خاص – النزوح نحو المدن مستحيل وخطر يهدد حياة كبار السن… أين الدولة من هذا المشهد الاجتماعي القاتم؟

منذ بداية شهر أيلول، أخذ الحديث عن ارتفاع أسعار المحروقات حيزاً واسعاً، ولا سيما لجهة تأثير أسعار المازوت على كلفة التدفئة في المناطق الجبلية، التي تستعد مع انخفاض درجات الحرارة لدخول موسم التدفئة.
لكن خلف الحديث عن الأسعار، يبرز سؤال اجتماعي أوسع: كيف ستواجه الأسر أعباء الشتاء في ظل الضغوط المعيشية؟ وفي المناطق الجبلية تحديداً، لا ترتبط المسألة بكلفة التدفئة فحسب، بل أيضاً بالقدرة على تأمين الاحتياجات والتنقل خلال العواصف والثلوج، فيما يطرح الانتقال إلى المدن أعباء سكن ومعيشة إضافية.
في هذا السياق، حذّر الخبير في التنمية الاجتماعية رمزي أبو خالد من أن «الانفجار الاجتماعي لم يعد مجرد احتمال، بل بات مسألة وقت إن استمر هذا التدهور»، مقدّراً أن الفقر المدقع بات يطال أكثر من 80% من اللبنانيين، ومتحدثاً عن غياب شبكة أمان اجتماعي قادرة على استيعاب حجم الأزمة.
أبو خالد: الانفجار الاجتماعي يقترب
واعتبر أبو خالد، في حديث لموقع Leb Economy، أن القدرة الشرائية للرواتب تآكلت بشكل كبير، وأن الطبقة الوسطى تعرضت بدورها لضربة قاسية، واصفاً الشارع اللبناني بأنه «يغلي بصمت».

ورأى أن التحركات التي تشهدها قطاعات عدة، ولا سيما النقابات والمعلمين والقطاع الصحي، قد تنذر بما وصفه بـ«انتفاضة جياع»، معتبراً أن الإجراءات الرسمية المتخذة حتى الآن لا تتجاوز «مسكنات وهمية» ولا تعالج، برأيه، جذور الأزمة.
وبحسب أبو خالد، فإن الخشية لا تقتصر على نزول الناس إلى الشارع، بل على احتمال تحول أي احتجاجات واسعة إلى صدامات وفوضى، معتبراً أن أي انفجار اجتماعي محتمل قد لا يكون منضبطاً أو مؤطراً بقيادة سياسية واضحة.
وقال إن «من يمنع الانفجار ليس الدولة، بل خوف الناس من الأسوأ»، محذراً من أن «الصبر ليس أبدياً».
الودائع… أزمة تتجاوز المال
وفي ملف الودائع، وصف أبو خالد ودائع اللبنانيين في مصرف لبنان والمصارف التجارية بأنها تحولت إلى «أرقام وهمية مسلوبة بقوة الأمر الواقع»، معتبراً أن القيود التي فُرضت على السحوبات والتحويلات طُبقت بصورة استنسابية أضرت بصغار المودعين.
ورأى أن مؤسسات الدولة «تتناتش المسؤولية»، كما اعتبر أن خطط التعافي المطروحة لا تؤمّن، بصيغها الحالية، استعادة المودعين كامل أموالهم.
وبحسب أبو خالد، فإن أزمة الودائع لم تعد مالية فحسب، بل تحولت إلى أزمة ثقة بالقطاع المالي والمصرفي، معتبراً أنه لا يمكن بناء إصلاح اقتصادي حقيقي من دون معالجة حقوق المودعين.
ووصف تحركات المودعين بأنها «صرخة دفاع أخير عن الكرامة الإنسانية»، معتبراً أن معالجة هذا الملف يجب أن تكون أولوية في أي مسار للنهوض الاقتصادي.
العسكريون المتقاعدون… ضغوط معيشية متصاعدة
وعلى صعيد العسكريين المتقاعدين، أشار أبو خالد إلى تراجع القيمة الفعلية لمعاشاتهم في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، معتبراً أن التقديمات الصحية والاجتماعية المتاحة لهم لم تعد كافية لتغطية احتياجات العديد من العائلات.
وقال إن مشهد الاحتجاجات والتحركات التي ينفذها المتقاعدون يعكس، برأيه، حجم الأزمة التي تواجه فئة أمضت سنوات في خدمة المؤسسة العسكرية.
كما انتقد ما وصفه بالتخبط الحكومي في معالجة ملف الأجور، معتبراً أن استمرار الضغوط المعيشية على العسكريين المتقاعدين وعائلاتهم يهدد أمنهم الاجتماعي.
وشدد على أن المتقاعدين «لا يطلبون صدقة»، بل يطالبون بحقوق تتيح لهم العيش بكرامة بعد سنوات الخدمة، محذراً من أن استمرار تجاهل مطالبهم قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في تحركاتهم.
التعليم… الأقساط تضغط على العائلات
وفي الملف التربوي، تحدث أبو خالد عن زيادات في الأقساط المدرسية والجامعية، معتبراً أنها تشكل عبئاً إضافياً على الأسر التي تواجه أساساً ارتفاعاً في تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن بعض المدارس الخاصة تعتمد جزءاً من أقساطها بالدولار، فيما يعاني المعلمون بدورهم، بحسب قوله، من تدني الرواتب والضغوط المعيشية.
وفي المقابل، اعتبر أن التعليم الرسمي يعاني من مشكلات مزمنة في التمويل والبنى التحتية والاستقرار، محذراً من انعكاس الضغوط الاقتصادية على قدرة بعض العائلات على إبقاء أبنائها في التعليم.
ووصف الأقساط بأنها تحولت إلى «مقصلة» بالنسبة إلى بعض الأسر، منتقداً مستوى الرقابة الرسمية على هذا الملف.
كما حذّر من تراجع قدرة الفئات الفقيرة والمتوسطة على الوصول إلى تعليم جيد، معتبراً أن استمرار أزمات الجامعة اللبنانية والقطاع التربوي عموماً يهدد مستقبل الأجيال المقبلة.
المحروقات والشتاء… الجبال أمام اختبار صعب
أما في ملف المحروقات، فحذّر أبو خالد من أن ارتفاع كلفة البنزين والمازوت سينعكس مباشرة على الأسر في القرى والبلدات الجبلية، حيث تشكل التدفئة حاجة أساسية خلال أشهر الشتاء.
واعتبر أن كلفة المازوت قد تجعل التدفئة التقليدية صعبة بالنسبة إلى عدد من العائلات، في ظل الضغوط التي تتعرض لها مداخيل الأسر.
وتحدث أبو خالد عن مخاوف إضافية في المناطق المرتفعة، ترتبط باحتمال إقفال بعض الطرق خلال العواصف الثلجية وتأثر وصول الإمدادات، معتبراً أن سكان هذه المناطق لا يحظون بالدعم والاستعدادات الكافية لمواجهة فصل الشتاء.
كما حذّر من لجوء بعض الأسر، نتيجة ارتفاع الكلفة، إلى وسائل تدفئة أقل أماناً، معتبراً أن ذلك قد يضاعف المخاطر على كبار السن والأطفال.
أما خيار الانتقال من المناطق الجبلية إلى المدن، فرأى أبو خالد أنه ليس حلاً متاحاً بسهولة، في ظل كلفة الإيجارات والمعيشة، واصفاً النزوح الداخلي بالنسبة إلى الكثير من العائلات بأنه شبه مستحيل.
وختم معتبراً أن الشتاء المقبل لن يكون، بالنسبة إلى هذه الأسر، «فصلاً مناخياً عادياً»، بل «اختباراً قاسياً لبقاء الإنسان اللبناني في أرضه».



