خاص- دولارات أكثر لشراء المحروقات… هل تتحول صدمة النفط إلى استنزاف لاحتياطي مصرف لبنان؟

مع استمرار ارتفاع أسعار النفط والمشتقات النفطية عالمياً، بدأت التداعيات تظهر بوضوح على الدول المستوردة للطاقة، إذ تفرض الفاتورة المرتفعة ضغطاً متزايداً على العملات الأجنبية، ولا سيما في الاقتصادات التي تعاني أساساً من محدودية مواردها الدولارية. وقد برزت هذه المخاوف في دول مستوردة للنفط مثل مصر وبنغلاديش، حيث أعادت صدمة أسعار الطاقة إلى الواجهة مسألة قدرة هذه الاقتصادات على تمويل وارداتها والحفاظ على احتياطاتها من العملات الأجنبية. وفي لبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد حاجاته من المحروقات، يطرح الارتفاع الكبير في أسعار النفط سؤالاً أساسياً: إلى أي مدى تزيد فاتورة الطاقة الطلب على الدولار وتضغط على ميزان المدفوعات؟ وهل يمكن أن تتحول، في حال استمرارها وتراجع التدفقات الدولارية من الخارج، إلى مصدر استنزاف فعلي لموجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية؟
في هذا الإطار، أشار الكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy إلى أن لبنان يعيش منذ حزيران 2026 صدمة نفطية حقيقية. برنت الذي كان عند 67 دولاراً قبل عام تجاوز اليوم 100 دولار، بقمم لامست 120 دولاراً، بفعل الحرب الأميركية-الإيرانية وهجمات الحوثيين على منشآت النفط السعودية. وبما أن لبنان يستورد المشتقات المكررة لا النفط الخام، فإن الصدمة تصله مضاعفة عبر سعر البرميل وعبر كلفة التكرير والشحن في منطقة مضطربة معاً. هكذا شكّلت المحروقات 23% من فاتورة واردات لبنان في 2025، وارتفعت كلفة الطن المستورد من 720 إلى 1,113 دولاراً بين شباط وآذار 2026 وحدهما، أي ما يقارب 171 مليون دولار إضافية في شهر واحد.

وشدّد الخوري على أن هذا الرقم، مهما بدا لافتاً، لا يترجم آلياً إلى استنزاف لاحتياطي مصرف لبنان، وهنا يكمن الخطأ الشائع في قراءة الأزمة. فمعظم فاتورة المحروقات اليوم يموّلها القطاع الخاص من سيولته الخاصة أو من شرائه للدولار في السوق، لا من خزينة المصرف المركزي مباشرة.
وأوضح أن الاحتياطي لا يتأثر فعلياً إلا عبر قنوات محددة، وهي سحب القطاع العام لودائعه بالدولار لتغطية نفقات مرتبطة بالطاقة، أو استخدام التعاميم المصرفية، كرفع سقوف السحوبات بموجب التعميمين 158 و166، بما يرفع المدفوعات النقدية الفعلية من موجودات المصرف، إضافة إلى تأثيرات تقييمية لا علاقة لها بتدفقات حقيقية، كتقلّب سعر الذهب أو اليورو مقابل الدولار. وبعبارة أخرى، فإن الدولار الذي يدفعه مستورد المازوت ليس بالضرورة الدولار الذي يخسره مصرف لبنان.
وتؤكد الوقائع، بحسب الخوري، هذا التمييز بوضوح، فموجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية ارتفعت صافياً 372 مليون دولار بين نيسان 2025 ونيسان 2026، من 11.06 إلى 11.43 مليار دولار. وعندما سُجّل تراجع مؤقت بقيمة 516 مليون دولار بين شباط ونيسان 2026، عزاه المصرف صراحة إلى ارتفاع مدفوعات القطاع العام وتوسيع سقوف السحوبات، لا إلى تمويل فاتورة النفط. وبحلول نهاية تموز 2026 عادت الموجودات إلى الارتفاع لتبلغ 11.53 مليار دولار، أي أن الاحتياطي، حتى في ذروة الصدمة النفطية، أظهر مقاومة أكبر مما توحي به الفاتورة وحدها.
ولفت إلى أن هذا لا يعني غياب الخطر، بل يعني أن الخطر ينتقل من مستوى الاحتياطي المباشر إلى مستوى أعمق هو ميزان المدفوعات ككل. فالصورة الأوسع أقل اطمئناناً من صورة الاحتياطي المعزولة، إذ تحوّل ميزان المدفوعات من فائض قدره 8.92 مليار دولار في تموز 2025 إلى عجز تراكمي بلغ 2.319 مليار دولار في تموز 2026، مع تراجع صافي الموجودات الخارجية لمصرف لبنان بمقدار 3.287 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. وقد ربط صندوق النقد الدولي هذا التدهور أساساً بارتفاع تكاليف استيراد الطاقة، معتبراً أنها استنزفت ما تبقى من سيولة النقد الأجنبي الشحيحة في البلاد. وهذا يعني أن الفاتورة النفطية، وإن لم تضرب الاحتياطي مباشرة، تتسرب إليه تدريجاً عبر توسيع العجز التجاري الذي يفترض أن تموّله التحويلات والسياحة.
وشدّد الخوري على أن الشرط الحقيقي لتحوّل الخطر من احتمال إلى واقع ليس ارتفاع النفط بحد ذاته، بل الفجوة بين فاتورة الاستيراد والتدفقات الدولارية الداخلة. فالتحويلات الرسمية تقارب 6 مليارات دولار سنوياً، والسياحة قاربت 4.65 مليار دولار في 2025، وهذان المصدران كفيلان نظرياً باستيعاب حتى أسوأ سيناريوهات ارتفاع الفاتورة، والتي قد تتراوح بين 400 مليون دولار في حال تراجع الأسعار جزئياً ونحو 3 مليارات دولار في حال صدمة كبرى كإغلاق فعلي لمضيق هرمز. لكن المشكلة أن هذين المصدرين يتراجعان في اللحظة نفسها التي تتصاعد فيها الفاتورة، إذ تشير المؤشرات الأولية إلى ضربة جديدة لموسم السياحة في 2026 نتيجة التطورات الأمنية.
وكشف أنه إذا اجتمع تصعيد نفطي إضافي مع تراجع حاد في التحويلات أو السياحة، أو لجأت الدولة إلى تمويل مباشر لجزء من فاتورة الطاقة عبر كهرباء لبنان، عندها يتحول الضغط من عجز يموّله القطاع الخاص إلى استنزاف فعلي لموجودات المصرف المركزي، كما بدأت تُظهره بيانات النصف الأول من 2026.
ورأى الخوري أن المتابعة الدقيقة لهذا الخط الفاصل تستدعي مراقبة أربعة مؤشرات شهرية: التقارير نصف الشهرية لموجودات مصرف لبنان، وبيانات الجمارك عن حجم وقيمة واردات المشتقات النفطية، والبيانات الشهرية للتحويلات والسياحة، وأي تعميم جديد يوسّع سقوف السحوبات أو المدفوعات النقدية من موجودات المصرف.



