزها باختراع أرباح لا تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي، ولا أن تجعل من الفوضى النقدية أساساً لفرض ضرائب تفتقر إلى التوازن والعدالة.
والأخطر أن هذه المقاربة قد لا تتوقف عند حدود المصارف أو دفاترها المحاسبية، بل قد تنعكس مباشرة على مسار استعادة الودائع. فالحكومة ومصرف لبنان والمصارف تعمل على مشروع لمعالجة الفجوة المالية وإعادة الودائع، بما في ذلك الشريحة التي تصل إلى 100 ألف دولار، والتي يُفترض أن تحظى بمكوّن نقدي ضمن الآلية المطروحة. وأي اقتطاع إضافي من الموارد المتاحة، عبر ضرائب مثيرة للنزاع أو غير قائمة على ربح اقتصادي فعلي، قد يقلّص الأموال التي يمكن تخصيصها لهذا الغرض، ويضعف فرص تنفيذ أي خطة جدية لإعادة الحقوق إلى أصحابها.
فهل المطلوب فعلاً استعادة الودائع، أم البحث عن مصادر جديدة لاستنزاف ما تبقّى من الموارد التي يُفترض أن تسهم في استعادتها؟ وهل يجوز أن تُحمَّل الأزمة مجدداً إلى القطاع المصرفي والمودعين، فيما تبقى مسؤولية الدولة عن السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار موضع سجال ومماطلة؟
إن أخطر ما في هذه الخطوة ليس مجرد احتمال فرض ضريبة إضافية، بل تكريس منطق مالي مقلق: عندما تعجز الدولة عن تحصيل الإيرادات من مصادرها الطبيعية، تعيد تعريف الخسائر على الورق، ثم تطلب من الآخرين دفع ثمنها. غير أن الضرائب لا تُبنى على الأوهام، واستعادة الودائع لا تتحقق بمصادرة ما تبقّى من القدرة على الدفع. وإذا كانت وزارة المالية تريد إثبات جدية سياستها، فعليها أن تبدأ باحترام المبادئ المحاسبية والعدالة الضريبية، لا بابتكار ضريبة على الانهيار، ثم تقديمها للرأي العام على أنها تصحيح!



