أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

عندما يُقحَم المجلس الدستوري في الصراعات السياسية (الجمهورية 22 أيلول)

لا يزال قانون العفو العام يُثير ردود الفعل الحادة، ليس فقط في أوساط المساجين وذويهم، وإنما أيضاً على المستويَين الديني والسياسي. وتعكس هذه الردود، من ناحية، وجع أصحاب العلاقة وما عانوه من ظلم، ومن ناحية أخرى، تطرح إشكاليات دستورية تتعلّق بمستقبل العدالة الدستورية في لبنان، ودور المجلس الدستوري في إرساء دولة القانون.

أقرّ مجلس النواب بتاريخ 13 آب 2026 قانون العفو العام رقم 2026/70، الذي يمنح عفواً عاماً عن عدد كبير من الجرائم، ويُخفّض بعض العقوبات بطريقة استثنائية. وفي الرابع من أيلول 2026، أصدر رئيس الجمهورية القانون المذكور ضمن المهلة الدستورية المنصوص عليها في المادة 56 من الدستور. وعملاً بأحكام المادة 19 من الدستور تقدَّم أكثر من 10 نواب من كتلة «لبنان القوي»، بتاريخ التاسع من أيلول الجاري، بطعن في دستورية القانون أمام المجلس الدستوري. وغداة تسجيل الطعن، أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 2026/10، القاضي بوقف مفعول قانون العفو إلى حين البت بالطعن المقدَّم ضدّه. تصفحالخرائط الجغرافية

إنّ تعليق مفعول القانون لا يعني إلغاءه بصورة نهائية، كما لا يُعدّ بأي شكل من الأشكال مؤشراً إلى اتجاه المجلس نحو قبول الطعن وإلغاء القانون في قراره النهائي. فالهدف من تعليق مفعول القانون هو الحيلولة دون خروج بعض المساجين من السجن قبل البتّ بدستورية القانون. ففي حال صدور قرار نهائي بردّ الطعن يعود القانون إلى النفاذ وفقاً للأحكام القانونية. أمّا في حال قبول الطعن وإلغاء القانون أو بعض مواده، فتعود الكرة إلى ملعب مجلس النواب، الذي يعود له إمّا التخلّي عن القانون أو تعديل الأحكام التي اعتبرها المجلس مخالفة للدستور.

على رغم من ذلك، شهدت الساحة اللبنانية ردود فعل عنيفة، مندِّدة بعملية الطعن بقانون العفو العام وبقرار المجلس الدستوري بوقف مفعول هذا القانون حتى البتّ بدستوريّته.

تراوحت ردود الفعل بين تصعيد ميداني داخل السجون واعتراضات دينية وسياسية. فقد أعلن السجناء الإسلاميّون في سجن رومية، الاضراب عن الطعام، في حين شهدت بعض السجون هتافات غاضبة تندِّد بالنواب الذين وقّعوا على عريضة الطعن بقانون العفو؛ كما اعتبر البعض هذا الطعن بأنّه «طعن سياسي طائفي كيدي». اشتركبالصحف اليومية

في المشهد الديني، برزت مواقف عالية السقف أطلقتها بعض مرجعيات الطائفة السنّية الكريمة، معتبرةً أنّ الطعن بقانون العفو، الذي تمّ الإجماع عليه من قِبل نواب الطائفة ومرجعياتها، هو «فتيل فتنة»، وأنّ هذا «الطعن القضائي هو طعن مباشر في العيش المشترك والسلم الأهلي»، ممّا يستوجب «محاسبة النواب الموقّعين عليه في صناديق الاقتراع». كما ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، محذّراً المجلس الدستوري من «خطورة التجاوب مع الطعن، وإلّا سيكون لنا رأي عندها. فلذلك نتمنّى على القيّمين على المجلس أنّ ينتبَّهوا لخطورة ما هم قادمون عليه».

على الصعيد السياسي، كانت ردود الفعل أقل عنفاً، إذ تمحورت حول مهاجمة عملية الطعن وانتقاد قرار المجلس الدستوري بتعليق مفعول قانون العفو، مع التأكيد على أنّ معركة رفع الظلم عن الموقوفين مستمرة تحت سقف القانون ومع احترام قرارات المجلس الدستوري. لم يشذّ عن هذا الموقف إلّا أحد النواب، الذي اعتبر في معرض جلسة مساءلة الحكومة بتاريخ 16 أيلول 2026، أنّ الطعن بقانون العفو يشكّل «طعناً بالشراكة الوطنية».

لا شك في أنّ الطعن بقانون العفو وقرار وقف تنفيذه لا يشكّلان، بالنسبة إلى السجناء وذويهم، مجرّد مسالة قانونية أو دستورية، وإنما يعنيان استمرار الاعتقال في ظروف بالغة السوء، ومعاناة الانتظار التي يعيشها عدد من الموقفين منذ سنوات، لا سيما أولئك الذين تجاوزت مدة توقيفهم الحد المعقول من دون أن تتمّ محاكمتهم. إلّا أنّه بقدر ما نتفهّم مواقف هؤلاء وردود فعلهم بقدر ما نستغرب ونستهجن مواقف مَن يدافعون عنهم.

فهذه المواقف تطرح مسائل تتجاوز بكثير مسالة قانون العفو ووقف مفعوله، لأنّها تكشف عن إشكاليات دستورية بالغة الأهمية:

هل يصبح القانون الذي تُجمِع عليه طائفة معيّنة، بمنأى عن أي طعن أمام المجلس الدستوري لمجرّد أنّه يحظى بإجماع نواب الطائفة ومرجعياتها الاجتماعية والدينية؟ ألا يعني ذلك أنّ القوانين التي «تخصّ» الطوائف تسمو على الدستور؟ وهل أنّ الثقافة السياسية اللبنانية لم تبلغ بَعد من النضج ما يكفي لاستيعاب منطق الدولة الدستورية والدور المركزي للمجلس الدستوري؟ أخبارسياسة

لا شك في أنّ القارئ المتخصص يدرك تماماً أنّ خطورة وأهمّية هذه الأسئلة لا توازيها أي صعوبة في الأجوبة عنها. فمن المعلوم أنّ المادة الـ19 من الدستور تنصّ على أن: «ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين… ويعود «حق» مراجعة هذا المجلس إلى… عشرة أعضاء من مجلس النواب…» بالإضافة إلى الرؤساء الثلاثة ورؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً في ما يتعلّق حصراً بالأحوال الشخصية، وحرّية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وحرّية التعليم. يتضح من هذا النص أنّ المجلس الدستوري أُنشئ لمراقبة دستورية القوانين، أي كافة النصوص التي أقرّها مجلس النواب من دون أي استثناء، بصرف النظر عن الانتماء السياسي أو الديني للأغلبية التي صوَّتت على القانون. فالقول إنّ الطعن بقانون العفو يشكّل، بحدّ ذاته، «فتيل فتنة» وطعناً في «العيش المشترك والسلم الأهلي» لا يعدو كونه كلاماً سياسياً يُعبِّر عن جهل بأبسط القواعد الدستورية والقانونية التي ترعى الحياة السياسية اللبنانية.

بالإضافة إلى ذلك، يتضح من صراحة المادة الـ19 من الدستور، أنّ المشرِّع الدستوري منح 10 نواب حق الطعن في دستورية القوانين أمام المجلس الدستوري. فبأي منطق يُهدَّد النائب بالمحاسبة «في الصناديق» بسبب استعماله حقاً منحه إياه الدستور؟ ألا يعني ذلك أنّ القانون يسمو على الدستور ويصبح بالتالي بمنأى عن الرقابة لمجرّد اتصاله بمصلحة طائفية؟ أمّا القول إنّ عدم جواز الطعن يرجع إلى كونه يستهدف قانوناً جيداً يحظى بمشروعية شعبية، ويضع حداً لعشرات السنين من الظلم والمظلومية الراسخة في الوجدان السياسي لطائفة من الطوائف، فإنّ ذلك يدل عن جهل بمنطق العدالة الدستورية. فالمجلس الدستوري لا يراقب ما إذا كان القانون جيداً أم لا، لأنّ ذلك من مهام مجلس النواب، وإنما يراقب مدى مطابقة القانون لأحكام الدستور. لذلك يجب التمييز بين مشروعية القانون سياسياً وإنسانياً وبين دستوريّته. فالقانون الجيد من الناحية السياسية والاجتماعية يمكن أن يكون مخالفاً للدستور، كما أنّ القانون السيّئ يمكن أن يكون مطابقاً لأحكام الدستور. تصفحالخرائط الجغرافية

إنّ القول إنّ الطعن في قانون العفو أمام المجلس الدستوري يهدِّد السلم الأهلي، ويشكّل طعناً «في العيش المشترك والشراكة الوطنية»، يكتسب أبعاداً خطيرة في بلد كلبنان، حيث يشكّل العيش المشترك، الذي أشارت إليه مقدّمة الدستور، الأساس الذي يقوم عليه الكيان والنظام السياسي والدستوري. يُضاف إلى ذلك، تهديد النواب الذين وقّعوا على الطعن بمحاسبتهم في «صناديق الاقتراع»، وتحذير المجلس الدستوري من العواقب المترتبة على إبطال القانون. إنّ مجمل هذه المواقف تحثّنا على الشك في أنّ مستوى الثقافة السياسية التي وصل إليه المجتمع اللبناني، يستوعب منطق الدولة الدستورية والدور الذي يلعبه المجلس الدستوري في إرساء دولة القانون. يقول Alexis de Tocqueville في كتابه «الديمقراطية في أميركا»، «إنّ دولة الحق لا تقوم بالنصوص والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى ثقافة سياسية وقانونية تجعل الخضوع للقانون، وقبول أحكام المؤسسات الدستورية، واحترام استقلالها، جزءاً من الممارسة السياسية والاجتماعية».

بواسطة
د. سليم الزيبق
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى