كتاب نهوض لبنان (11): القطاع المصرفي وتمويل الاقتصاد

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،
في حلقة اليوم (11) ننشر الفصل الحادي عشر تحت عنوان ” القطاع المصرفي وتمويل الاقتصاد”
———————————–
القطاع المصرفي وتمويل الاقتصاد
لقد طرح تدهور المالية العامة وارتفاع مديونية لبنان إشكالية لناحية قدرة قطاعه المالي عموماً والمصرفي تحديداً على تمويل الاحتياجات المتنامية للدولة من دون أن يؤثر ذلك في قدرته على تمويل القطاع الخاص بكلفة مقبولة لا تكون عائقاً أمام الاستثمار.
ولمقاربة البنية التمويلية في الاقتصاد اللبناني، يعالج هذا الفصل المحاور الأربعة التالية:
- هل هنالك فجوة تمويلية في الاقتصاد اللبناني تؤدي الى عدم بلوغ مستويات مرتفعة من الاستثمار؟
- هل التوزيع الحالي للتمويل المصرفي يؤدي الى تحقيق الأثر الأكبر على الاقتصاد لناحية النمو المستدام والعادل؟
- ما هي الخطوات المطلوبة للوصول الى منظومة تمويلية متكاملة تحفز النمو وتساهم بتحقيق العدالة الاجتماعية؟
- ما هي الصعوبات والمخاطر الممكنة على صعيد القدرة التمويلية؟
إن مقاربة هذه المحاور الأربعة ترسم حقيقةً صورة علمية واقعية لوضع القطاع المصرفي اللبناني لناحية نقاط القوة، نقاط الضعف، الفرص والتحديات أو ما يُعرف بمقاربة SWOT (Strengths, Weaknesses, Opportunities, Threats).
مقاربة المحور الأول ترتبط بحجم القطاع المصرفي وحجم تسليفات القطاع الخاص ونسبتهما الى حجم الاقتصاد الوطني أو الناتج المحلي الإجمالي.
إنّ إحدى أبرز مكامن قوّة القطاع المصرفي اللّبناني تكمن في حجم هذا القطاع بالنسبة للاقتصاد الوطني. ففي ظلّ الظّروف المتقلّبة التي مرّ بها لبنان في العقدين الأخيرين، اظهرت المصارف اللّبنانيّة مرونة عالية وثباتاً في النّمو. ولعلّ أهم العوامل التي عزّزت هذا النّمو هي أن القطاع المصرفي اللّبناني يعدّ من بين الأكبر في العالم نسبةً إلى حجم الاقتصاد. فعلى الرغم من الحرب الأهليّة اللّبنانيّة خلال 1975-1990، استطاع القطاع المصرفي أن يحافظ على جحمه، حيث بلغت نسبة مجموع موجوداته من النّاتج المحلّي الإجمالي 144% في عام 1992. وحافظ على نموّ مستمر في الأعوام العشرين الأخيرة، فارتفعت موجودات المصارف بمتوسّط سنوي قدره 15.5% لتصل إلى 175.7 مليار دولار أميركي عام 2014، أي ما يعادل 352% من النّاتج المحلّي الإجمالي للبنان. مع موجودات تتخطى ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد اللّبناني، لا تشكل المصارف اللّبنانيّة وساطة ماليّة فحسب، بل هي أيضاً دعامة أساسيّة للاقتصاد الوطني.
المحور الأول: القوة: حجم القطاع المصرفي والتسليف للقطاع الخاص
المقارنة بين لبنان ودول المنطقة والعالم تظهر أنّ لدى لبنان واحد من أعلى نسب مجموع الموجودات إلى النّاتج المحلّي الإجمالي حيث يصل إلى 352%، مقارنة مع متوسط 161.9% بالنّسبة للعالم، 277.3% للاتحاد الأوروبي، و106.0% للأسواق النّاشئة. هذا يدل على قوّة القطاع المصرفي اللّبناني، ويثبت أن النّظام المالي اللّبناني هو في الأساس نظام قائم على المصارف الّتي تلعب دورا رئيسيّاً في تمويل الشّركات والأفراد والقطاع العام. فمثلاً تُقارن نسبة مجموع موجودات المصارف اللّبنانيّة إلى الناّتج المحلّي الإجمالي المرتفعة مع 179% في الأردن، 114% في الإمارات العربيّة المتّحدة، 100% في تركيا، 306% في فرنسا، و 230% في ألمانيا. وقد سمح حجم المصارف بالنّسبة إلى النّاتج المحلي الإجمالي بتمويل كل من القطاع العام – حيث تملك المصارف نسبة كبيرة من إجمالي الدّين العام ، والقطاع الخاص – حيث تمثل القروض الى القطاع الخاص أكثر من 102% من النّاتج المحلّي الإجمالي في عام 2014.
لقد سمح النّمو القويّ للقطاع المصرفي بالمساهمة في تلبية احتياجات القطاع العام من دون أن تشكّل هذه الاستجابة مزاحمة خطرة على قروض القطاع الخاص. واستمرّت المصارف بدعم القطاع الخاص بشركاته وأفراده، وانعكس هذا الالتزام من خلال النّشاط المصرفي المستمر بإعطاء التّسليفات للقطاع الخاص.
إنّ التّسليفات الممنوحة للقطاع الخاص المقيم وغير المقيم حافظت على ارتفاعها بشكل مستمرّ بالرّغم من تباطؤ النّمو الاقتصادي في لبنان خلال الاعوام الماضية، وإن بوتيرة أخف، اذ وصلت إلى 50.9 مليار دولار اميركي مع نهاية العام 2014، مسجّلةً بذلك نسبة نمو سنويّة قدرها 7%، بعد ارتفاعها بنسبة 9% في عام 2013 و 11% في عام 2012. وتشكل التّسليفات للقطاع الخاص المقيم الجزء الاكبر من هذه التّسليفات حيث بلغت حصتها 89%. أمّا القطاع الخاص غير المقيم، فاستحوذ على 11% من التّسليفات للقطاع الخاص. ومعظمها يتعلق بتمويل مشاريع رجال الاعمال اللّبنانيّين في الخارج (خصوصاً في الوطن العربي وأفريقيا).
وبهذا، تلعب المصارف دوراً أساسيّاً في تمويل القطاع الخاص بأفراده ومؤسّساته بكلفة مقبولة حيث سجّل متوسّط الفائدة للتّسليفات باللّيرة اللّبنانية 7.3 % في عام 2014 ومتوسّط الفائدة للتسليفات بالعملات الأجنبيّة 7% في العام نفسه. إن نسبة القروض الى للقطاع الخاص الى الناتج المحلي الإجمالي والتي بلغت كما ذكرنا 102% في لبنان تعتبر مرتفعة بالمقارنة مع الدّول النّاشئة كالأردن (72%) والإمارات العربيّة المتّحدة (59%) وتركيا (57%). وهكذا يشكّل القطاع المصرفي، من خلال تسليفاته، الدّاعم الأساسي للقطاعات المحرّكة للاقتصاد اللبناني، إن من حيث الاستثمار أو الاستهلاك. ويعود ارتفاع نسبة القروض الممنوحة للقطاع الخاص إلى النّاتج المحلي إلى كون القطاع المصرفي الملجأ الأساسي للمؤسّسات والأفراد للحصول على التّمويل. وذلك لسببين: أولاً، إلى افتقار لبنان لسوقي الأسهم والسّندات التي إذا وجدت تشكل بديلاً لحصول الشّركات على تمويل. ثانياً، إنّ الشّركات والمؤسّسات اللّبنانيّة تتميّز بطبيعتها الفرديّة والعائليّة ما يجعلها تعاني من ضعف في الرّسملة ممّا يحدّ من قدرتها على التّمويل الذّاتي.
وقد شهدت التّسليفات للقطاع الخاص بالّليرة اللّبنانيّة نموّاً فاق نموّ التّسليفات بالعملات الأجنبيّة. فبين عامي 2008 و2014، ارتفعت التّسليفات باللّيرة اللّبنانية بمتوسّط سنوي قدره 25.1% بينما ازدادت التّسليفات بالعملات الأجنبيّة بمتوسّط سنوي قدره 10.1% في الفترة نفسها. وبهذا تكون نسبة دولرة التّسليفات انخفضت من 86.8% في عام 2008 إلى 75.6% في عام 2014. يعود هذا الانخفاض إلى الحوافز التي قدّمها مصرف لبنان لبعض أنواع التّسليفات، إضافة إلى القروض المدعومة باللّيرة اللّبنانيّة. وكان مصرف لبنان قد أطلق في مطلع عام 2013 برنامجاً لتحفيز المصارف على التّسليف، شمل معظم القطاعات الاقتصاديّة، هادفاً بذلك إلى دفع عجلة النّمو الاقتصادي قدماً. وضمن إطار هذه المبادرة، وضع حوالي 1.4 مليار دولار أمريكي بفائدة 1% في تصرّف المصارف لتقوم بإقراض المؤسّسات والأسر بعد استنزاف آليّة الاحتياطي الإلزامي. وقد تجاوبت المصارف بشكل إيجابي مع هذه المبادرة حيث تم استنفاذ جزء كبير من المبالغ المخصّصة لإقراض الشّركات وللإقراض السكني. كما تستفيد المصارف من شراكات في تمويل القطاع الخاص مع البنك الأوروبي للاستثمار (EIB) والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) ومؤسسة التّمويل الدّوليّة (IFC) وصناديق التّنمية العربيّة وصندوق النّقد العربي.
فيما يخصّ القروض الممنوحة للقطاع الخاص، تستحوذ الشّركات على الحصّة الأكبر منها والّتي بلغت 59% في نهاية العام 2013 وتقسم هذه القروض بين الشّركات الكبيرة حيث تشكل نسبة 32%، بينما تستحوذ المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة على 17% من هذه التّسليفات. ومن الجدير ذكره أنّ المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة قد حازت على اهتمام متزايد من قبل المصارف اللّبنانية في الآونة الأخيرة، حيث ارتفعت القروض الممنوحة لها من 4.4 مليار دولار أميركي عام 2008 إلى 7.9 مليار دولار أميركي عام 2013. وهنا كان مصرف لبنان فعّالاً لناحية تحفيز المصارف على التّسليف للمؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة، إضافةً إلى الدّور الذي لعبته مؤسّسة كفالات في هذا الاطار. وكان آخر هذه التّحفيزات تعميم مصرف لبنان رقم 331 الذي يهدف إلى دعم النّمو الاقتصادي والاجتماعي والمساهمة في خلق فرص عمل في لبنان على أساس دعم المهارات الفكريّة الابداعية. يحث التعميم المصارف اللبنانيّة على المساهمة في رأسمال الشّركات اللّبنانيّة المحليّة النّاشئة. ويعتبرمكمّلاً لسلسة من القرارات التي تهدف إلى تمويل الشّركات ودفع الدّورة الاقتصادية إلى الامام بالإضافة إلى توفير وظائف متميزة لذوي الاختصاصات العالية من الشّباب اللّبناني. ومن شأن هذه الخطوة توفير مصادر تمويل لشركات اقتصاد المعرفة، والّتي تتمتّع بمردود عال، وهي واجهت في السّابق تحديات في الحصول على التّمويل.
شهد توزع التسليفات على القطاعات تحوّلاً بنيويّاً خلال العقد الأخير. فقد ارتفعت القروض الشّخصيّة لتمويل الاستهلاك سبعة أضعاف. أمّا حصّتها من مجموع القروض الممنوحة للقطاع الخاص فقد تضاعفت حتّى أصبحت تشكّل حوالي 28.8% من تسليفات القطاع الخاص. وهذا التّزايد في القروض الشّخصية يعكس الاستراتيجيّة التي تتّبعها المصارف اللّبنانيّة بمنح القروض المؤمّنة بالكامل ذات فوائد عالية. وإن أبرز القروض الشّخصية هي تلك الممنوحة للسّكن والتي ارتفعت بمتوسّط سنوي قدره 35% بين عام 2008 وعام 2014 لتصل إلى 9.9 مليار دولار أميركي عام 2014. ولعب مصرف لبنان دوراً أساسياً في تحفيز المصارف على الاقراض للسّكن وخصوصاً للأسر ذوي الدّخل المحدود. وتشير احصاءات “المركزي” الى ارتفاع لافت في اعداد المقترضين الذين افادوا من الاعفاءات الممنوحة لهم، اذ ارتفع العدد من 85,998 مقترضاً في العام 2012 الى 94,305 مقترضاً في العام 2013. وأيضاً تلعب المؤسّسة العامّة للإسكان دوراً أساسيّاً في هذا المجال. فمنذ انشائها في عام 1996 هدفت المؤسّسة إلى توفير قروض عقاريّة مدعومة ذات آجال الاستحقاق بين 10 سنوات و 30 سنة للأسر ذوي الدّخل الشهري الذي لا يتجاوز 6.75 مليون ليرة لبنانية (4،500 دولار أميركي).ففي عام 2013 تلقت المؤسسة العامة للإسكان 6،480 طلب قروض الإسكان ووافقت على 5،701 طلب، أي ما يعادل 88% من إجمالي الطّلبات. وتمّ توقيع 5،533 عقداً من قروض الإسكان بقيمة 1،061 مليار ليرة لبنانية (674 مليون دولار أميركي) في عام 2013.
وقد ساهمت هذه القروض المدعومة ليس فقط بدفع العجلة الاقتصاديّة إنما في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وبالأخص السّكنية منها التي افسحت مجال التّملّك للعديد من الأسر اللّبنانيّة المقيمة وغير المقيمة. كما ساهمت القروض التّعليمية في تغطية نفقات التّعليم وتأمين مستقبل أفضل للعديد من التّلامذة. وهكذا أصبح للمصارف اللّبنانيّة دوراً في تحسين الأوضاع الاجتماعية للأسر والأفراد في لبنان.
ولا بد من الإشارة إلى أنّه على الرّغم من أنّ حجم التّسليفات المصرفيّة للقطاع الخاص كبير، إلّا أنّ القطاع المصرفي استطاع المحافظة على نسبة سيولة عالية. فقد بلغت نسبة التّسليفات بالعملات الاجنبية قياساً للودائع بهذه العملات 40.5% في عام 2014، ووصلت نسبة التّسليفات للقطاع الخاص باللّيرة اللّبنانيّة إلى الودائع بهذه العملة إلى 25.1% في العام نفسه. إنّ هذه النّسب المتدنيّة هي دليل على قدرة التّمويل العالية التي تمتلكها المصارف اللّبنانيّة والتي تعكس إمكانية المصارف على الاستمرار بلعب الدّور المركزي في تمويل المؤسّسات والأفراد.
اذا الاقتصاد اللبناني لا يعاني من نقص في القدرة على التمويل لأن حجم المصارف ونسبتها الى الناتج المحلي الإجمالي يجعلها قادرة على تمويل القطاعين العام والخاص، وكذلك أيضاً المحافظة على مستويات مرتفعة من السيولة وهو الأمر المهم نظراً للظروف السياسية والأمنية التي يمر بها لبنان.
ولكن توافر السيولة والقدرة على التمويل لا يعني بالضرورة أنها موزعة بشكل جيد. فالحجم شيء والتوزيع شيء آخر وهو ما نعالجه بالمحور الثاني. والواقع أن توزيع التسليف في لبنان يعاني على مستويين، أولاً على مستوى الماكرو نشهد عدم تنوع في التسليف القطاعي، وثانياً على مستوى المايكرو حيث نشهد تركز القروض بنسبة مرتفعة.
المحور الثاني: الضعف: توزيع التسليف في لبنان
إنّ إحدى مكامن ضعف القطاع المصرفي هي عدم وجود تنوّع في التّسليف القطاعي. فالقروض الممنوحة للقطاعات الاقتصاديّة تتركّز بغالبيّتها في قطاع التّجارة والخدمات، حيث شكّلت التّسليفات الممنوحة لهذا القطاع حوالي 33.8% من إجمالي تسليفات القطاع الخاص نهاية الربع الأول من العام 2015، علماً أنّه يستفيد منها فقط 11% من إجمالي المقترضين. أمّا القروض الممنوحة للأفراد، فهي شكّلت نسبة 28.6% من إجمالي قيمة القروض، حيث تتركّز غالبيّة هذه التّسليفات في قطاع السّكن (61% منها تقريباً). وفي الفترة نفسها، شكّلت قروض قطاع المقاولات والبناء 16.9% واستفاد منها 1.4% من المقترضين. في المقابل، يُلاحظ أنّ قطاعي الصّناعة والزّراعة يحظيان على نسب أقلّ من التّسليف، إذ بلغت حصّتهما 11% و 1.2% على التّوالي مع نهاية الربع الأول من العام 2015. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الاعتمادات المصرفيّة الممنوحة لقطاع الزّراعة تشمل القروض المباشرة فقط ولا تعكس القروض غير المباشرة المرتبطة بالتّعاونيّات والمستوردين الزّراعييّن، كما أنها لا تشمل القروض الممنوحة للتّجارة بالمنتجات الزّراعيّة والحيوانيّة والآلات والمعدّات الزّراعيّة.
يستدل من كل ذلك أنّ قطاع التّجارة والخدمات يحظى بالنّصيب الأكبر من التّسليفات من بين القطاعات الاقتصاديّة، يليه قطاع الأفراد وقطاع البناء والمقاولات، حيث تشكّل هذه القطاعات سويّةً حوالي 80% من التّسليفات. وبما أنّ القطاعات الثّلاثة تتأثّر بالصّدمات الاقتصاديّة والسّياسيّة والأمنيّة، الأمر الذي يجعل قروض القطاع المصرفي اللّبناني معرّضةً للمخاطر نفسها.
وبالنّظر إلى تطوّر حصّة كلّ من القطاعات الاقتصاديّة من التّسليفات المصرفيّة، يظهر أنّ حصّة قطاع التّجارة والخدمات انخفضت من 38.2% عام 2009 إلى 34% عام 2014. أمّا قطاع الأفراد، فقد ارتفعت حصّته من 22.2% عام 2009 إلى حوالي 29% عام 2014. وكذلك الأمر قطاع البناء والمقاولات الّذي ارتفعت القروض الممنوحة فيه بحوالي نقطتين مئويّتين. وفي المقابل، شهد قطاع الصّناعة استقراراً في حصّته من التّسليفات عند حوالي 11%. كذلك قطاع الزّراعة الّذي ارتفعت قيمة القروض الممنوحة فيه، لم ينجح في تحقيق حصّة أكثر من 1% من التّسليفات. إذاً، بالرّغم من التّحوّلات في توزّع القروض المصرفيّة على القطاعات الاقتصاديّة، ما يزال قطاع التّجارة والخدمات يستحوذ على النّصيب الأكبر من قروض القطاع الخاص في حين أنّ تسليفات قطاعي الصّناعة والزّراعة ما تزال متدنّية. ويعود ذلك إلى اعتماد المصارف اللّبنانيّة سياسة التّمويل الحذر (Conservative Financing) فتقوم بالتّركيز بشكل رئيسي على القروض القصيرة والمتوسّطة الأجل كمعظم قروض التّجارة والخدمات والقروض الشّخصيّة.
جدول بياني 1: تطوّر تسليفات القطاع المصرفي للقطاعات
|
تطوّر تسليفات القطاع المصرفي للقطاعات |
||||
| ٢٠١٤ | ٢٠٠٩ | |||
| الحصّة (%) | القيمة (مليار د.أ.) | الحصّة (%) | القيمة (مليار د.أ.) | |
| %٣٤.٠ | ١٩.٥ | %٣٨.٢ | ١٢.١ | تجارة وخدمات |
| %٢٨.٨ | ١٦.٥ | %٢٢.٢ | ٧.٠ | الأفراد |
| %١٦.٧ | ٩.٦ | %١٥.٣ | ٤.٨ | مقاولات وبناء |
| %١٠.٨ | ٦.٢ | %١١.٨ | ٣.٧ | الصناعة |
| %٦.٠ | ٣.٤ | %٨.٢ | ٢.٦ | الوساطة المالية |
| %١.١ | ٠.٧ | %٠.٩ | ٠.٣ | الزراعة |
| %٢.٦ | ١.٥ | %٣.٤ | ١.١ | مختلفة |
| %١٠٠ | ٥٧.٣ | %١٠٠ | ٣١.٦ | المجموع |
المصدر: مصرف لبنان
ويعود عدم تنوّع التّسليف القطاعي أيضاً إلى عدم تنوّع الإنتاج الاقتصادي في لبنان. فالاقتصاد اللّبناني مبني بشكل أساسي على قطاع التّجارة والخدمات الّذي يمثّل حوالي 54.8% من النّاتج المحلّي الاجمالي، وهي من أعلى النّسب في العالم. وأبرز القطاعات الفرعيّة الّتي يشملها قطاع التّجارة والخدمات هي التّجارة (29.3% من النّاتج المحلّي الاجمالي)، الخدمات الماليّة (14.5%)، والسّياحة (11.7%). فعلى مرّ العقدين الأخيرين، شكّل كلّ من قطاع السّياحة والقطاع المالي الهيكل الأساسي للاقتصاد الوطني وكانا أكبر المساهمين في نمو النّاتج المحلّي الاجمالي، فضلاً عن دورهما في تأمين فرص العمل. يلي قطاع التّجارة والخدمات في الأهميّة من حيث مساهمته في النّاتج المحلّي الاجمالي، قطاع العقارات والبناء الّذي يمثّل حوالي 19.8% من الدّخل القومي، مستفيداً من تدفّقات رؤوس الاموال القويّة والثّابتة إلى السّوق. وممّا ساعد على نموّ هذا القطاع هو الطّلب الحقيقي على العقارات للسّكن وليس للمضاربة (Speculation). وفي الوقت الّذي كان يتعاظم فيه دور قطاعيّ التّجارة والخدمات والعقارات والبناء، كان يتقلّص دور قطاعيّ الصّناعة والزّراعة. واليوم يشكّل قطاع الصّناعة حوالي 11.3% من النّاتج المحلّي الاجمالي، في حين أنّ قطاع الزّراعة يساهم بحوالي 4.1% فقط. فيما يخصّ قطاع الصّناعة، يواجه لبنان العديد من التّحدّيات في طريقه إلى النّمو الصّناعي، وأبرزها السّياسات والقواعد غير المحفّزة على قيام الصّناعات، وعدم الاستقرار السّياسي. يضاف إلى ذلك أيضاً كلفة عوامل الانتاج المرتفعة كاليد العاملة والطّاقة، ما جعل الصّناعة اللّبنانيّة تتّجه نحو الصّناعات التّحويليّة والصّناعات التّجميعيّة. ويواجه قطاع الزّراعة تحدّيات مماثلة كارتفاع كلفة عوامل الانتاج، إضافةً إلى كون الزّراعة معرّضة للتأثّر بالتغيّرات المناخيّة والمنافسة الخارجيّة عبر الواردات الزّراعيّة. لذلك، اتّجه القطاع الزّراعي أيضاً نحو الزّراعات التّجاريّة الّتي تعدّ للتّصدير.
والجدير ذكره أنّه بغية تحقيق تنوّع في التّسليف القطاعي، حاول مصرف لبنان تشجيع المصارف على التّسليف لقطاعيّ الصّناعة والزّراعة عبر القروض المدعومة فوائدها. وتشمل: التّسليفات المتوسّطة والطّويلة الأجل المدعومة فوائدها، التّسليفات المضمونة من شركة كفالات والمدعومة فوائدها، التّسليفات المدعومة والممنوحة استناداً للبروتوكول الموقّع مع البنك الأوروبّي للاستثمار، التّسليفات المدعومة والممنوحة من مؤسّسة التّمويل الدّوليه، والتّسليفات المدعومة والممنوحة من الوكالة الفرنسيّة للتّنمية وغيرها. بلغت هذه القروض للقطاعات الاقتصاديّة والمستفيدة من الفوائد المدعومة من المصرف المركزي حوالي 2.73 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2014، أكثرها قروض صناعيّة تليها القروض السّياحيّة والزّراعيّة. واستحوذت القروض الصّناعيّة على الحصّة الأكبر من التّسليفات المدعومة، حيث بلغت حوالي 1.45 مليار دولار أميركي، مشكّلةً بذلك حصّة 53.1% من إجمالي القروض. جاء القطاع السّياحي في المرتبة الثّانية من حيث قيمة القروض المدعومة الفوائد، وحصل على 0.92 مليار دولار أميركي بين العام 2011 والعام 2014، أي ما نسبته 33.7% من إجمالي التّسليفات المدعومة. أمّا القطاع الزّراعي، فقد حاز بين العامين 2011 و 2014 على قروض مدعومة الفوائد بقيمة 0.36 مليار دولار أميركي، ما يعادل 13.2% من إجمالي التّسليفات المدعومة. في المحصّلة، إنّ هذه الخطوة الّتي يتّخذها مصرف لبنان تساهم تدريجيّاً ليس فقط في تحريك العجلة الاقتصاديّة وحسب، بل أيضاً في تحسين التّوازن في التّسليف القطاعي.
نقطة الضعف الثانية في توزيع القروض المصرفية تكمن ليس فقط في تركزها لا فقط في القطاعي بل ايضاً في الفردي. وهذه هي الحالة في لبنان حيث أنّه مع نهاية الربع الأوّل من العام 2015، بلغت قيمة القروض التي تقلّ قيمتها عن 25 مليون ليرة لبنانيّة حوالي 4.3% من إجمالي قيمة تسليفات القطاع الخاص وتوزّعت على 62.8% من المستفيدين. أيضاً على سبيل المثال، استفاد 21.8% من المقترضين من القروض التي تتراوح قيمتها بين 25-100 مليون ليرة والّتي شكّلت 6.2% فقط من إجمالي قيمة تسليفات القطاع الخاص. في المقابل، شكّلت التّسليفات التي تفوق قيمتها 10،000مليون ليرة لبنانيّة حوالي 46.5% من قيمة تسليفات القطاع المصرفي واستفاد منها 0.23% من إجمالي عدد المقترضين. إنّ ارتفاع نسبة تركّز القروض في لبنان تعكس الرّوابط الوثيقة بين المصارف اللّبنانيّة الكبرى والشّركات الكبيرة والمجموعات الاقتصاديّة. في حين أنّ العديد من القطاعات الهامّة مثل الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة الحجم لاتزال في إطار الاستثناء، إذ لا تستفيد هذه القطاعات بما فيه الكفاية من الخدمات المصرفيّة. وتعكس نسبة الترّكز المرتفعة في القروض الحاجة إلى تفعيل الإقراض للشّركات الصّغيرة وتطوير صناعة التّمويل الأصغر.
جدول بياني 2: توزّع التسليفات بحسب القيمة والمستفيدين
| توزع التسليفات بحسب القيمة والمستفيدين (آذار 2015) | ||
| التّوزع بحسب المستفيدين | التّوزع بحسب القيمة | قيمة التسليفات (مليون ليرة لبنانية) |
| %٦٢.٨١ | %٤.٢٩ | أقل من ٢٥ |
| %٢١.٨٠ | %٦.١٦ | من ٢٥ إلى ١٠٠ |
| %١٢.٦٦ | %١٥.٢٤ | من ١٠٠ إلى ٥٠٠ |
| %١.٢٢ | %٥.٠٩ | من ٥٠٠ إلى ١٠٠٠ |
| %١.٥٠ | %١٣.٥٣ | من ١٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ |
| %٠.٢١ | %٩.١٣ | من ٥٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ |
| %٠.٢٣ | %٤٦.٥٤ | أكثر من ١٠٠٠٠ |
المصدر: مصرف لبنان
ولعلّ أبرز المؤشّرات التي تظهر مدى مستوى تركّز القروض هي نسبة أعلى عشرون قرض من إجمالي رأس مال القطاع المصرفي (Top Twenty Loan Exposures-to-Equity Ratio) ونسبة أعلى عشرون قرض من إجمالي تسليفات القطاع المصرفي (Top Twenty Loan Exposures-to-Loans Ratio). في العام 2010، بلغت نسبة أعلى عشرون قرض من إجمالي رأس مال المصارف اللّبنانيّة 95% مقارنةً بحوالي 60% في أميركا الشّمالية و80% في أميركا اللّاتينيّة، و220% في دول الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا. لهذا يظهر أنّ لبنان لديه نسبة تركّز في القروض كباقي الدّول المجاورة. أمّا نسبة أعلى عشرون قرض من إجمالي التّسليفات في لبنان، فقد بلغت 29% عام 2010، مقارنةً مع 54% في مصر، 42% في المملكة العربية السعودية، 27% في الكويت، و25% في المغرب. فمعظم بلدان منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن بينها لبنان، تتصف بتركّز مرتفع في القروض وذلك بسبب محدوديّة فرص الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة والأفراد للحصول على تمويل.
إنّ المقارنة بين لبنان ودول المنطقة فيما يخصّ نسبة تركّز قروض القطاع المصرفي تظهر أنّ القطاع المصرفي في لبنان، كما ومعظم باقي دول المنطقة، يقوم بإقراض فئة صغيرة من الشّركات والأفراد، ويلاحظ أنّ العلاقة بين عدد حسابات القروض لكل 1،000 من المواطنين ونسبة القروض إلى النّاتج المحلّي الإجمالي تشير إلى أنّ لبنان يقع تحت خطّ الانحدار البسيط (Simple Regression Line) الذي يدّل على قيمة عدد حسابات القروض الّتي تتوقعها مستويات نسب القروض إلى النّاتج المحلّي الإجمالي. فعلى الرّغم من أنّ نسبة القروض إلى النّاتج المحلّي الإجمالي في لبنان تبلغ حوالي 102%، إلّا أنّ عدد حسابات القروض لكل 1،000 من المواطنين هي 314 فقط. هذا الأمر يشير الى أنّ القطاع المصرفي اللّبناني لا يزال متخلفاً عن بعض دول منطقة الشّرق الأوسط حيث يبلغ عدد حسابات القروض لكل 1،000 من المواطنين مستوى مرتفع كما في تركيا (875) والإمارات العربيّة المتّحدة (650)، في الوقت الّذي تعتبر نسبة القروض للنّاتج المحلّي الإجمالي متدنّية في هذه الدّول بالمقارنة مع لبنان.
المحور الثالث: الفرص أو الخطوات المطلوبة للوصول الى منظومة تمويلية متكاملة تساهم في تحقيق النمو المستدام والعادل.
أولاً تعزيز التكافؤ في توزع النشاط المصرفي بين المناطق.
على الرّغم من النّمو الملحوظ الّذي شهده القطاع المصرفي اللّبناني، وبالرّغم من تطوّر الخدمات المصرفيّة في لبنان خلال العقد الأخير، إلّا أنّه ما يزال هناك العديد من المناطق اللّبنانيّة الّتي لا تستفيد بشكلٍ كافٍ من الخدمات المصرفيّة. وهي تعتبر أرض خصبة يمكن للمصارف اللّبنانيّة الاستفادة منها لتوسيع دائرة أعمالها داخل لبنان. ففي دراسة قامت بها مؤسّسة InfoPro Research في العام 2010، يظهر أنّ حوالي 58% من المواطنين اللّبنانيّين يستفيدون من الخدمات المصرفيّة، يقابلهم 42% من المواطنين لا يستخدمون أي من الخدمات المصرفيّة. وأظهرت الدّراسة أيضاً أنّه من أصل هؤلاء الّذين لا يستفيدون من الخدمات المصرفيّة، هناك حوالي 85% منهم يفكّرون جديّاً بالحصول على خدمة مصرفيّة واحدة على الأقل. وتختلف نسبة الانخراط المصرفي (Bankerization Rate) بين المناطق اللّبنانيّة. ففي بيروت، حولي 62% من السّكان يستفيدون من الخدمات المصرفيّة. كذلك الأمر في كل من جبل لبنان والبقاع حيث يستفيد 61% من سكّان كل من هاتين المنطقتين من تواجد فروع للمصارف التّجاريّة فيها. في المقابل، 55% من سكّان النّبطيّة و50% من سكّان الشّمال لديهم حساب أو قرض مصرفي. إنّ هذا الفارق في الانخراط المصرفي بين المناطق اللّبنانيّة يظهر أنّه لا يزال هناك فرصة أمام المصارف اللّبنانيّة لتقديم الخدمات المصرفيّة المحليّة، ما يؤمّن لها المزيد من النّمو في موجوداتها، ودائعها، تسليفاتها، وبالتّالي أرباحها.
يظهر الفارق في توزّع النّشاط المصرفي بين المناطق من خلال التّوزّع غير المتكافئ لفروع المصارف على الأراضي اللّبنانية. ففي نهاية العام 2014، احتوت بيروت وضواحيها على 548 فرعاً من فروع المصارف، إي ما يعادل 53.7% من إجمالي شبكة الفروع. كذلك، حصلت منطقة جبل لبنان في العام نفسه على 19.0% من الفروع (أي ما يساوي 194 فرعاً). يقابل ذلك وجود فقط 99.% من فروع المصارف التّجاريّة في شمال لبنان و6.7% من الفروع في البقاع.
أما فيما يخصّ الانخراط المصرفي في المناطق اللّبنانيّة بالنّسبة لعدد سكّانها، فبحسب دراسة مؤسّسة InfoPro Research، يظهر أنّ منطقتي بيروت وجبل لبنان تحصلان على حوالي 3.0 فرع مصرفي لكل 10،000 مواطن و 4.7 جهاز صرّاف آلي لكل 10،000 مواطن. أمّا منطقتي الجنوب والنّبطيّة، فلديهما حوالي 1.0 فرع و 1.9 جهاز صرّاف آلي لكل 10،000 مواطن. كذلك الحال في شمال لبنان حيث يوجد حوالي 0.9 فرع مصرفي و1.7 جهاز صرّاف آلي لكل 10،000 مواطن. لهذا، أمام المصارف التّجاريّة العاملة في لبنان فرصة لجذب المزيد من العملاء في هذه المناطق التي لا تستفيد من الخدمات المصرفيّة كفايةً عبر افتتاح فروع وأجهزة صرّاف آلي جديدة فيها.
تجدر الاشارة إلى أنّ توسّع المصارف العاملة في لبنان داخل المناطق اللّبنانيّة يعتمد بشكل كبير على تحسّن ظروف الانماء المناطقي في البلاد. فلبنان يعاني من مشكلة الانماء غير المتوازن ومن تركّز في الانماء الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، هناك حاجة أساسيّة لإقامة خطط ومشاريع تنمويّة تحقّق الانماء المناطقي الّذي بدوره يؤدّي إلى زيادة فرص العمل في المناطق وإلى تنمية اقتصادها. هذا الانماء المتوازن من شأنه أيضاً أن يشجّع المصارف على الانخراط في المناطق اللّبنانيّة كافّةً و يمكّنها من المساهمة في تنميتها وتحريك اقتصادها. عندها، تصبح المنفعة متبادلة فتستفيد المناطق اللّبنانيّة من الخدمات المصرفيّة الّتي لم تكن تحصل عليها سابقاً بينما تستفيد المصارف من فرصة التّوسّع المحلّي وما تجرّه هذه الفرصة من منفعة سواءً من ناحية نموّ حجم أعمال المصارف أو من ناحية زيادة أرباحها.
ثانياً: تعزيز التمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة
أمام المصارف فرصة حقيقيّة لتوسيع نشاطها في تمويل المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة الحجم. فهذه الشّركات تلعب دوراً أساسيّاً في الاقتصاد اللّبناني على الرّغم من أنّه لا يوجد إحصاءات دقيقة حول مساهمتها في النّاتج المحلّي الإجمالي. ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود تعريف واضح ومتّفق عليه والمفوضيّة الأوروبيّة (EU Commission) تحدد الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة بأنّها الشّركات العاملة في الاقتصاد، بغض النّظر عن شكلها القانوني، والّتي توظّف أقل من 250 موظّف، و/أو الّتي لا تتجاوز أصولها 50 مليون يورو، و رقم أعمالها السّنوي 43 مليون يورو. وتقوم المفوضيّة الأوروبيّة، منظمة التّعاون الاقتصادي والتّنمية (OECD)، وبعض حكومات دول الشّرق الاوسط وشمال أفريقيا بتعديل هذا الّتعريف، فتعرّف كلّاً من المؤسّسات الصّغيرة والمؤسّسات المتوسطة بشكل منفصل. على سبيل المثال، تُحدّد المؤسّسات الصّغيرة على أنّها تلك الّتي توظّف أقل من 50 شخصاً والّتي لا تتجاوز مبيعاتها السّنوية و/أو إجمالي أصولها 10 ملايين يورو. و يختلف هذا التّعريف بشكل طبيعي في العديد من اقتصادات الشّرق الأوسط نظراً لصغر حجم الشّركات المحليّة فيها. في لبنان، تعرّف وزارة الاقتصاد والتّجارة ومؤسّسة كفالات (وهي مؤسّسة ماليّة لبنانيّة تهدف إلى مساعدة الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة بالحصول على تمويل من المصارف التجاريّة) الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة بأنّها تلك الّتي توظّف 200 موظف كحدٍّ أقصى. وُيشير تقرير صادر عن مؤسّسة كفالات بأنّه إذا تمّ تطبيق تعريف الاتّحاد الأوروبي للمؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة في لبنان، يُستنتج بأن هذه الشّركات تشكّل 95٪ من مجمل الشّركات العاملة في لبنان وتؤمّن حوالي 80% من الوظائف. وتصنّف غالبيّة هذه الشّركات في فئة الشّركات “الفائقة الصّغر” وذلك لكونها تعتمد على التّجزئة، وتركّز بصورة أساسيّة على تلبية احتياجات السّوق المحليّة.
إذاً، تعتبر الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة ضرورة لتحريك عجلة الاقتصاد اللّبناني، لأنّها تتّبع نماذج أعمال مبتكرة، وتلعب دوراً فعّالاً في تنمية الصّناعات التّقليدية، كما وتقود النّمو في القطاعات المعرفيّة (Knowledge-Based Sectors) كتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام. وبالرّغم من حجمها الكبير ومكانتها الهامّة في اقتصاد لبنان، إلّا أنّها تواجه عقبة الحصول على التّمويل من المصارف التّجاريّة. ويعود هذا النّقص في الحصول على التّمويل لاعتبارات عديدة أبرزها أنّ المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة غالباً ما تقدّم معلومات ناقصة وغير متماثلة بسبب نقص أنظمة المحاسبة الملائمة للإدارة الماليّة ولوضع التّوقعات، على خلاف المؤسّسات الكبيرة الّتي تتجاوز هذه المشكلة بسهولة أكبر. ويزيد النّقص في المعلومات في المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة الّتي يحكمها الطّابع العائلي لأنّ الحدود بين التّسليف الشّخصي والمهني غير واضحة في هذه المؤسّسات العائليّة. فيتعذّر على المصارف عندها أن تقيّم مدى إمكانيّة المؤسّسة/ العائلة على تسديد القرض. وتكمن مشكلة أخرى أيضاً في الضّمانات الّتي تقدّمها هذه المؤسّسات على القروض التي غالباً لا تقبلها المصارف. إضافةً إلى ذلك، تواجه المصارف كلفة ثابتة عالية في تقييم ملفّات تسليف المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة بسبب عدم كفاية الإفصاح ومحدوديّة نوعيّة المعلومات الماليّة التي تقدّمها.
لهذه الأسباب، إنّ البيئة التّمويليّة للشّركات الصّغيرة والمتوسّطة الحجم لا تعتبر مثاليّة بعد وأمام المصارف التّجاريّة فرصة لزيادة تسليفاتها لهذا القطاع. والجدير ذكره أنّ الصّعوبة الّتي تواجهها هذه الشركات في الحصول على التّمويل في لبنان هي نفسها الّتي تواجهها في معظم البلدان المجاورة. فالعديد من بلدان منطقة الشّرق الأوسط تواجه ما يعرف ب “فجوة التّمويل” (Financing Gap)، وهذا يعني أن هناك عدداً كبيراً من الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة التي يمكن أن تستخدم الأموال بشكل منتج إذا كانت متاحة، ولكن تواجه صعوبات في الحصول على التمويل من النّظام المالي الرّسمي. فلبنان هو بالتالي ليس وحيداً في مواجهة تحدّيات تمويل المشاريع الصّغيرة والمتوسّطة، على الرّغم من زيادة السّيولة الحاليّة. بل على العكس، تعتبر حصّة التّسليفات الممنوحة لها من إجمالي تسليفات القطاع المصرفي مرتفعة في لبنان حيث تصل إلى 16.1%. هذه الحصّة تقارن مع 1.7% في المملكة العربيّة السّعوديّة، 5.2% في مصر، و 12.5% في الأردن.
إنّ حجم قطاع الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة في لبنان يظهر أهميّة أن تقوم المصارف بتوجيه سياساتها وخطط نموّها نحو تمويل لأنّها تشكّل فرصة هامّة للمصارف اللّبنانية من أجل توسيع نشاطها الدّاخلي، دون التّأثير بشكل كبير على مخاطر التّسليف. فبالنّظر إلى توزّع القروض المشكوك في تحصيلها (Doubtful Loans)، يظهر أنّ 4.7% من هذه القروض مصدرها القروض الّتي تقلّ قيمتها عن 100 مليون ليرة لبنانيّة (والّتي غالباً ما تمنح للشّركات الصّغيرة والمتوسّطة). بالإضافة، تشكّل القروض المشكوك في تحصيلها حوالي 3.2% من إجمالي التّسليفات الّتي تقلّ قيمتها عن 100 مليون ليرة لبنانيّة. في المقابل، 60.4% من القروض المشكوك في تحصيلها مصدرها القروض الّتي تفوق قيمتها 10،000 مليون ليرة لبنانيّة (والّتي غالباً ما تمنح للشّركات الكبيرة) وتشكّل القروض المشكوك في تحصيلها حوالي 9.1% من إجمالي هذه التّسليفات. ويعتبر هذا الأمر حافزاً للمصارف التّجاريّة لتقوم بتفعيل تمويلها للشّركات الصّغيرة والمتوسّطة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير فهم المصارف لهذا القطاع، لعملائه، وللإيرادات المصرفيّة المحتملة من تمويل المشاريع الصّغيرة والمتوسّطة. أيضاً، يمكن للمصارف إيجاد وسيلة فعّالة لخفض تكاليف التّشغيل المتعلّقة بدراسة ملفّات تسليف المؤسسات الصغرى من خلال تطوير طرق جديدة ومبتكرة لتقييم الائتمان (أي انشاء القروض، رصدها، وتحصيلها).
إنّ تقديم الدّعم للشّركات الصّغيرة والمتوّسطة هو في صميم اهتمام السّلطات اللّبنانيّة، لذلك تمّ في العام 2010 انشاء مؤسّسة كفالات. وتعود ملكيّة كفالات إلى المؤسّسة الوطنيّة لضمان الودائع التي تمتلك نسبة 75% من المؤسّسة، في حين يمتلك خمسون مصرفاً النّسبة المتبقية، أي 25%. تعمل شركة كفالات على دعم المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة وذلك من خلال منح هذه المؤسّسات قروضاً من خلال المصارف المشاركة في المؤسّسة وذلك بناءً على دراسات وخطط مؤسّسية مقدمة من طالبي القروض تبيّن استدامة النّشاط الاقتصادي. ويتمّ منح الضّمانات للمصرف المقرض الذي قد يطلب بدوره ضمانات إضافيّة مما يجعل القرض أكثر أماناً للمصرف. تتوجّه برامج شركة كفالات إلى المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة الحجم في أحد القطاعات الاقتصادية التالية: الصّناعة، الزّراعة، السّياحة، الإنتاج الحرفي، والتّقنيات المتطوّرة. وقد ساهمت القروض المضمونة من قبل كفالات في انعاش العديد من المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة وزيادة انتاجيّتها. تفصيليّاً، منذ العام 1997 حتّى نهاية العام 2014، اصدرت المصارف اللبنانيّة قروضاً بقيمة 1.26 مليار دولار أميركي لدعم المشاريع النّاشئة من خلال الاستفادة من ضمانات القروض المؤمّنة من قبل كفالات. تتوزّع هذه القروض كالتّالي: 53% للصّناعة، 19% للسّياحة، و27% للزّراعة.
جدول بياني 3: برامج كفالات لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
| برامج كفالات لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة | ||||
| نسبة الكفالة | مدة القرض | الحد الأقصى للقرض (مليون ليرة لبنانية) | نوع الاستثمار | اسم البرنامج |
| %٧٥ | 7 سنوات كحد أقصى | ٣٠٠ | تمويل الاستثمار في الأصول الثابتة ورأس المال التشغيلي | برنامج كفالات الاساسي |
| %٨٥ | 7 سنوات كحد أقصى | ٦٠٠ | تمويل الاستثمار في الاصول الثابتة وتغطية الاحتياجات التشغيلية للمشروع | برنامج كفالات الاضافي |
| %٩٠ | 5 سنوات كحد أقصى | ٣٠٠ | تمويل اصول ثابتة واحتياجات رأس المال التشغيلي | برنامج كفالات الابتكار |
|
أيضاً، لمصرف لبنان دور فاعل في تحفيز المصارف على تمويل الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة. فهو في صدد الترويج لقانون الإقراض المضمون الذي يهدف إلى تشجيع الإقراض للمؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة، لأن هذه المؤسّسات لا تمتلك ضمانات غير المنقولة (Immovable Collateral) كافية لتحصل على التّمويل. وهي بالتّالي غير قادرة على الاستفادة من أصولها الحاليّة كضمان للتّسليفات بسبب امتناع المصارف والمؤسسات المالية الأخرى من اتخاذ هذه الأصول كضمان نتيجة لعدم وجود مركزيّة تسجيل لها. فالهدف من وراء هذا القانون هو تشجيع الإقراض مقابل ضمانات منقولة (Movable Collateral) من خلال وضع آليّة قانونيّة تسمح للمصارف بتوفير الائتمان اللّازم لتمويل المشاريع الصّناعية والزّراعية والتّجارية مقابل ضمانات منقولة على غرار الضّمانات غير المنقولة. هكذا، تصبّ جهود المصرف المركزي نحو وضع إطار قانوني حديث للمعاملات المضمونة(Secured Transactions) التي تؤهّل المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة الوصول إلى الائتمان على أساس الضمانات المنقولة.
كلّ ذلك من شأنه إيجاد فرص جديدة للمصارف التّجاريّة من أجل توسيع نشاطها المحلّي في تمويل قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي لا يستفيد بما يكفي من الخدمات المصرفيّة. عندها تتحقّق المنفعة المتبادلة، فتتمكّن المصارف من تحقيق المزيد من التّنوع في محفظة قروضها، بينما تستفيد القطاعات الانتاجيّة في لبنان من تطوير نشاطها الأمر الّذي ينعكس إيجاباً على النّمو الاقتصادي للبلاد.
ثالثاً: تملك المصارف اللّبنانيّة فرصة تطوير خدمات التّمويل الأصغر(Microfinance) في لبنان نظراً لكون هذه الخدمات ما تزال متوفّرة بشكل محدود. بدأت صناعة التّمويل الأصغر في لبنان في فترة التّسعينات و لكن على الرّغم من بعض النّمو الّذي شهده هذا القطاع، إلّا أنّه مازال سوقاً ناشئاً ذا نسب نفاذ منخفضة. إنّ مصطلح “التّمويل الأصغر” يشير إلى تقديم الخدمات الماليّة على أساس مستدام لذوي الدّخل المحدود وللمشاريع الصّغيرة، وهو يشمل ليس فقط إعطاء القروض، بل أيضاً تقديم خدمات الإيداع وتحويل الأموال والتأمين وكذلك خدمات تنمية الأعمال التّجارية. أمّا في لبنان، فتركّز مؤسّسات التّمويل الأصغر حتى الآن بشكل حصريّ تقريباً على الائتمان، إذ تقوم المؤسّسات بمنح القروض الصّغيرة للأفراد ذوي الدّخل المحدود في محاولة لتحسين أوضاعهم الماليّة وتخفيف مستويات الفقر في لبنان.
قبل ثماني سنوات فقط، وبحسب مؤسّسة التّمويل الدّولية (International Finance Corporation)، تألّف قطاع التّمويل الأصغر في لبنان من 11 مؤسّسة فقط، وبلغ إجمالي محفظة القروض ما قيمته حوالي 33 مليون دولار أميركي. اليوم، اجتاز عدد مؤسّسات التّمويل الأصغر 20 ووصلت قيمة محفظة القروض الّتي تمنحها إلى حوالي 62 مليون دولار أميركي. إذاً، يعمل في لبنان عدد محدود من مؤسّسات التّمويل الأصغر أو بالأحرى مؤسّسات الإقراض الأصغر (لتركيز أغلبها على تقديم خدمة الإقراض فقط مقابل عدد قليل من الخدمات الماليّة وغير الماليّة الأخرى). ومن أبرز هذه المؤسّسات: الجمعيّة اللّبنانيّة للتّنمية-المجموعة، شركة أمين، مؤسّسة القرض الحسن، مؤسّسة مخزومي، مؤسّسة إمكان، جمعيّة تنمية قدرات الرّيف، بالإضافة الى بعض المصارف التّجارية. وقد أنشئت معظم هذه المؤسّسات من قبل المنظّمات المحليّة والدّوليّة لتقديم مختلف خدمات التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة، بما في ذلك القروض الصّغيرة، وغالباً ما تقدّم القروض بأسعار فائدة أدنى من تلك المتوفّرة في السّوق. تخدم هذه المؤسّسات حاليّاً حوالي 38،000 عميل، ومع كلّ التّقدّم الّذي شهده قطاع التّمويل الأصغر في لبنان، فإنّه يبقى محدوداً مع حصول 12٪ فقط من المواطنين الذين هم بحاجة فعلاً إلى التّمويل الأصغر على قروض.
وبالمقارنة مع النّمو المتسارع اّلذي شهدته صناعة التّمويل الأصغر في المنطقة العربيّة على مدى السنوات العشر الماضية، يظهر أنّ هذا القطاع ما يزال متخلّفاً في لبنان وإنّه بعيد عن تلبية كلّ الطّلب المحتمل على القروض الصّغيرة. فتشكّل حصّة لبنان من إجمالي قيمة القروض الصّغيرة الممنوحة في العالم العربي فقط 3%. في المقابل، تصل حصّة المغرب من هذه القروض إلى 43%، حصّة مصر إلى 20%، الأردن إلى 8%. أمّا من حيث نسبة اختراق (Penetration Rate) التّمويل الاصغر في لبنان، فتبلغ نسبة المقترضين الّذين حصلوا على قروض من إجمالي المقترضين المحتملين 12% . يقابل ذلك نسبة اختراق تصل إلى 54% في الاردن، 46% في تونس، و 36% في المغرب. هذا دليل على أنّ خدمات التّمويل الأصغر في لبنان لا تفي كلّ الطّلب وأنّه ما يزال هناك فرص عديدة أمام المصارف لتطوير هذا القطاع حتّى تطال خدماتها مختلف فئات المواطنين اللّبنانييّن.
| نسبة الانخراط في التمويل الاصغر | |
| النّسبة (%) | البلد |
| %٥٤ | الاردن |
| %٤٦ | تونس |
| %٣٦ | المغرب |
| %٢٥ | موريتانيا |
| %٢٤ | مصر |
| %١٢ | لبنان |
| %١٠ | فلسطين |
| %٣ | العراق |
| %٣ | سوريا |
| %٣ | اليمن |
| %٢ | السودان |
وبحسب وحدة الاستخبارات الاقتصادية (Economist Intelligence Unit)، يقع لبنان في المرتبة 40 من أصل 55 دولة نامية، وفي المرتبة 11 من أصل 15 دولة في منطقة الشّرق الاوسط وأفريقيا، وفق المؤشّر العالمي للتّمويل الأصغر(Global Microfinance Index). يقيّم هذا المؤشّر مناخ التّمويل الأصغر عبر مكوّنين هما: (1) الإطار التّنظيمي والممارسات، الّذي يقيّم دخول السّوق والأمور التّنظيميّة، (2) والإطار المؤسّساتي الدّاعم، الذي يعالج الممارسات المؤسّسيّة والتّجاريّة. و يأخذ المؤشّر بعين الاعتبار أيضاً أثر الصّدمات السّياسيّة على قطاع التّمويل الأصغر. حصل لبنان على درجة 33.3 نقطة في عام 2013، مسجّلاً بذلك انخفاضاً من 33.5 نقطة في عام 2012. وتقلّ درجة لبنان عن المعدّل العالمي البالغ 44.4 نقطة، وكذلك عن معدّل منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ 41.1 نقطة. وتعتبر وحدة الاستخبارات الاقتصادية أن الإشراف على قطاع التّمويل الأصغر في لبنان ضعيف وغير فعّال، حيث أنّ السّلطات لا تملك القدرة على تنظيم العمليّات الماليّة لمؤسّسات التّمويل الأصغر. وتشير أيضاً إلى أنّ عدم الاستقرار السّياسي وعدم اهتمام السّلطات أدّى إلى تأخير الإصلاحات في قطاع التّمويل الأصغر.
| المؤشّر العالمي للتّمويل الأصغر 2013 | |||
| المرتبة العالميّة | المرتبة في الشرق الاوسط وأفريقيا | الدّرجة | البلد |
| ٥ | ١ | ٦١.١ | كينيا |
| ٨ | ٢ | ٥٣.٨ | يوغنديا |
| ١٣ | ٣ | ٥٣.٣ | غانا |
| ٢٢ | ٤ | ٤٨.٤ | روندا |
| ٢٤ | ٥ | ٤٥.٢ | نيجيريا |
| ٢٥ | ٦ | ٤٧.٩ | تنزانيا |
| ٣٠ | ٧ | ٤٤.٠ | موزامبيق |
| ٣٥ | ٨ | ٣٨.٣ | المغرب |
| ٣٧ | ٩ | ٣٥.٩ | مدغشقر |
| ٣٩ | ١٠ | ٣٤.٤ | السنغال |
| ٤٠ | ١١ | ٣٣.٣ | لبنان |
| ٤٣ | ١٢ | ٣١.٧ | الكاميرون |
| ٤٤ | ١٣ | ٣١.٠ | اليمن |
| ٤٦ | ١٤ | ٢٨.٤ | الكنغو |
| ٤٩ | ١٥ | ٢٧.٣ | مصر |
وترجع محدوديّة خدمات التّمويل الاصغر بحدّ كبير إلى محدوديّة قدرات المنظّمات غير الحكوميّة على التّوسع. فبالرّغم من أنّها تمنح القروض الصّغيرة، إلّا أنّ معظمها هذه المنظّمات غير الحكوميّة تشارك في عدد من الأنشطة التّنموية الأخرى، ولذلك لم تستثمر بشكل كبير في زيادة محفظة الاستثمار بالتّمويل الأصغر. إنّ معظم مؤسّسات التّمويل الأصغر في لبنان تفتقر إلى القدرة الماليّة والتّشغيليّة السّليمة لإدارة الأموال على نطاق واسع. حتّى تلك المتخصّصة منها في مجال التّمويل الأصغر ولها عدد أكبر من العملاء، لا تزال محدودة مقارنةً مع مؤسّسات التّمويل الأصغر المماثلة في المنطقة. ويعود السّبب إلى تردّد هذه المؤسّسات في التّوسع بسرعة في بيئة سياسيّة غير واضحة المعالم. إضافةً، لا يُنظّم الإقراض الأصغر أي نصّ قانوني رسمي، مع كون وزارة الدّاخلية والبلديّات، بدلاً من وزارة الماليّة أو المصرف المركزي، هي الّتي تقوم حاليّاً بالإشراف على جميع مؤسّسات التّمويل الأصغر الّتي تعمل في هذا القطاع. بالمقابل، إنّ الشّكل الوحيد من أشكال الدّعم الّذي حصل عليه القطاع من مصرف لبنان هو إصدار المصرف توجيهاً بالسّماح للمصارف التّجاريّة المحليّة باستخدام 5% من احتياطاتها الالزاميّة لمبادرات التّمويل الأصغر. أيضاً، إنّ مؤسّسات التّمويل الأصغر لديها نقاط ضعف كامنة في القيود المفروضة على المؤسّسات الخيريّة، وبالتالي لديها قدرة محدودة في الحصول على الأموال لأنّه لا يسمح لها باتّخاذ الودائع. على هذا النّحو، تعتمد مؤسّسات التّمويل الأصغر إلى حدّ كبير على أموال المانحين، والّتي تترجم إلى عدم وجود استقرار في الحصول على الائتمان. هذا الأمر يلعب لصالح المصارف التّجاريّة الّتي لديها سيولة عالية من خلال ودائع القطاع الخاص والّتي تمكّنها من القيام بخدمات التّمويل الاصغر.
إذاً، يمكن للمصارف التّجاريّة في لبنان الاستفادة من نقاط ضعف مؤسّسات التّمويل الاصغر وتحويلها الى فرصة تمويلية على الشّكل التّالي:
- بناء القدرات: من الواضح أنه لا يزال هناك مجال كبير للنّمو في صناعة التّمويل الأصغر في لبنان، نظراً لعدم تلبية الطّلب الكبير على القروض الصّغيرة. ومؤسّسات التّمويل الاصغر الحاليّة تحتاج إلى تحسين القدرات الداّخلية فيها وإلى وضع نهج أكثر ابتكاراً من أجل تعزيز منتجاتها وخدماتها.
- إشعال المنافسة: في بلدان أخرى في المنطقة (مثل المغرب والأردن)، إنّ واحداً من العوامل الرّئيسية الدّافعة لنموّ قطاع التّمويل الأصغر هو المنافسة بين المؤسّسات. أمّا في لبنان، فمستوى المنافسة في هذا القطاع منخفض جدّاً لأنّه لا يوجد الكثير من اللّاعبين فيه. لذلك، يمكن للمصارف التّجاريّة أن تقوم بإشعال المنافسة، الامر الّذي يطوّر الخدمات الّتي يقدّمها هذا القطاع.
- تسهيل التّمويل: بالرّغم من وجود فائض سيولة في النّظام المصرفي، لم يترجم هذا الفائض بعد إلى استثمار في التّمويل الأصغر. ويرجع ذلك إلى السّجل القصير نسبيّاً من نجاحات هذا القطاع . لذلك، يمكن للمصارف اللّبنانيّة ان تقوم بتسهيل تمويل القروض الصّغيرة إذا ما استخدمت فائض سيولتها.
- توفير خدمات جديدة: من المتوقّع أن يستمر قطاع التّمويل الأصغر في لبنان بالتّوسّع، وفي حين تهيمن القروض الصّغيرة على خدمات التّمويل الاصغر، تغيب خدمات الادّخار الاصغر (Micro-Saving) نظراً للهيكل التّنظيمي لمؤسّسات التّمويل الاصغر، كما تغيب خدمات التّأمين الاصغر (Micro-Insurance) عن القطاع، على الرّغم من الحاجة إليها في ظلّ مناخ عدم الاستقرار الّذي يهيمن على لبنان. لهذا أمام المصارف اللّبنانيّة فرصة لتطوير خدمات حديثة علماً أنّ بنية المصارف تخوّلها توفير هذه الخدمات.
وتجدر الاشارة إلى أنّ الحكومة اللّبنانيّة يجب أن تلعب دوراً حاسماً من خلال تنفيذ سياسات فعّالة لضمان سلامة مقدّمي الخدمات الماليّة الصّغرى وجعل مؤسّسات التّمويل الأصغر تخضع لإشراف ومتطلبات المصرف المركزي الّتنظيميّة. فعلى الحكومة أن تقوم بتطوير البيئة القانونيّة المناسبة من خلال وضع قوانين ائتمان مناسبة وقابلة للتنفيذ. كما وأنّ للسّلطات اللّبنانيّة دور هام في توفير المعلومات من خلال إنشاء مكتب للائتمان أو مركز لدراسة المخاطر. هذه المكاتب/المراكز من شأنها تعزيز الممارسات في سياق توفير المعلومات وتنفيذ السّياسات التي تشجع منح القروض الصغيرة ذات آجال استحقاق قصيرة
المحور الرابع: المخاطر التي يمكن أن تواجهها البنية التمويلية في لبنان.
الخطران الأساسيان على البنية التمويلية في لبنان هما أولاً استمرار الضعف في النمو الإقتصادي وثانياً استمرار التقهقر في المالية العامة.
تواجه المصارف اللّبنانيّة خطر استمرار الوضع الاقتصادي في لبنان على ما هو عليه اليوم. فمنذ العام 2011، يمرّ الاقتصاد اللّبناني بمرحلة من النّمو البطيء و الضعف الماكرو اقتصادي نتيجة عدّة عوامل داخليّة وخارجيّة. إنّ هذا الوضع قد بدأ يؤثّر تدريجيّاً على مستويات النّمو في القطاع المصرفي اللّبناني بسبب اضطرار المصارف الى العمل في ظلّ ظروفٍ اقتصاديّةٍ صعبة. لذلك، هناك تخوّف من أنّ عدم تحسّن الاوضاع الاقتصاديّة قد يسبب المزيد من التّحدّيات للقطاع المصرفي، تحديداً فيما يخصّ نمو التّسليفات للشّركات والأفراد.
سجّل النّاتج المحلّي الإجمالي في لبنان نسبة نموّ بمعدل 8.5% ما بين الأعوام 2007 و2010- وهي من أعلى معدلات النّمو في العالم- ولكن هذه النّسبة انخفضت لتصل إلى ما دون 2% ما بين الأعوام 2011 و 2014. ويعود هذا التّباطؤ إلى مجموعة من العوامل الخارجيّة كاستمرار الأزمة السّورية، إضافةً إلى العوامل الدّاخلية كتراجع الوضع الأمني والسّياسي، الأمر الّذي أدّى إلى تراجع ثقة المستهلك والمستثمر بالاقتصاد. ومع ذلك، لم تقترن معدّلات النّمو العالية التي شهدتها الأعوام القليلة الماضية بإجراءات جريئة لتنفيذ الإصلاحات التي تتناول القطاعات الرّئيسيّة مثل الطّاقة والاتّصالات. وقد ادى هذا الأمر إلى تدهور حادّ في الإطار الماكرو اقتصادي للبنان عندما دخلت البلاد في حالة من عدم الاستقرار السّياسي والأمني. وعند المقارنة مع ومجموعة من الدّول الّتي تأثّرت نسبيّاً بأزمات الدّول المجاورة، يظهر أنّ الأداء الاقتصادي في لبنان كان أكثر تقلّباً من الدّول الأخرى تحديداً بسبب تأثره بصدمات أمنية داخليّة كبيرة.
إضافة الى ذلك، إنّ انخفاض النّمو الاقتصادي في لبنان كان له تأثيراً مباشراً على الميزانيّة الماليّة للدّولة. فمع تباطؤ نمو النّاتج المحلّي الاجمالي، تباطأت كذلك إيرادات الحكومة بينما ارتفع الانفاق الحكومي بسبب عدم اتّباع الحكومات المتوالية سياسة الانفاق السّليم. كل هذا أدّى إلى ارتفاع العجز المالي جنباً إلى جنب مع النّمو المنخفض، ما انعكس سلباً على نسبة الدين إلى النّاتج المحلي الإجمالي التي كانت قد بدأت تنخفض منذ العام 2007. وكانت قد بدأت ديناميات الدّين العام في لبنان تتحسّن بشكل ملحوظ بعد العام 2006، تحديداً بسبب النمو الاقتصادي المرتفع الّذي شهدته تلك الفترة. لكنّ تباطؤ النّشاط الاقتصادي والعجز المالي، إضافةً إلى ارتفاع بدل مخاطر الفائدة (Interest Rate Risk Premium) بسبب الأزمة السّورية عَكسَ التّقدم الملحوظ في خفض نسبة الديّن إلى النّاتج المحلي الإجمالي. فارتفعت هذه النّسبة من 134% في العام 2011 إلى 140% في العام 2014. تجدر الاشارة إلى أنّ عدم قدرة لبنان على احتواء الدّين العام جعله مستداماً (أي خفض نسبة الديّن إلى النّاتج المحلي الإجمالي) قد تنعكس سلباً على التّصنيف الائتماني للدّين السّيادي. وبما أنّ المصارف اللّبنانيّة تحمل أكثر من نصف هذا الدّين، فإنّ خفض التّصنيف الائتماني للدّين السّيادي له انعكاسات سلبيّة على التّصنيف الائتماني للمصارف اللّبنانيّة.
إنّ استمرار الوضع الاقتصادي غير المؤاتي على حاله في الفترة المقبلة قد يسبّب المزيد من التّباطؤ في نموّ الودائع المصرفيّة. فبعد أن نمت ودائع القطاع الخاص في المصارف اللّبنانيّة بمتوسّط سنوي قدره 15.4% في الفترة 2007-2010، انخفض نمو الودائع إلى متوسّط سنوي قدره 7.7% في الفترة 2011-2014. هذا الواقع استمرّ خلال النّصف الأوّل من العام 2015 حيث أتى نمو الودائع (5.9%) أقلّ من النّمو في النّصف الأوّل من العام السّابق (7%). وقد حصل هذا الانخفاض في النّمو على الرّغم من أنّ المصارف اللبنانية تدفع معدلات فوائد مرتفعة على الودائع مقارنة بالأسواق الإقليميّة والعالميّة. واذا استمرهذا التّباطؤ في النّمو قد يضعف الميزانيّة العامّة للمصارف اللّبنانيّة ،علماً أنّ ودائع القطاع الخاص تشكّل مصدر التّمويل الأساسي للقطاع المصرفي اللّبناني.
كذلك الأمر، تواجه التّسليفات المصرفيّة للشّركات العاملة في لبنان انخفاضاً في مستوى نموّها جراء عدم الاستقرار في البلاد. فإنّ التّباطؤ الاقتصادي سبب تأثيراً سلبياً على العديد من القطاعات الانتاجيّة والخدماتيّة الّتي وجدت نفسها غير قادرة على ممارسة نشاطها كالسّابق. هذا الأمر انعكس على الإقراض للشّركات، أوّلاً بسبب انخفاض الطّلب على القروض نتيجة تريّث الشّركات باتّخاذ قرار حول توسيع أعمالها، وثانياً بسبب تريّث المصارف اللّبنانيّة بمنح هذه القروض لما فيها من مخاطر متزايدة في ظلّ البيئة التّشغيليّة المتراجعة في لبنان. فبعد أن شهدت تسليفات المصارف اللّبنانيّة الى القطاع الخاص نمواً بمتوسّط سنوي قدره %15 في الفترة 2007-2009، انخفض نمو التسليفات إلى متوسّط سنوي قدره %14.2 في الفترة 2010-2014. هذا الواقع استمرّ خلال النّصف الأوّل من العام 2015 حيث أتى نمو التسليفات (%7) أقلّ من النّمو في النّصف الأوّل من العام السّابق (%10).
الخلاصة:
لقد عرض هذا الفصل بشكل علمي وموضوعي نقاط القوة، الضعف، الفرص والتحديات في المنظومة التمويلية للاقتصاد اللبناني، وهي منظومة مقبولة وفعّالة الى حد بعيد. لكن المخاطر السياسية والاقتصادية بدأت بالتسلّل الى هذه المنظومة من خلال انخفاض نسب النمو في الودائع المصرفية وفي التسليفات الى القطاع الخاص، والأمر الذي يوجب التّنبه اليه ومعالجته. وتكون المعالجة الأفضل من خلال القيام بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة لتوسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد أولاً والقيام بإصلاح المالية العامة وترشيد الإنفاق ثانياً.
للإطلاع على محور المصارف اللبنانية في كتاب نهوض لبنان كاملاً، اضغط Ch11-v5 القطاع المصرفي وتمويل الاقتصاد



