رجعوني عَ ضيعتي بْصحّ”… حين يُصبح الجنوب دواء أبنائه

“بس إرجع عَ ضيعتي بصحّ”. هكذا اختصر الستّينيّ، ابن رميش الجنوبيّة، رحلة صمود أبناء البلدة بوجه القصف والحصار. ففي ظلّ أمنٍ غذائيّ شبه مقطوع، وطرقاتٍ مقطّعة وحركةٍ شبه مشلولة، تمسّكوا بأرضهم ورفضوا الرّحيل. الأزمة وصلَت إلى صحّتهم، وأصبحَ الخروج من بلدتهم صعبًا، فاعتقد البعض أنّ ذلك سيدفعهم إلى الخروج من مناطقهم، لكنّ ذاك زادهم إصرارًا على البقاء.
ويروي ابن البلدة، في حديث إلى موقع MTV، كيف عاش مرضه وسط الحرب، وكيف تحوّلت الطريق إلى بيروت إلى جزءٍ من معاناته. فمنذ بداية الحرب، بقي في البلدة إلى جانب أهله، متمسّكًا بأرضه، ويقول: “صامدين وقاعدين بأرضنا… وين بدنا نروح؟” إلى أن استيقظ في أحد الأيّام وهو يشعر بتعبٍ شديد ودوخة، ولم يكُن قادرًا على الوقوف. ولأنّ الطرقات كانت مقطوعة، توجّه إلى مستوصف الجيش، حيث خضع للفحوصات، وتبيّن أنّه لا يعاني من شيء خطير. لكنّ حالته تغيّرت بعد أيّام قليلة. فبدأ جسمه بالاصفرار، وكذلك عيناه، فخضع لصورة “إيكو”، وهناك أبلغه الأطبّاء بوجود انسداد في مجرى الكبد، وأنّه بحاجة إلى التوجّه إلى مستشفى في بيروت. وهنا بدأت رحلة الانتظار.
سجّل اسمه لدى الصليب الأحمر، وانتظر ثلاثة أو أربعة أيّام إلى أن جاء دوره، فنُقل إلى بيروت، حيث خضع لفحوصات جديدة. والنتيجة كانت صادمة: سرطان في مجرى الكبد والبنكرياس.
خضع لعمليّة جراحيّة، وبقيَ في بيروت نحو شهر ونصف لاستكمال العلاج. ورغم حاجته إلى العلاج، لم يكُن البقاء بعيدًا عن بلدته سهلًا عليه. وردّد بحرقة: “كنت أقول للأطبّاء: رجعوني عَ ضيعتي بْصحّ”. كان قد ضعف كثيرًا، وكان بحاجة إلى الطعام والهواء وإلى العودة إلى بيته. وبعد انتهاء علاجه، عادَ إلى رميش بواسطة الصّليب الأحمر بسبب نقص الأوكسيجين.
اليوم، لم تنتهِ معاناته مع المرض، لأنّ الوصول إلى العلاج خارج البلدة لا يزال مرتبطًا بفتح الطرقات والحصول على الإذن، ففي حال المرض، يحتاج الأهالي إلى الانتظار أيّامًا قبل أن يتمكّنوا من الخروج عبر الصّليب الأحمر، باعتباره الوسيلة المتاحة أمامهم.
الناس محاصرون في بلدتهم، والزيارات تقتصر في معظم الأحيان على داخلها، إلى حدّ أنّهم قد يصلون إلى أيّام لا يجدون فيها “حبّة خضرة” في البلدة. لكن، ابن الستّين عامًا، رغم كلّ شيء، لا يزال يُكرّر ويُردّد، رافعًا رأسه إلى السّماء، قائلًا: “الحمدلله بعدنا قاعدين ببيوتنا، مش عَ الطرقات”.
الأكثر



