أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

واشنطن تعيد تحريك اتفاق الإطار: الرقابة في الجنوب بوابة الدعم المالي (النهار 13 تشرين الأول)

لا يبدو التحرك الأميركي المرتقب لتفعيل اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل مجرد محاولة لكسر الجمود الذي أصاب المفاوضات، بل يعكس اتجاهاً لربط المسار الأمني بمسار اقتصادي يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مزدوج: تثبيت سلطتها على الأرض، وإثبات قدرتها على الانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى استعادة مؤسساتها ودورها. وفي هذا السياق، تبرز آليتان تعمل واشنطن لاستكمالهما، هما الرقابة على “المناطق النموذجية” في الجنوب، ووضع إطار لمؤتمر مخصص لمساعدة لبنان اقتصادياً ومالياً.

بحسب المعلومات، تستعد وزارة الخارجية الأميركية لإعلان تقدم في مسار الاتفاق، بعدما وجّه وزير الخارجية ماركو روبيو فريق العمل في الوزارة إلى إنجاز الهدفين بحلول منتصف الشهر. ولا يعني ذلك أن الآليتين أُنجزتا بالفعل، بل إن واشنطن تعمل على استكمالهما تمهيداً لإعادة إطلاق المسار الثلاثي الذي تعثّر خلال الأسابيع الأخيرة.

آلية الرقابة: العقدة تتجاوز الميدان

لا يتعلق البحث في آلية الرقابة بمجرد تحديد الجهة التي ستراقب انتشار الجيش اللبناني في “المناطق النموذجية”، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه هذه الآلية وصلاحياتها وتركيبتها، ومدى قدرتها على التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية بما يتيح الانتقال من منطقة إلى أخرى.

وكانت “النهار” قد أشارت في تقرير سابق إلى استمرار الخلاف على تركيبة آلية التحقق، ولا سيما في ظل الاعتراض الإسرائيلي على مشاركة دول، بينها فرنسا، والبحث عن صيغة تقبل بها إسرائيل. ويكتسب هذا الخلاف أهمية إضافية مع اقتراب نهاية مهمة “اليونيفيل”، وفق القرار الدولي الذي حدّد موعد انتهاء مهمتها.

وتكشف هذه العقدة أن الخلاف لا يقتصر على تنفيذ الالتزامات، بل يمتد إلى الجهة التي تملك صلاحية التحقق منها وتحديد مدى التزامها. ومن شأن أيّ آلية تقتصر وظيفتها على مراقبة الجانب اللبناني أن تخلّ بالتوازن الذي يفترض أن يقوم عليه الاتفاق، فيما يقتضي تثبيت سلطة الدولة ربط خطواتها الأمنية بالتزامات إسرائيلية مقابلة، وفي مقدمها الانسحاب ووقف الاعتداءات.

لذلك، لا يمكن اعتبار تشكيل آلية الرقابة تفصيلاً تقنياً، بل هو جزء من الصراع على تفسير الاتفاق وتحديد قواعد تنفيذه. ومن دون معايير واضحة وجدول زمني وضمانات تمنع تعطيل المراحل اللاحقة، ستبقى الرقابة عرضة للتحول إلى وسيلة لإدارة الخلاف بدل أن تكون أداة لحله.

الاقتصاد جزء من التسوية
أما الهدف الثاني المتعلق بوضع إطار لمؤتمر المساعدة الاقتصادية والمالية، فيحمل دلالة سياسية تتجاوز جمع الأموال. فواشنطن تربط عملياً دعم لبنان بقدرة الدولة على استعادة سلطتها ومؤسساتها، فيما يحتاج البلد إلى تمويل إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية والخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد شدد خلال لقائه روبيو في واشنطن في 28 أيلول، على أن الإطار الثلاثي لا يقتصر على الترتيبات الأمنية، بل يشمل أيضاً دعم جهود الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار. كذلك طالب بجدول زمني واضح وآلية موثوق بها للتحقق من تنفيذ الالتزامات، بما يضمن إحراز تقدم في الانسحاب الإسرائيلي وتوسيع سلطة الدولة.

ويضع هذا الربط الاقتصاد في قلب المسار السياسي، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر ربط التعافي اللبناني بتقدم التفاوض الأمني وحده. فالمساعدات لا يمكن أن تكون بديلاً من الانسحاب الإسرائيلي، ولا يجوز أن تتحول إعادة الإعمار إلى ورقة ضغط إضافية على الدولة والمجتمعات المتضررة. وفي المقابل، يشكّل انتظام مؤسسات الدولة وقدرتها على تنفيذ الإصلاحات شرطاً أساسياً لتحويل الدعم الخارجي إلى تعافٍ مستدام، لا إلى تمويل موقّت لاحتواء الأزمة.

من إدارة الجمود إلى اختبار النتائج

إذا نجحت واشنطن في استكمال الآليتين، تكون قد وضعت الاتفاق أمام مرحلة عملية أكثر، من دون أن يعني ذلك أن الخلافات الأساسية حُلّت. فآلية الرقابة تحتاج إلى توافق على تركيبتها وصلاحياتها، ومؤتمر الدعم يتطلب إطارا واضحا وأولويات قابلة للتنفيذ.

والنتيجة السياسية الأبرز أن الولايات المتحدة تحاول الجمع بين الضغط الأمني والحوافز الاقتصادية في مسار واحد، بما يجعل تقدم الدولة في بسط سلطتها مرتبطاً بإمكانات التعافي وإعادة الإعمار. لكن نجاح هذه المقاربة يبقى مشروطاً بألا تتحول الالتزامات اللبنانية إلى واجب فوري، فيما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مؤجلة أو موضع تفاوض مفتوح.

في المحصلة، لا يُقاس التقدم الأميركي بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرة واشنطن على ضمان تلازم الخطوات الأمنية والانسحاب الإسرائيلي، وفتح مسار اقتصادي يساعد الدولة اللبنانية على استعادة دورها. فالتحدي ليس إعادة إطلاق الاتفاق فحسب، بل منع تحوله إلى آلية طويلة لإدارة الأزمة، فيما تبقى السيادة وإعادة الإعمار معلّقتين على تفاهمات لم تكتمل بعد.

بواسطة
اسكندر خشاشو
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى