أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

لبنان على خارطة الجوع العالمية (اللواء 5 تشرين الأول)

لم يدخل لبنان خارطة بؤر الجوع العالمية عام 2026 بصورة مفاجئة. فقبل ست سنوات، وتحديدًا في نيسان 2020، نبّهنا في دراسة بعنوان «خارطة لبنان ما بعد كورونا… هل نحن أمام انفجار اجتماعي؟» من أن الانهيار الذي بدأ ماليًا ونقديًا أخذ ينتقل سريعًا إلى حياة الأسرة اللبنانية، مع فقدان العمل وتراجع الدخل وارتفاع الأسعار، حتى أصبح تأمين الغذاء والدواء والحاجات الأساسية مهددًا لدى شرائح متزايدة من السكان.

وبعد ست سنوات، أصبح لبنان بين 13 بؤرة جوع عالمية حذرت منها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ، لكن هذا التصنيف لا يعني أن لبنان يعيش مجاعة، ولا أن الأزمة تتوزع بالتساوي بين سكانه ومناطقه.

فلبنان بلد صغير، لكن داخله جغرافيات مختلفة للحرمان: فقر مزمن وعميق في الأطراف الشمالية والشرقية، وفقر حضري مرتفع الكلفة داخل المدن والضواحي، وهشاشة مركبة داخل المخيّمات والتجمعات ومناطق النزوح. ومن هنا، لا يكفي أن نسأل: كم عدد الفقراء؟ بل أيضًا: أين يعيشون، وما عمق حرمانهم، وكيف يؤثر المكان في قدرتهم على تأمين الغذاء والخدمات الأساسية؟

1 ـ سبع سنوات من الانهيار: عندما وصل التهديد إلى الأمن الغذائي

لم يصل لبنان إلى أزمة الأمن الغذائي دفعة واحدة. فمنذ خريف 2019 تراكمت الصدمات.. حيث بدأ الانهيار ماليًا ونقديًا، ثم انتقل إلى الأجور والعمل والقدرة الشرائية، قبل أن يصل تدريجيًا إلى غذاء الأسرة. وحدث ذلك في بلد يعاني أصلًا هشاشة في نظامه الغذائي؛ إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن نحو 80% من السعرات الحرارية المستهلكة في لبنان تأتي من الاستيراد.

لقد كانت مرحلة 2019-2020، نقطة الانكسار الأولى، حيث فقدت الأجور والمدخرات جزءًا كبيرًا من قيمتها، وأقفلت مؤسسات وفُقدت فرص عمل، بينما ارتفعت كلفة الغذاء والخدمات. وبحلول 2020 كانت تقديرات الفقر قد تجاوزت 50%، فيما تعرض دخل نحو ثلثي الأسر اللبنانية للتراجع. وهنا ظهرت للمرة الأولى بوضوح المعادلة التي سترافق الأزمة: الغذاء موجود في الأسواق، لكن الوصول الاقتصادي إليه أصبح أكثر صعوبة.

وجاءت المحطة الثانية مع اتساع الفقر. فقد أظهر تقييم الفقر والإنصاف في لبنان الصادر عن البنك الدولي عام 2024 أن نسبة الفقر في المناطق التي شملها المسح ارتفعت من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، أي أكثر من ثلاثة أضعاف. وبين اللبنانيين تحديدًا، أصبح نحو واحد من كل ثلاثة تحت خط الفقر. ولا يمثل رقم 44% تعدادًا وطنيًا شاملًا، بل يخص المناطق المشمولة بالمسح، لكنه يبقى أحد أوسع القياسات الحديثة.

وفي عام 2022 ظهرت علامة أخرى على عمق التحول: خفّض البنك الدولي تصنيف لبنان من بلد ذي دخل متوسط أعلى إلى بلد ذي دخل متوسط أدنى، بعدما هبط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى نحو 3,450 دولارًا عام 2021، منهياً نحو ربع قرن بقي فيه لبنان ضمن الفئة الأعلى.

وفي مفارقة لافتة، كان لبنان نفسه قد أطلق عام 2022 مبادرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لمواجهة «حالة انعدام الأمن الغذائي العالمي»، تحوّلت بالتعاون مع مجموعة من الدول إلى قرار اعتمد من دون تصويت. لكن في نهاية العام نفسه، كشف أول تحليل وطني للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن نحو 1.29 مليون لبناني مقيم، أي 33%، كانوا في مرحلة «الأزمة» الغذائية أو أعلى. وهكذا كان لبنان، في العام نفسه الذي دعا فيه العالم إلى مواجهة الجوع، يشهد تشكّل بؤر الأزمة على أرضه.

أما المحطة الثالثة، فكانت استنزاف قدرة الأسر على التحمُل والمقاومة. فمع استمرار الأزمة لم يعد انخفاض الدخل مجرد خسارة نقدية؛ أصبح يعني المفاضلة يوميًا بين الغذاء والدواء، والكهرباء والنقل، والتعليم والسكن. واستطاعت الأسر التي تتلقى تحويلات من الخارج أو دخلًا بالدولار حماية جزء من قدرتها الشرائية، بينما تحملت الأسر المعتمدة على الليرة والعمل اليومي والاقتصاد غير المنظم العبء الأكبر.

ثم جاءت الحرب والنزوح لتضيف فقدان المسكن والعمل والأرض ومصادر الرزق إلى الأزمة السابقة.

وهكذا لم يبدأ خطر الجوع بنقص الغذاء نفسه، بل بـتآكل الدخل والقدرة على الوصول إليه؛ ولم تكن السنوات السبع إلا مسارًا متراكمًا نقل الأزمة من المصارف والعملة إلى ميزانية الأسرة، ومنها إلى المائدة.

2 ـ خريطة تجمعات البؤس: التفاوت الاجتماعي والمناطقي لكن هذا الانهيار لم يقع بالقوة نفسها على جميع المناطق. فالمتوسط الوطني يخفي تفاوتًا واسعًا بين الأطراف والمدن والضواحي، وبين نسبة الفقر من جهة وشدة الحرمان من جهة أخرى.

وتظهر عكار والشمال والبقاع وبعلبك–الهرمل بوصفها المجال التقليدي للفقر الأشد. ففي تقييم البنك الدولي بلغ الفقر النقدي في عكار نحو 70% عام 2022، وهي أعلى نسبة بين المحافظات الخمس التي شملها المسح.

وعندما ينتقل القياس من الدخل وحده إلى الفقر متعدد الأبعاد ـ الذي يجمع الحرمان في الصحة والتعليم والعمل والسكن والخدمات والأصول ـ تصبح الفوارق المكانية أكثر وضوحًا. ففي دراسة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا ـ(ESCWA عام 2021، بلغ الفقر متعدد الأبعاد 92% في عكار وبعلبك–الهرمل والنبطية، و91% في البقاع، و87% في الجنوب، و85% في الشمال، مقابل 75% في جبل لبنان و73% في بيروت. ولا تعني هذه النسب أن ثلاثة أرباع سكان العاصمة فقراء نقديًا؛ فهذا مؤشر أوسع يقيس أشكالًا متعددة من الحرمان، لكنها تكشف أن الأطراف ليست أكثر فقرًا فقط، بل إن الحرمان فيها أكثر تركيبًا وعمقًا.

أما بيروت الكبرى والمدن والضواحي فتقدم نموذجًا مختلفًا. قد تكون النسبة الإجمالية للفقر أقل، لكن الأسرة الحضرية تعتمد بصورة شبه كاملة على الدخل النقدي والسوق، وتدفع مقابل السكن والنقل والكهرباء البديلة والمياه والصحة، قبل أن تصل إلى فاتورة الغذاء. ولذلك تستطيع الأرقام على مستوى المحافظة أن تخفي جيوبًا كثيفة من الحرمان داخل الأحياء الشعبية والأحزمة العمرانية والتجمعات غير الرسمية؛ وقد يكون الفارق الاجتماعي بين حيين متجاورين أكبر من الفارق بين محافظتين.

أما الجنوب والنبطية فقد دخلا الحرب الأخيرة من قاعدة اجتماعية هشة أصلًا. فقبل الحرب، سجلت الإسكوا (كما رأينا) معدلات فقر مرتفعة في الجنوب والنبطية. ثم أضافت حرب 2024–2026 إلى الحرمان السابق فقدان المسكن والعمل والأرض الزراعية والنزوح وتضرر الخدمات. وهنا ظهر نموذج اجتماعي ثالث سنعالجه تفصيلًا في الحلقة الثانية: فقر تصنعه الصدمة والحرب فوق هشاشة سابقة.

وهكذا يمكن اختصار الخريطة بثلاثة أنماط: الأطراف تمثل عمق الفقر؛ المدن والضواحي تمثل كثافة الحرمان وكلفة الحياة؛ الجنوب يعيش هشاشة سابقة أضيف إليها فقر الحرب.

3 ـ الحرمان في المناطق المكتظة: المخيمات والعشوائيات ومناطق النزوح

وتتضح أقوى صور هذا التراكم عندما يلتقي الفقر بالاكتظاظ وضعف الخدمات وعدم استقرار السكن والعمل.

وتقدم خطة الاستجابة للبنان (Lebanon Response Plan – LRP) لعام 2026، التي تشكل إطار الاستجابة المشترك بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة وشركائها، مؤشرًا آخر إلى حجم الضغط الاجتماعي والإنساني؛ إذ تقدر وجود نحو 2.99 مليون شخص بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة. من لبنانيين في أوضاع هشة ونازحين سوريين ولاجئين فلسطينيين ومهاجرين. ولا يمثل هذا الرقم نسبة للفقر، لكنه يكشف اتساع قاعدة السكان المعرضين للهشاشة في بلد صغير المساحة وخدماته العامة منهكة.

وتتضح العلاقة بين الاكتظاظ والخدمات أكثر في أزمة نقص المياه. فتقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف ـ UNICEF) أن نحو 2.8 مليون شخص من مختلف الفئات السكانية يواجهون صعوبات شديدة في الحصول على مياه آمنة وكافية وميسورة الكلفة، وخدمات صرف صحي مأمونة. وهنا تصبح المياه والكهرباء والسكن والنقل جزءًا من معادلة الأمن الغذائي نفسها، لأنها تتنافس جميعًا على دخل الأسرة المحدود.

ففي 2025 ، وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، (UNHCR)فقد بلغ انعدام الأمن الغذائي بين الأسر السورية المشمولة بالمسح 42% في بعلبك–الهرمل و33% في شمال لبنان و30% في البقاع، مقابل 8% في بيروت. ولا يجوز استخدام هذه الأرقام لقياس الفقر بين اللبنانيين؛ لكنها مهمة لأنها تكشف كيف يضاعف الموقع الجغرافي وضعف فرص العمل والخدمات أثر الهشاشة داخل المجالات المشتركة.

وتضاف إلى ذلك المخيمات والتجمعات الفلسطينية، حيث تتقاطع محدودية فرص العمل والاعتماد على الخدمات والمساعدات مع الاكتظاظ وضعف البنية التحتية. أما النزوح الداخلي، فينتج نمطًا آخر: فقرًا صَادماً قد ينشأ خلال أيام عندما تفقد الأسرة المسكن والعمل والأرض وشبكة العلاقات الاقتصادية في وقت واحد.

وهنا تكمن الخلاصة: الاكتظاظ لا يصنع الفقر وحده، لكنه يضاعف أثره عندما تتنافس أعداد كبيرة من السكان على السكن والعمل والمياه والكهرباء والصحة والتعليم والموارد المحدودة.

خاتمة ـ من جغرافية الحرمان إلى خطر الجوع

تكشف خريطة لبنان بعد سبع سنوات من الانهيار أن الأزمة لم تنتج فقرًا متساويًا، بل أعادت تشكيل جغرافية الحرمان: فقرًا مزمنًا وعميقًا في الأطراف، وحرمانًا حضريًا مرتفع الكلفة في المدن والضواحي، وهشاشة مركبة في المخيمات والتجمعات ومناطق النزوح. لكن الفقر، مهما اتسع، لا يعني تلقائيًا الجوع. حيث تبدأ نقطة التحول عندما تستنفد الأسرة وسائل التكيّف، ولا يعود دخلها قادرًا على تأمين الغذاء إلى جانب المياه والسكن والطاقة والصحة والحاجات الأساسية.

وهنا يبدأ السؤال الأكثر خطورة، وهو موضوع الحلقة الثانية:

أين تحوّلت جغرافية الحرمان في لبنان إلى بؤر فعلية للعجز الغذائي، وكيف سرّعت الحرب والنزوح وارتفاع كلفة المعيشة هذا التحوّل؟

بواسطة
علي فاعور
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى