خاص- خلافاً لما يُروَّج.. بحصلي يؤكد: لا ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية

في ظل الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتراكمة التي يواجهها اللبنانيون، يبرز ملف الأمن الغذائي باعتباره من أكثر الملفات ارتباطاً بالقدرة الشرائية للمواطن، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والخدمات. وبينما تتواصل المخاوف من انعكاس التطورات الإقليمية على أسعار السلع، يبقى السؤال حول مدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وقدرة اللبنانيين على الوصول إليها.
في هذا السياق، اعتبر رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي في حديث لموقعنا “Leb Economy”، أن الأمن الغذائي لا يرتبط فقط بتوافر الغذاء، بل أيضاً بقدرة المواطنين على الوصول إليه، مشيراً إلى أن هذه القدرة باتت تحت ضغط نتيجة الأوضاع الاقتصادية وارتفاع كلفة عدد من الخدمات والاحتياجات الأساسية.

وأشار بحصلي إلى أن الحديث عن تأثير التطورات المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب وعدم وصول البضائع يجب أن يُفصل عن مسألة تأثيرها المباشر على أسعار الغذاء، موضحاً أن تأثير مضيق هرمز يرتبط بصورة أساسية بالنفط، وبالتالي بأسعار الطاقة، التي تنعكس بدورها على أسعار السلع وصولاً إلى قدرة المستهلك على الوصول إلى الغذاء.
وقال إن الأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة التنقل والطاقة والمدارس والطبابة وسائر الاحتياجات الأساسية فرضت ضغوطاً إضافية على المواطن، إلا أنه شدد في المقابل على أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يبقى أقل من الارتفاع المسجّل في العديد من بنود الإنفاق الأخرى.
وأوضح أن هناك ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية، وهو أمر مرتبط بالمصاريف التشغيلية للشركات والموردين، إلا أن هذه الزيادات تبقى في نسب معتدلة، وتتراوح عادة بين 3 و5 في المئة، وقد تصل في بعض الأصناف إلى نحو 10 في المئة كحد أقصى.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار بعض الأصناف بنسبة أكبر لا يعني بالضرورة أن الزيادة تشمل جميع المواد الغذائية، مشيراً إلى أن بعض السلع قد تسجل ارتفاعاً يصل إلى 30 في المئة، لكن ذلك يمكن أن يحصل في صنف أو صنفين محددين، وضرب مثالاً على ذلك اللحوم التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة ارتفاع أسعارها عالمياً، في حين أن أصنافاً أخرى، ومنها الدواجن، لم تسجل الارتفاعات نفسها.
وكشف بحصلي أن الزيادات في أسعار المواد الغذائية ترتبط بعدة عوامل، من بينها تكاليف النقل والشحن والطاقة، إضافة إلى طبيعة كل سلعة ومدى اعتمادها على الطاقة، وما إذا كانت تحتاج إلى التبريد أو غير ذلك، ولذلك تختلف نسبة الزيادة من صنف إلى آخر.
وأشار إلى أن بيانات مؤشر أسعار المستهلك الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي تظهر أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية لم يتجاوز في المتوسط نحو 1 إلى 2 في المئة مقارنة بالشهر السابق، لافتاً إلى أن الشهرين السابقين شهدا، وفق هذه البيانات، انخفاضاً في الأسعار.
وأكد في المقابل أن هناك فرقاً بين الأرقام المسجلة في المؤشرات وبين ما يلمسه المواطن على أرض الواقع في المتاجر ومحال السوبرماركت، إلا أن الصورة العامة تشير إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية، ولا سيما الأرز والسكر والحبوب، لم تشهد ارتفاعات كبيرة مقارنة بغيرها من السلع والخدمات.
وأوضح أن عنصر الطاقة يدخل حكماً في كلفة المواد الغذائية، لكنه لا يشكّل بالضرورة النسبة الأكبر من كلفة بعض السلع الأساسية، وهو ما يفسر محدودية انعكاس ارتفاع أسعار المحروقات على عدد من هذه الأصناف.
وقال إن الفكرة الأساسية تكمن في فهم نسبة الزيادة بشكل صحيح، موضحاً أنه إذا ارتفعت كلفة سلعة بنسبة 5 في المئة، فإن السلعة التي يبلغ سعرها 10 دولارات تصبح كلفتها 10.5 دولارات، وليس 15 دولاراً، معتبراً أن هناك أحياناً فارقاً في كيفية إدراك المستهلك لنسب الارتفاع، ولا سيما عند مقارنة أسعار السلع بكلفة بعض الخدمات.
وأضاف أن كرتونة الزيت التي يبلغ سعرها 10 دولارات، على سبيل المثال، وترتفع كلفتها بنسبة 5 في المئة، تصبح بسعر 10.5 دولارات، أي أن الزيادة هي نصف دولار، وليس خمسة دولارات، مشيراً إلى أن نسب الارتفاع في المواد الغذائية تتراوح عموماً بين 5 و7 و10 في المئة بحسب الصنف وكلفة الطاقة التي تدخل في إنتاجه أو تخزينه ونقله.
وفي ما يتعلق بالمقترحات التي يمكن أن تساهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين، أشار بحصلي إلى أن هذا الموضوع طُرح خلال اجتماع لجنة الأمن الغذائي، موضحاً أن أحد المقترحات يرتبط بكلفة الطاقة والضرائب المفروضة عليها.
وقال إن سعر الطاقة مرتفع جداً، إلا أن جزءاً كبيراً منه يتضمن ضرائب، مشيراً إلى الرسم البالغ نحو 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ومعتبراً أنه إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة، ولو لفترة معينة، على إزالة هذه الضريبة، فإن ذلك من شأنه أن يخفف جزءاً من الأعباء عن المواطن.
ولفت إلى أن الشركات الخاصة يمكنها من جهتها المساهمة في تخفيف الأعباء عن موظفيها من خلال تقديمات اجتماعية، وإن كانت هذه القدرة لا تتوافر لدى جميع الشركات، مقترحاً أن تعود الدولة إلى إجراء مشابه لما حصل في عام 2022، عبر اعتبار هذه التقديمات الاجتماعية معفاة من الضرائب خلال المرحلة الحالية، بما يساهم في تمكين المواطنين من مواجهة الأعباء المعيشية.
وشدد بحصلي على أن الضغوط الحالية لا تقتصر على المواطن اللبناني وحده، بل تطال أيضاً الشركات المستوردة والمصنّعة، مؤكداً أن الأزمة تضغط على مختلف الأطراف، وأن قدرة الشركات على تقديم المساعدة تبقى مرتبطة بقدرتها المالية في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل.
وأكد أن المطلوب من الدولة اللبنانية، قدر المستطاع، تخفيف الأعباء عن المواطنين، لا سيما من خلال عدم فرض ضرائب جديدة، والعمل في المقابل على تخفيف الضغط عن أسعار الطاقة، ولو بصورة مؤقتة، عبر خفض الضرائب والرسوم المفروضة عليها.
وفي ما يتعلق بالرسم البالغ 3 في المئة على الاستيراد، أشار بحصلي إلى أن الملف الضريبي بات يشكل أزمة كبيرة، موضحاً أن هذا الرسم لا يؤثر بصورة مباشرة على جميع المواد الغذائية، لكنه ينعكس على بعض الأصناف، ولا سيما من خلال كلفة الأعلاف وغيرها من المدخلات.
وختم بالإشارة إلى أهمية إعادة النظر في ما يُعرف بضريبة البيئة، معتبراً أن هذه المسألة تحتاج إلى أن تُعالج بطريقة مختلفة بما يخفف من انعكاساتها على كلفة السلع والقطاعات المتأثرة بها.



