سلام في واشنطن: أنا صاحب دور أيضاً! (الأخبار 22 أيلول)

لا يريد رئيس الحكومة نواف سلام أن تبدو زيارته إلى الولايات المتحدة مجرد محطة تكميلية لزيارة رئيس الجمهورية جوزف عون، ولا أن يظهر في موقع من ينتظر ما تحمله إليه بعبدا من نتائج الاتصالات الأميركية. لذلك، تحمل حركته بين نيويورك وواشنطن، إلى جانب جدول الأعمال المعلن، وظيفة سياسية داخلية تتمثل في تثبيت موقع رئاسة الحكومة شريكاً في إدارة المسار الخارجي، وإظهار أن سلام حاضر إلى جانب عون في النقاش الذي يرسم ملامح المرحلة المقبلة.
يصل سلام بعد زيارة عون إلى واشنطن، وفي لحظة انتقل فيها النقاش من كيفية وقف الحرب إلى شكل التسوية التي يمكن أن تليها. ومن هنا، سيكون أحد أهدافه استكمال الصورة التي تكوّنت بعد لقاءات رئيس الجمهورية، واستطلاع ما إذا كانت واشنطن قد حسمت تصورها للمرحلة المقبلة، وخصوصاً لجهة العلاقة بين «اتفاق الإطار» والقرار 1701. وليست المسألة شكلية أو مجرد سجال على تسمية المرجعية، إذ إن الفارق بينهما يحدد، إلى حد بعيد، من يمسك بإدارة المرحلة المقبلة، وما هي شروطها وآليات تنفيذها.
وبحسب المطلعين، لا تتوافر مؤشرات تستدعي التعويل على زيارة سلام باعتبارها محطة ذات نتائج استثنائية. فهؤلاء يرون أنه لن ينجح حيث أخفق عون، الذي عاد من البيت الأبيض إلى بعبدا من دون نتائج ملموسة، وبقي طوال أسبوعين يتحدث عن خيبة أمله من عدم قدرة الأميركيين على فرملة التصعيد الإسرائيلي أو انتزاع أي خطوة مقابلة، كما حصل في نموذج المناطق التجريبية.
وبعد نيويورك، يُرتقب انتقال سلام إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية ماركو روبيو، بعدما توسّط له الأمير يزيد بن فرحان، فيما يجري ترتيب لقاءات واتصالات أخرى، من بينها لقاء مع السيناتور الجمهوري تيد كروز. وما يحتاج رئيس الحكومة إلى معرفته هو ما إذا كانت واشنطن تتعامل مع الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، ومعالجة ملف السلاح بوصفها مسارات متوازية، أم أن المطلوب من لبنان تنفيذ التزاماته أولاً، فيما يبقى الانسحاب مرتبطاً بتقدير إسرائيلي لزوال ما تعتبره تل أبيب تهديداً أمنياً؟
وتقول مصادر متابعة إن التفاوض يجري فيما تواصل إسرائيل تغيير الوقائع في الجنوب وتوسيع نطاق سيطرتها وتحركها العسكري، ويتحول ما يسمى «الخط الأصفر» شيئاً فشيئاً من إجراء ميداني إلى عنصر يمكن إدخاله لاحقاً في المساومة. فإسرائيل تريد طي صفحة القرار 1701 والذهاب إلى اتفاق يمنحها شرعية ربط انسحابها الكامل بعملية نزع السلاح على مستوى لبنان كله، لا جنوب الليطاني، كما كان ينص اتفاق 27 تشرين.
سلام يحمل معه اتفاق الإطار عارضاً الاستعانة بقوة عربية ترعى الترتيبات الأمنية جنوباً وتحلّ مكان «اليونيفل»
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع اقتراب مرحلة ما بعد «اليونيفل». فالبحث في القوة أو الصيغة التي ستخلفها لا ينفصل عن الصراع على المرجعية. والسؤال ليس فقط من سيملأ الفراغ، بل ما طبيعة مهمته، ومن يمنحه التفويض، ولمن يرفع تقاريره، وما حدود علاقته بالجيش اللبناني وبإسرائيل؟ فإذا تراجعت مركزية القرار 1701 لمصلحة ترتيبات جديدة، قد يجد لبنان نفسه أمام نظام أمني مختلف في الجنوب، تكون للولايات المتحدة فيه قدرة أكبر على تحديد قواعد التنفيذ، فيما تسعى إسرائيل إلى تثبيت الوقائع التي حققتها ميدانياً قبل اكتمال أي تسوية. وتقول المصادر إن سلام يحمل معه «اتفاق الإطار»، ليبرز المادة الرابعة منه، التي تتحدث عن الاستعانة بقوة عربية ترعى الترتيبات الأمنية جنوباً وتحل محل «اليونيفل».
وفي حقيبة سلام أيضاً ملف صندوق النقد الدولي. وسيكون لقاؤه مع إدارة الصندوق مناسبة للبحث في مسار الاتفاق والإجراءات والتشريعات التي لا تزال مطلوبة من لبنان، ولا سيما ما يتعلق بإعادة هيكلة القطاع المالي ومعالجة الخسائر. إلا أن الملف المالي لم يعد منفصلاً عن الصورة السياسية العامة. فالحكومة تحتاج إلى إعادة فتح أبواب المؤسسات الدولية واستعادة التمويل، فيما يدرك الخارج حجم حاجة لبنان إلى المال، ما يجعل المسافة بين الدعم المالي والاشتراط السياسي شديدة الحساسية.
والأمر نفسه ينطبق على إعادة الإعمار. فالدمار الواسع في الجنوب يضع الحكومة أمام حاجة مالية ضخمة، لكن السؤال الذي سيحاول سلام استكشاف إجابته هو ما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً لتمويل الإعمار بوصفه استحقاقاً مستقلاً، أم أن الأموال ستصبح جزءاً من حزمة تفاوضية أوسع تشمل السلاح والترتيبات الأمنية ومستقبل الجنوب. وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط المرحلة المقبلة: أن تتحول حاجة القرى المدمرة إلى التمويل من ملف إنساني وإنمائي إلى ورقة تستخدم لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية.
وفي ظل هذا الواقع، تأتي رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى عون لتؤكد أهمية العلاقة التي تريد واشنطن الحفاظ عليها مع الرئاسة اللبنانية، لكنها لا تشكل، بحد ذاتها، دليلاً على تبدل في الشروط الأميركية أو في المقاربة تجاه الترتيبات الأمنية. والأخطر أن السلطة تبدو شديدة الحرص على التقاط أي إشارة أميركية إيجابية وتقديمها باعتبارها رصيداً سياسياً، فيما لا تقابل ذلك، حتى الآن، مؤشرات مماثلة في الميدان. فرسالة ودّ من واشنطن لا توقف توغلاً إسرائيلياً، ولا تعيد قرية إلى أهلها، ولا تفرض انسحاباً.



