تغير المناخ يرفع أسعار سلع غذائية أساسية

من الأعشاب البحرية إلى شرائح لحم السيرلوين، ومن الطماطم إلى الذرة، ترتفع أسعار السلع الغذائية حول العالم، إذ يحوّل تغير المناخ الارتفاعات السعرية المؤقتة المرتبطة بأحوال الطقس إلى محرك أكثر استدامة للتضخم، وفق دراسة جديدة.
ورصد محللون في شركة الأبحاث الدولية “زيرو كربون أناليتكس” (Zero Carbon Analytics) موجات ارتفاع أسعار الغذاء بين عامي 2022 و2026، وربطوها بظواهر مناخية متطرفة يقولون إنها ناجمة عن تغير المناخ.
فمنذ بداية العام الجاري، ارتبطت جميع الزيادات السعرية التي وثقها المحللون، باستثناء حالة واحدة، بظروف غير مسبوقة مرتبطة بدرجات الحرارة أو الجفاف أو هطول الأمطار، كانت أكثر تطرفاً من أي حالات مماثلة مسجلة تاريخياً. وكان الاستثناء الوحيد هو عاصفة شتوية رفعت أسعار الطماطم في الولايات المتحدة بنحو 40%، دون أن يكون تغير المناخ قد أسهم في تفاقمها.
تأتي هذه النتائج في إطار مجموعة متنامية من الأبحاث التي ترصد أثر تغير المناخ في التضخم، وهي ظاهرة يصفها بعض الاقتصاديين بـ”التضخم المناخي”.
الطقس المتطرف يضغط على أسعار الغذاء
في هذا السياق، قالت جوان بنتلي-ماكيون، عالمة المناخ والمؤلفة الرئيسية لتقرير “زيرو كربون أناليتكس” في بيان، إن “التضخم المناخي يمثل ارتفاعاً دائماً في تكاليف المعيشة اليومية، مدفوعاً بالاعتماد على الوقود الأحفوري والأضرار الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة، بما يرسخ ضغوطاً تضخمية مستمرة على ميزانيات الأسر حول العالم”.
على نطاق أوسع، كان 2026 عاماً صعباً على المزارعين عالمياً، إذ تزامنت التوترات الجيوسياسية التي عطلت مسارات تجارية حيوية في الشرق الأوسط والبحر الأسود ورفعت تكاليف المدخلات، مع طقس متطرف ألحق أضراراً بالمحاصيل وبدأ يهدد موعد زراعة محصول العام المقبل. كما يُتوقع أن تتصدر ظاهرة “إل نينيو” فائقة القوة، والأشد تاريخياً، المخاطر التي تواجه إمدادات الغذاء العالمية حتى 2027.
وارتفعت أسعار محاصيل أساسية، بينها القمح والذرة والكاكاو والسكر، خلال العام، ما دفع مؤشر الأمم المتحدة لأسعار السلع الغذائية إلى أعلى مستوى في نحو أربعة أعوام خلال أغسطس.
وقال معدو التقرير: “حتى الدول التي تتمتع باكتفاء ذاتي من السلع الغذائية الأساسية قد تتأثر بالتضخم مع ضعف غلال المحاصيل المحلية والاضطرابات الناجمة عن ظاهرة إل نينيو في الإنتاج العالمي وأسعار السوق”.
وفي ما يلي بعض الزيادات السعرية التي رصدها الباحثون، استناداً إلى منهجية طورها باحثون في مركز برشلونة للحوسبة الفائقة والبنك المركزي الأوروبي.
الحر الشديد يتلف الخضروات الفرنسية
سجلت مناطق مختلفة من أوروبا الصيف الأعلى حرارة على الإطلاق، إذ تجاوزت درجات الحرارة 44 درجة مئوية في جنوب غرب فرنسا، فيما شهدت المملكة المتحدة أشد أيام يونيو حرارة في تاريخها.
وخلص علماء في “وورلد ويذر أتريبيوشن” (World Weather Attribution) إلى أن تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية زاد احتمالات جفاف التربة، المسؤول عن جانب كبير من أضرار المحاصيل، بنحو خمس مرات في غرب أوروبا و11 مرة في شرقها.
هذه الظروف ألحقت أضراراً بالغة بالمزارع في فرنسا، أكبر منتج زراعي في الاتحاد الأوروبي بلا منازع، وكانت الذرة من أكثر المحاصيل تضرراً. وتتجه البلاد الآن إلى تسجيل أدنى محصول للذرة منذ عام 1980 على الأقل، فيما ارتفعت أسعارها بالنسبة للمستهلكين 16%. لكن التداعيات تتجاوز مائدة الطعام، إذ تدخل الذرة مكوناً رئيسياً في أعلاف الحيوانات، ما قد يرفع تكلفة تربية الدجاج والأبقار والخنازير.
امتدت الزيادات إلى محاصيل أخرى، إذ قفزت أسعار الكوسة 32% على أساس سنوي، وارتفعت الطماطم 31%، فيما زادت أسعار الفاصوليا الخضراء بنحو الربع.
الجفاف يرفع أسعار اللحوم
ارتفعت أسعار لحوم الأبقار الأميركية، وهي من أكثر القضايا حساسية سياسياً في البلاد، إلى مستوى قياسي في أبريل، مع تقلص قطيع الماشية إلى أدنى مستوى في 75 عاماً، في تراجع يعزي جزئياً إلى الجفاف وضغوط مناخية أخرى، وكذلك بطفيلي قاتل آكل للحم يُعرف باسم دودة العالم الجديد الحلزونية.
سجلت الولايات المتحدة في مارس 2026 أعلى درجات حرارة لهذا الشهر على الإطلاق، ما بدد جانباً من الغطاء الثلجي الشتوي في ولايات الغرب الجبلي. وضربت موجة حر قياسية المنطقة في الأيام الأخيرة من الشتاء، ففاقمت الجفاف وسرعت نقص المياه قبل حلول الصيف بوقت طويل.
تكرر المشهد في السهول الكبرى، حيث أحرقت الحرارة القياسية المراعي، فيما لم يوفر الغطاء الثلجي الجبلي كميات مياه الذوبان المعتادة. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار لحوم الأبقار الأميركية بنحو 15% مقارنة بالعام الماضي، ما دفع كثيراً من مربي الماشية إلى تقليص قطعانهم مبكراً.
طماطم باهظة الثمن
واجه مزارعو الطماطم على جانبي الأطلسي ظواهر مناخية مختلفة لكنها شديدة التأثير.
فقد استهلت إسبانيا العام بأكثر شهري يناير وفبراير غزارة في الأمطار على الإطلاق. ففي منطقة أفيلا-مدريد-توليدو وسط البلاد، تجاوز الهطول مستوياته المعتادة بنسبة 175%، ما أغرق الحقول وأدى إلى تشبع المحاصيل بالمياه، بما فيها الطماطم. وخلال الصيف، تعرضت أجزاء من البلاد أيضاً لحرائق غابات ودرجات حرارة قياسية وجفاف شديد.
وارتفعت أسعار الطماطم، المكون الرئيسي في العديد من الأطباق الوطنية، بينها “بان كون تومات” و”جازباتشو” و”صلصة برافا”، بنسبة 11% على أساس سنوي.
وفي الولايات المتحدة، جلبت العاصفة الشتوية “جيانا” في فبراير برودة غير معتادة وثلوجاً امتدت جنوباً حتى فلوريدا، في ظروف تحدث مرة كل عقد تقريباً، وإن لم تكن غير مسبوقة. وألحق الصقيع أضراراً كبيرة بمحصول الطماطم الذي يزدهر عادةً في مناخ الولاية الدافئ، لتقفز الأسعار 40% بين يناير وأبريل من هذا العام.
حرارة آسيا تهدد الأعشاب البحرية
سجلت بحار العالم في يوليو أعلى درجات حرارة لسطح المياه على الإطلاق، ما دفع أنواعاً مختلفة من الكائنات البحرية إلى النزوح شمالاً بحثاً عن مياه أكثر برودة. وامتد تأثير الاحترار إلى الأعشاب البحرية، وهي مكون أساسي في كثير من الأطباق الآسيوية.
وفي أكتوبر 2025، بلغت درجات حرارة سطح البحر حول اليابان مستويات قياسية، في ظروف غير مواتية بالنسبة لأعشاب “نوري”، التي تزدهر في مياه تتراوح حرارتها بين 5 و20 درجة مئوية. وبحلول مارس، ارتفعت أسعار هذا المكون الأساسي في السوشي بنحو 20%.
قفزات أسعار الغذاء تغذي التضخم
تشير تحليلات مستقلة أجرتها “وحدة استخبارات الطاقة والمناخ” (ECIU) إلى أن القفزات الحادة في أسعار عدد محدود من السلع الغذائية قد تكفي لدفع التضخم الأوسع نطاقاً إلى الارتفاع. ووجد الباحثون أن مجموعة صغيرة من الأغذية، تشمل الزبدة ولحوم الأبقار والحليب والقهوة والشوكولاتة، أسهمت بما بين 30% و40% من تضخم أسعار الغذاء في المملكة المتحدة.
كما تربك الظواهر المناخية المتطرفة إنتاج وتوافر عناصر أساسية في النظام الغذائي الصحي، مثل الفاكهة والخضراوات والبروتين، في مقابل الأغذية المصنعة مرتفعة السعرات الحرارية. ووفقاً لمعدي تقرير “زيرو كربون أناليتكس”، تهدد هذه الاضطرابات جودة الأنظمة الغذائية وتنوعها وقيمتها الغذائية.
وبحلول عام 2035، يتوقع الباحثون أن يضيف الاحترار ما يصل إلى 3.23 نقطة مئوية سنوياً إلى تضخم أسعار الغذاء، و1.18 نقطة مئوية إلى التضخم العام، الذي تستهدف دول كثيرة إبقاءه قرب 2%.
مع ذلك، تدفع أزمات الإمدادات المستمرة المرتبطة بالمناخ إلى إعادة النظر في أدوات السياسة الاقتصادية التقليدية. وقال المحللون: “رفع أسعار الفائدة لا يمكنه إصلاح تراجع غلال المحاصيل أو حماية الأسر الأكثر عرضة للمخاطر”.



