الرئيس أمام قاضي المرفأ: مساءلة مشروعة أم تجاوز دستوري؟ (نداء الوطن 21 أيلول)

أعادت المعلومات المتداولة بشأن مطالعة النيابة العامة التمييزية في ملف انفجار مرفأ بيروت، وما نُسب إليها من طلب توجيه الاتهام إلى رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، طرح مسألة دستورية بالغة الدقة تتجاوز شخص الرئيس السابق، لتتصل بحدود ولاية القضاء العدلي تجاه رئيس الجمهورية وبالنظام الخاص للمسؤولية الرئاسية الذي رسمته المادة 60 من الدستور اللبناني.
ولا ينطلق هذا البحث من موقع الدفاع عن الرئيس السابق ميشال عون، ولا عن أي مسؤول من مسؤولي المنظومة السياسية، سابقًا كان أم حاليًا، كما لا يرمي إلى تبرئة أحد أو استباق ما قد تثبته التحقيقات في حقه. إنما ينطلق من الدفاع عن الحق في معرفة الحقيقة كاملة، وعن مبدأ عدم الإفلات من العقاب، أيًّا تكن هوية المسؤول أو موقعه، ومن رفض طمس الحقيقة عن الشعب اللبناني أو تجزئتها أو تشويهها من خلال تسريبات انتقائية، أو إجراءات قضائية مسيّسة، أو مسرحيات اتهامية تُستعمل لتوجيه الرأي العام وتصفية الحسابات، بدل كشف الجريمة بجميع عناصرها وملاحقة جميع المسؤولين عنها، من مدبّريها ومرتكبيها الأصليين إلى كل من يثبت تقصيره أو إهماله.
وبحسب المعلومات المنشورة، تقوم الشبهة المنسوبة إلى الرئيس السابق على أنه كان قد علم، قبل انفجار الرابع من آب 2020، بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها، من دون أن يتخذ، بحسب الرأي المنسوب إلى النيابة العامة، الإجراءات اللازمة أو أن يعرض الأمر على المجلس الأعلى للدفاع.
غير أن التسريبات المنسوبة إلى ملف يُفترض أن تحكمه سرية التحقيق تثير إشكالية لا تقل خطورة عن مضمونها. فانتقاء أجزاء من مطالعة غير ملزمة للمحقق العدلي، وتقديمها إلى الرأي العام كما لو كانت قرارًا اتهاميًا نهائيًا، من شأنه أن يحرّف النقاش عن الحقيقة الكاملة، ويستبق القضاء، ويحوّل القضية إلى أداة للمشاحنات والابتزاز وتصفية الحسابات السياسية. كما أن حصر الصورة الإعلامية في مسؤوليات الإهمال والتقصير، فيما لا يعرف الرأي العام ما انتهى إليه التحقيق بشأن أصل إدخال المواد وسبب الانفجار، يثير خشية جدية من طمس جوانب أساسية من الملف تحت عنوان المسؤولية التقصيرية.
فالتحقيق في تقصير المسؤولين الذين علموا بالخطر ولم يمنعوا الكارثة واجب لا غنى عنه، لكنه ليس بديلًا من التحقيق في المسؤولية الجنائية الأصلية. والأسبق منطقيًا هو تحديد من أدخل المواد إلى مرفأ بيروت، ومن موّلها وغطّى دخولها، وما وجهتها الحقيقية، ولحساب من أُدخلت، وما الغرض من استعمالها. كما يجب حسم ماهيتها حسمًا فنيًا وقضائيًا: هل كانت الشحنة بكاملها نيترات أمونيوم بالمواصفات والكميات المعلنة، أم اشتملت على مواد أخرى مرتبطة بصناعة وتهريب المتفجرات أو الأسلحة والصواريخ كما تردد؟ وهل كانت النيترات هي التي انفجرت فعلًا، أم استُعمل وجودها غطاءً لمواد أخرى؟ ثم هل نتج الانفجار عن خطأ أو إهمال داخل المرفأ، أم عن فعل قصدي نُفذ من الداخل، أم عن استهداف من الجو أو وسيلة خارجية أخرى؟
هذه الفرضيات لا يجوز تبني أي منها أو نفيها استنادًا إلى الشائعات أو المواقف السياسية، وإنما يجب إخضاعها للأدلة الفنية والمادية: نتائج تحليل العينات، وتقارير الخبراء، وصور الأقمار الاصطناعية، وتسجيلات المراقبة، وطبيعة الأضرار ومسرح الانفجار وسائر المعطيات ذات الصلة. وإذا صح ما سُرّب عن اتجاه الاتهام إلى عشرات الأشخاص على أساس الإهمال والتقصير، فإن ذلك لا يثبت وحده أن التحقيق أهمل الفعل الجرمي الأصلي، لكنه يوجب أن يبيّن القرار الاتهامي بوضوح ما إذا كان قد بحث في مصدر المواد ووجهتها والمستفيد منها والسبب الحقيقي للانفجار، وما الأدلة التي اعتمدها في ترجيح فرضية واستبعاد سواها. أما الاكتفاء بملاحقة حلقات الإهمال من دون حسم هذه الأسئلة، فمن شأنه أن يدفن أصل الجريمة ويتيح للمسؤولين عن إدخال المواد أو استعمالها، إن ثبت وجودهم، الإفلات من العقاب، فضلًا عن إهدار حقوق الضحايا.
وفي هذا الإطار، لا يجوز أن يبدأ البحث القانوني المتعلق بالرئيس السابق ميشال عون من القول إن سلوكه يشكل حتمًا إهمالًا جزائيًا، ولا من السؤال عما إذا كانت حصانته قد انتهت بانتهاء ولايته. صحيح أن ثبوت علمه بالخطر قد يطرح مسألة تقصيره في استعمال الصلاحيات المتاحة له، ومنها دعوة المجلس الأعلى للدفاع إلى الانعقاد، أو الدعوة، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء تُخصّص لبحث المواد الخطرة المخزنة في المرفأ. إلا أن قيام المسؤولية الجزائية عن هذا الامتناع يظل مشروطًا بإثبات الواجب القانوني المحدد، والعلم، والقدرة على التدخل، والعلاقة السببية.
وقبل ذلك كله، تفرض القاعدة المنهجية تحديد طبيعة الفعل المنسوب إليه: هل نحن أمام «جريمة عادية» منفصلة عن الوظيفة الرئاسية، أم أمام فعل أو امتناع متصل مباشرة بممارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية؟ فهذا التكييف يسبق منطقيًا وقانونيًا البحث في المرجع المختص بالملاحقة، وهو جوهر الإشكالية التي يعالجها هذا المقال، من دون أن يحجب ضرورة كشف المسؤولية الجنائية الأصلية عن إدخال المواد والانفجار نفسه.
أولًا: في وجوب تكييف الفعل قبل البحث في الاختصاص
تنص المادة 49 من الدستور على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وأنه يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، كما تنص على أنه يرأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء.
أما المادة 60 فتنص على أنه: «لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى. أما التبعة فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة»، ثم تُخضع اتهامه ومحاكمته، سواء عن الجرائم العادية أم عن خرق الدستور أو الخيانة العظمى، للآلية الدستورية الخاصة التي رسمتها.
ومن هنا، يقتضي قبل كل شيء تحديد طبيعة السلوك المنسوب إلى الرئيس السابق. فإذا كان الفعل المنسوب إليه سرقة أو تزويرًا أو اعتداءً شخصيًا أو قتلًا، أو أي فعل جرمي قابلًا للانفصال موضوعيًا عن ممارسة الوظيفة الرئاسية، أمكن البحث في إدراجه ضمن مفهوم “الجريمة العادي” المقصود في المادة 60.
أما إذا كانت المؤاخذة تتمثل في أنه تلقى، بصفته رئيسًا للجمهورية، تقريرًا أمنيًا يتعلق بمواد خطرة موجودة في مرفق عام، وأنه كان يتعين عليه، بصفته رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، أن يمارس صلاحية رئاسية معينة، أو أن يدعو جهة دستورية أو أمنية إلى اتخاذ تدبير محدد، لكنه لم يفعل، فإن مصدر الالتزام المدعى الإخلال به يكون الوظيفة الرئاسية ذاتها.
وبعبارة أوضح: لو لم يكن الشخص رئيسًا للجمهورية، لما أمكن مؤاخذته أصلًا على عدم استعمال تلك الصلاحية. فلا يستقيم، من جهة، القول إن الرئيس كان ملزمًا بالتدخل بسبب الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، ثم القول، من جهة أخرى، إن امتناعه عن استعمال هذه الصلاحيات لا علاقة له بممارسة وظيفته ويشكل مجرد «جريمة عادية”. فمصدر الواجب المدعى الإخلال به ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر أساسي في تكييف الفعل وتحديد نظام المسؤولية المطبق عليه.
ويجد هذا التمييز ما يسنده، على سبيل الاستئناس، في الاجتهاد اللبناني المتعلق بتحديد نطاق الجرائم الناشئة عن الوظيفة. فقد ميّزت محكمة التمييز الجزائية، في قرارها رقم 70/1999 الصادر بتاريخ 24 آذار 1999 في قضية الوزير السابق شاهي برصوميان، بين الجرائم العادية التي ينعقد الاختصاص بشأنها للقضاء العدلي، وبين الأفعال الداخلة في نطاق الإخلال بالواجبات المترتبة على الوظيفة، والتي تخضع لنظام المسؤولية الدستورية الخاصة.
وصحيح أن هذا القرار صدر في معرض تطبيق المادتين 70 و71 المتعلقتين بمسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء، لا المادة 60 المتعلقة بمسؤولية رئيس الجمهورية، إلا أن أهميته بالنسبة إلى موضوع البحث تكمن في اعتماده طبيعة الفعل ومدى اتصاله بواجبات الوظيفة معيارًا لتحديد نظام المسؤولية والمرجع المختص، بدل الاكتفاء بالتسمية الجزائية التي تُطلق عليه أو بمجرد وقوعه في أثناء تولي المنصب.
ولا يؤدي اعتماد هذا المعيار إلى اعتبار كل جريمة يرتكبها صاحب المنصب جريمة وظيفية؛ إذ تبقى الجريمة الشخصية القابلة للانفصال عن الوظيفة جريمة عادية، ولو وقعت في أثناء الولاية أو أتاح المنصب فرصة ارتكابها. أما حين تتمثل المؤاخذة ذاتها في عدم تنفيذ واجب لا ينشأ إلا بفعل الوظيفة الدستورية، فإن الصلة بالوظيفة لا تكون عرضية أو زمنية، بل تصبح عنصرًا مكوّنًا للفعل المنسوب إلى صاحبه. وهذا هو الفارق بين جريمة يرتكبها المسؤول مستفيدًا من موقعه، وبين مساءلته عن كيفية استعمال صلاحية دستورية أو امتناعه عن استعمالها.
ثانيًا: في خضوع الفعل المتصل بالوظيفة الرئاسية لأحكام المادة 60 من الدستور
تقرر المادة 60 نظامًا دستوريًا خاصًا لمسؤولية رئيس الجمهورية، قوامه عدم تبعته عن أفعال الوظيفة إلا في حالتي خرق الدستور والخيانة العظمى، مع إخضاع الجرائم العادية للقوانين العامة ضمن آلية الاتهام والمحاكمة التي حددها النص نفسه.
وعليه، إذا كان جوهر المؤاخذة الموجهة إلى الرئيس السابق هو عدم استعماله صلاحياته الدستورية أو الأمنية، أو عدم عرضه مسألة نيترات الأمونيوم على المجلس الأعلى للدفاع، فإن الواقعة تدخل، بحسب هذا التكييف، في نطاق ممارسة الوظيفة الرئاسية أو الامتناع عن ممارستها. ولا يكفي إطلاق وصف “الإهمال” أو “التقصير” عليها لتحويلها إلى جريمة عادية؛ فالعبرة ليست بالتسمية المعطاة للفعل، وإنما بطبيعته وبمصدر الواجب الذي يقال إن الرئيس أخل به، وبمدى إمكان فصل هذا الواجب عن صفته الرئاسية.
ويؤيد هذا التحليل، من باب القانون المقارن، الاجتهاد الفرنسي الصادر في ظل المادة 68 من الدستور الفرنسي بصيغتها السابقة لتعديل سنة 2007، وهي الصيغة الأقرب، من حيث بنيتها ومنطقها، إلى المادة 60 من الدستور اللبناني. فقد تناول المجلس الدستوري الفرنسي، في قراره رقم 98-408 DC الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني 1999، النظام الخاص للمسؤولية الجزائية لرئيس الجمهورية، ثم تناولت الهيئة العامة لمحكمة النقض الفرنسية المسألة في قرارها الصادر بتاريخ 10 تشرين الأول 2001، فميّزت بين الأفعال المرتكبة في ممارسة الوظيفة الرئاسية والأفعال المنفصلة عنها.
وقد قررت محكمة النقض الفرنسية أن اختصاص محكمة العدل العليا، وفق المادة 68 القديمة، يقتصر على الأفعال التي يرتكبها رئيس الجمهورية في ممارسة وظيفته، متى أمكن وصفها بالخيانة العظمى، في حين تبقى الأفعال المنفصلة عن الوظيفة خاضعة، من حيث المبدأ، للقضاء الجزائي العادي، مع امتناع اتخاذ إجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة في مواجهة الرئيس طوال مدة ولايته وتعليق التقادم خلالها.
ولا ينتقص تعديل الدستور الفرنسي سنة 2007 من القيمة المقارنة لهذا الاجتهاد؛ لأن الاستناد إليه لا يتم في ضوء النظام الفرنسي الحالي، بل بالنظر إلى المادة 68 القديمة التي صدر في ظلها، والتي كانت أقرب إلى المادة 60 من الدستور اللبناني. فالمقارنة الصحيحة لا تقوم بين المادة 60 اللبنانية والمادتين 67 و68 الفرنسيتين بصيغتهما الراهنة، وإنما بينها وبين النص الفرنسي السابق الذي عالجه الاجتهادان المذكوران.
وإذا كان قرار المجلس الدستوري الفرنسي الصادر سنة 1999 وقرار محكمة النقض الصادر سنة 2001 قد اختلفا في تحديد بعض النتائج الإجرائية المترتبة على المركز الدستوري لرئيس الجمهورية خلال ولايته، فإنهما يؤكدان، في أساس التحليل، أن تحديد المرجع المختص لا ينفصل عن التمييز بين الفعل المرتكب بصفة رئيس الجمهورية والفعل الشخصي القابل للانفصال عن الوظيفة.
ويستفاد من ذلك أن وصف الفعل بأنه “جريمة عادية” لا يتحدد بمجرد إدراجه تحت نص من نصوص قانون العقوبات، ولا بالتسمية التي تعتمدها سلطة الادعاء، بل بطبيعته الموضوعية ومدى قابليته للانفصال عن الوظيفة. فإذا كان الواجب المدعى الإخلال به لا ينشأ إلا بسبب الصفة الرئاسية، وكان السلوك المؤاخذ عليه يتمثل في عدم استعمال صلاحية دستورية مقررة لرئيس الجمهورية، فلا يجوز حسم وصفه كجريمة عادية قبل بيان كيفية فصله قانونًا وموضوعيًا عن ممارسة الوظيفة الرئاسية.
ومن هنا، تصبح مقولة “زوال الحصانة بانتهاء الولاية” سابقة لأوانها؛ لأن البحث في زوال الحصانة عن جريمة عادية يفترض أولًا إثبات وجود جريمة عادية قابلة للانفصال عن ممارسة الوظيفة. أما إذا كانت الواقعة متصلة، في أصلها ومصدر الواجب الناشئ عنها، اتصالًا مباشرًا بالوظيفة الرئاسية، فإن انتهاء الولاية لا يغيّر بأثر رجعي طبيعتها القانونية. فالامتناع الذي وقع سنة 2020، إذا ثبت أنه امتناع عن ممارسة صلاحية رئاسية، لا يتحول بعد انتهاء الولاية إلى فعل شخصي لمجرد أن صاحبه أصبح رئيسًا سابقًا؛ وإنما تبقى طبيعته خاضعة للتكييف الذي كان يحكمه وقت وقوعه، ومن ثم للنظام الدستوري المترتب على هذا التكييف.
ثالثًا: عدم جواز الخلط بين العلم والمسؤولية الجزائية
إن ثبوت علم رئيس الجمهورية بوجود نيترات الأمونيوم، على أهميته الواقعية، لا يكفي بذاته لقيام المسؤولية الجزائية. فالمسؤولية عن الامتناع تستوجب تحديد الواجب القانوني الذي كان يقع على عاتق الشخص، والصلاحية التي كان يملكها، وطبيعة المعلومات التي وصلته، ومدى وضوح الخطر الوارد فيها، والإجراء الذي كان يتعين عليه قانونًا اتخاذه، وما إذا كان قد أحال المعلومات إلى جهات مختصة، فضلًا عن إثبات العلاقة السببية بين الامتناع المدعى به والنتيجة الجرمية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ملف المرفأ. فالرئيس السابق أعلن في حينه أنه تبلغ تقرير أمن الدولة في 20 تموز 2020، وأن مستشاره العسكري والأمني أبلغ الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع الذي أحال التقرير إلى المراجع المختصة. وإذا كانت جهة التحقيق ترى أن هذا الإجراء غير كافٍ، فعليها أن تحدد الإجراء الآخر الذي كان الدستور أو القانون يفرضه شخصيًا على رئيس الجمهورية.
وهنا تظهر مفارقة قانونية أساسية: إذا كان هذا الواجب نابعًا من صلاحياته كرئيس للجمهورية، فنحن نعود إلى نظام المسؤولية عن ممارسة الوظيفة؛ أما إذا لم يكن ثمة واجب خاص مترتب على صفته الرئاسية، فيصبح من الضروري بيان الأساس القانوني الذي يجعل امتناعه الشخصي جريمة جزائية.
رابعًا: في تحديد المرجع المختص على فرض اعتبار الفعل جريمة عادية
إذا افترضنا، خلافًا لما تقدم، أن السلوك المنسوب إلى الرئيس السابق يشكل جريمة عادية، فإن ذلك لا يؤدي بصورة تلقائية إلى اختصاص القضاء العدلي.
فالمادة 60 نفسها تنص، بعد إخضاع التبعة عن الجرائم العادية للقوانين العامة، على أنه لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية بسبب هذه الجرائم أو بسبب خرق الدستور أو الخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدر بغالبية ثلثي مجموع أعضائه، وأن المحاكمة تتم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80 من الدستور.
وهنا يجب التمييز بين القانون الموضوعي الذي يحدد الجريمة والعقوبة، والمرجع الدستوري المختص بالاتهام والمحاكمة. فخضوع «الجريمة العادية» للقوانين العامة لا يعني بالضرورة خضوع رئيس الجمهورية لأصول الملاحقة العادية، لأن المادة 60 وضعت بنفسها آلية خاصة للاتهام والمحاكمة.
وبالتالي، حتى إذا أعطي الفعل وصف الجريمة العادية، يبقى الدفع قائمًا بأن الدستور حصر اتهام رئيس الجمهورية بمجلس النواب بأكثرية الثلثين ومحاكمته بالمجلس الأعلى. أما القول إن انتهاء الولاية يزيل حكم المادة 60 بالنسبة إلى جريمة ارتكبت أثناء الولاية، فهو مسألة دستورية قابلة للنقاش لا يحسمها النص صراحة، ولا يصح التعامل معها كقاعدة بديهية لا خلاف حولها.
خامسًا: المسؤوليات الأمنية والعسكرية وضرورة وحدة معيار المساءلة
يثير التركيز الإعلامي على مسؤولية رئيس الجمهورية السابق سؤالًا لا يقل أهمية: ما المعيار المعتمد لتحديد الأشخاص المسؤولين عن عدم منع الكارثة؟ فالتحقيق في انفجار بهذا الحجم لا ينبغي أن ينطلق من المواقع السياسية، بل من سلسلة العلم والاختصاص والقرار والقدرة على التدخل.
وينطبق ذلك، عرضًا ولكن بصورة جدية، على قيادة الجيش وسائر الأجهزة الأمنية. فبموجب قرار مجلس الوزراء الصادر سنة 1991 بتكليف الجيش حفظ الأمن في بيروت الكبرى، الذي استمر الجيش في الاستناد إليه وممارسة مهماته على أساسه، وبالنظر إلى ما تمنحه المادة الرابعة من قانون الدفاع الوطني للجيش عند تكليفه حفظ الأمن من صلاحيات تشمل مراقبة الموانئ والسفن في المياه الإقليمية، لا يمكن اختزال وجوده في مرفأ بيروت بوجود رمزي أو استخباري محض. فإذا كان الجيش يتولى فعليًا حفظ الأمن ضمن هذا النطاق، فإن علم قيادته أو أجهزته المختصة بوجود كمية هائلة من مادة قابلة للانفجار، مخزنة في ظروف تعرض المرفأ والعاصمة لخطر واسع، كان من شأنه أن ينشئ واجبًا أمنيًا إيجابيًا يقتضي التحرك ضمن حدود الصلاحيات المتاحة، لا مجرد تسجيل المعلومة أو إحالتها بصورة روتينية.
وتفيد المعلومات المنشورة بأن قيادة الجيش كانت قد أبلغت بوجود الشحنة، وأن الجمارك سألتها عن إمكان استفادته منها، كما تفيد بوجود مكتب لمخابرات الجيش داخل المرفأ وبحصول تواصل معه بشأن النيترات وخطورتها. وإذا ثبت أن هذه الجهات علمت بطبيعة المادة وكميتها وظروف تخزينها أو باحتمال سرقتها أو انفجارها، فإن السؤال لا يعود مقتصرًا على ما إذا كان الجيش يملك قانونًا بيع البضاعة أو نقلها أو إتلافها بنفسه؛ بل يصبح السؤال عما فعله، بوصفه جهة مكلفة بحفظ الأمن، لمنع تحقق خطر أمني داهم يهدد أعدادًا كبيرة من المدنيين.
فالتمييز بين سلطة التصرف بالبضاعة والواجب الأمني لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لنفي المسؤولية أو تقاذفها. قد لا تكون قيادة الجيش صاحبة القرار الجمركي أو القضائي بإتلاف النيترات أو إخراجها، لكن ذلك لا يعفيها، عند ثبوت العلم بالخطر، من اتخاذ ما يقع ضمن اختصاصها: إجراء تقييم فني وأمني جدي، رفع إنذار واضح وعاجل إلى السلطة السياسية والقضائية المختصة، طلب إزالة الخطر ضمن مهلة محددة، تأمين العنبر ومنع الوصول غير المشروع إليه، ومتابعة التحذير والتصعيد إذا بقي الخطر قائمًا. فالجهة المكلفة بحفظ الأمن لا تؤدي واجبها بمجرد القول إن التصرف النهائي بالبضاعة يعود إلى جهة أخرى، متى كان في وسعها اتخاذ تدابير احترازية، أو المطالبة بإلحاح بمعالجة عاجلة، أو تنبيه المراجع صاحبة القرار إلى جسامة الخطر.
ولا يجوز كذلك تفتيت بنية الجيش والأجهزة الأمنية على نحو يضيع المسؤولية بين القيادة ومديرية المخابرات ومكتبها في المرفأ والوحدات والجهات الفنية. المطلوب تحديد مسار المعلومة داخل كل جهاز: من تلقاها، وإلى من رفعها، وما القرار الذي اتخذ بشأنها، وهل تابع تنفيذه. فإذا بلغ العلم إلى وحدة أو مكتب تابع، وجب التحقيق في ما إذا كان قد رُفع وفق التسلسل إلى القيادة؛ وإذا بلغ القيادة، وجب تحديد الأوامر التي أصدرتها والتدابير التي تابعتها. فالتوزيع الداخلي للوظائف يحدد المسؤوليات الفردية، لكنه لا يجوز أن يمحو مسؤولية المؤسسة أو يحول دون تحديد موضع القرار والامتناع فيها.
وينطبق المعيار نفسه على أمن الدولة والأمن العام والجمارك وإدارة المرفأ والسلطات القضائية والوزارات ورئاسة الحكومة. فتداخل الاختصاصات لا يعني انعدامها، وتعدد الجهات العالمة لا يعفي أيًا منها من واجبها المستقل. بل قد تنشأ مسؤوليات متوازية عن الخطر نفسه، كل بحسب ما بلغه من معلومات وما كان يملكه من سلطة وقدرة فعلية على التحذير أو الحماية أو التصعيد أو التدخل.
وعليه، لا يكفي السؤال: من كان يملك القرار النهائي بشأن النيترات؟ بل يجب أن يضاف إليه: من كان مكلفًا بحفظ الأمن؟ من علم بالخطر الداهم؟ ما التدابير الوقائية التي كان يستطيع اتخاذها فورًا؟ إلى أي مرجع رفع الإنذار، وبأي درجة من الوضوح والاستعجال؟ وهل تابع الأمر إلى أن أزيل الخطر؟ ثم هل أسهم الامتناع عن هذه التدابير، سببيًا، في بقاء الخطر حتى وقوع الكارثة؟ وحده هذا التحقيق يمنع تحويل تداخل الصلاحيات إلى وسيلة لتبديد المسؤولية بدل تحديدها.
سادسًا: خصوصية مركز رئيس الجمهورية إزاء القيادات الأمنية
تظهر هنا مفارقة إضافية. فإذا كانت الحجة في مواجهة الرئيس السابق أنه كان يتعين عليه التحرك بسبب موقعه كرئيس للمجلس الأعلى للدفاع وقائد أعلى للقوات المسلحة، فإن المادة 49 نفسها تنص على أن القوات المسلحة «تخضع لسلطة مجلس الوزراء”.
ومن ثم، لا يكفي الاستناد إلى عبارة «القائد الأعلى للقوات المسلحة» بصورة مجردة لإثبات أن رئيس الجمهورية كان يملك سلطة تنفيذية مباشرة على المرفأ أو على كل جهاز أمني أو على كيفية تخزين المواد الخطرة. بل يجب تحديد الصلاحية القانونية المعينة والإجراء الذي كان يستطيع اتخاذه بنفسه.
وفي المقابل، إذا ثبت أن قيادات أو أجهزة عسكرية وأمنية كانت تعلم بالخطر وتملك صلاحيات تنفيذية مباشرة أو واجبات قانونية محددة في مجال أمن المرفأ أو المتفجرات أو رفع التقارير، وجب بيان أثر ذلك في توزيع المسؤولية. ولا يعني هذا افتراض مسؤولية قائد الجيش أو رئيس أي جهاز لمجرد منصبه، وإنما رفض اختزال سلسلة طويلة من العلم والاختصاص في حلقة واحدة.
وكلما أقيمت مسؤولية الرئيس على واجبات مستمدة من المادة 49 أو من رئاسته للمجلس الأعلى للدفاع، ازدادت قوة الحجة القائلة إن المؤاخذة تتعلق بكيفية ممارسته وظيفته الدستورية، لا بجريمة شخصية عادية منفصلة عنها. وهذا يعيد البحث إلى المادة 60 وإلى النظام الدستوري الخاص للمسؤولية الرئاسية.
سابعًا: المجلس الأعلى والطابع الاستثنائي للمساءلة الرئاسية
أنشأ الدستور، في المادة 80، المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو مؤلف من سبعة نواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة، وتحتاج قرارات التجريم فيه إلى غالبية عشرة أصوات. كما وضع القانون رقم 13/1990 أصول المحاكمة أمامه.
وكون هذا المجلس لم يؤد تاريخيًا الدور الذي قد يوحي به وجوده في النص الدستوري، أو أن آلية الاتهام أمام مجلس النواب شديدة الصعوبة سياسيًا بسبب اشتراط غالبية الثلثين، لا يسمح بإنشاء طريق بديل لم ينص عليه الدستور. فصعوبة تطبيق النص لا تلغيه، وندرة انعقاد المرجع الدستوري لا تؤدي بذاتها إلى انتقال اختصاصه إلى مرجع قضائي آخر. وهذه نقطة أساسية لأن الاعتبارات المتعلقة بفعالية العدالة، مهما كانت مشروعة، لا يمكن أن تكون وحدها مصدرًا للاختصاص الجزائي.
ثامنًا: التسريبات وسرية التحقيق وقرينة البراءة
يثير تداول معلومات تفصيلية عن مطالعة النيابة العامة قبل صدور القرار الاتهامي مسألة مستقلة ينبغي عدم خلطها بأصل المسؤولية. فإذا كانت المعلومات المتداولة مشمولة بسرية التحقيق وثبت أنها خرجت من جهة ملزمة قانونًا بهذه السرية، وجب تحديد مصدر التسريب والمسؤولية القانونية المترتبة عليه.
كما أن تحويل مطالعة غير ملزمة للمحقق العدلي إلى إدانة إعلامية نهائية، قبل صدور القرار الاتهامي وقبل أن يطّلع الرأي العام اللبناني على كامل وقائع التحقيق وأدلته، لا يمكن فصله عن محاولة التلاعب بالحقيقة وحرف الأنظار عنها. فانتقاء جزء من الملف وتسريبه خارج سياقه، ثم تقديمه كما لو أنه خلاصة قضائية حاسمة، من شأنه طمس حقائق أخرى قد يتضمنها التحقيق، وتوجيه الرأي العام نحو مسؤولية منتقاة سلفًا، وتحويل الإعلام إلى ساحة لمحاكمة موازية. وفي ظل حجب الملف الكامل، لا يُفهم هذا التسريب إلا بوصفه أداةً لتصفية الحسابات والابتزاز السياسي وحماية روايات أو مصالح معينة، على حساب حق الضحايا واللبنانيين في معرفة الحقيقة كاملة. لذلك لا يكفي التحقيق في مضمون التسريب، بل يجب أيضًا كشف مصدره والجهة التي قررت توقيته وانتقاء مضمونه والغاية التي خدمها، منعًا لاستخدام ملف المرفأ في صناعة الإدانة السياسية قبل الإدانة القضائية.
تاسعًا: العدالة في ملف المرفأ لا تختزل بشخص واحد
إن خطورة انفجار الرابع من آب تفرض الوصول إلى الحقيقة كاملة، لا إلى مسؤولية منتقاة. فالعدالة لا تتحقق بحماية أي رئيس أو وزير أو قائد أمني أو عسكري إذا توافرت بحقه عناصر المسؤولية القانونية، كما لا تتحقق بتحويل أي منهم إلى مسؤول رمزي عن كارثة شاركت في مقدماتها سلسلة طويلة من القرارات والإهمالات والإحالات والامتناعات. ولا ينبغي تكرار منطق «كبش المحرقة» الذي يختزل انهيارًا مؤسساتيًا واسعًا في شخص واحد.
وإذا كان التحقيق في الإهمال والتقصير والامتناع عن أداء الواجب ضروريًا، فإن ما هو أهم وأخطر منه في قضية بهذا الحجم هو تحديد المسؤولية الجنائية الأصلية عن إدخال المواد إلى لبنان وتخزينها واستعمالها. فلا يجوز أن يقتصر التحقيق على سؤال من علم بالخطر ولم يتحرك، بل يجب أن يبدأ أيضًا من الأسئلة السابقة منطقيًا: من أدخل الشحنة؟ من موّلها وغطّى دخولها؟ ما وجهتها الحقيقية؟ لحساب من أُدخلت؟ ومن كان المستفيد النهائي منها؟
كما يجب حسم ماهية المواد الموجودة فعلًا في العنبر رقم 12 حسمًا علميًا وقضائيًا. فهل كانت الشحنة بكاملها نيترات أمونيوم بالمواصفات والكميات المعلنة، أم كانت تحتوي أو تخفي مواد أخرى مرتبطة بصناعة المتفجرات أو الأسلحة والصواريخ، كما تردد؟ وهل كانت النيترات هي المادة التي انفجرت فعلًا، أم استُعمل وجودها غطاءً لتفسير انفجار ناجم عن مواد أخرى؟ هذه فرضيات خطيرة لا يجوز اعتماد أي منها من دون دليل، لكن لا يجوز كذلك استبعادها أو طمسها قبل فحصها بواسطة الأدلة الفنية، وتقارير الخبراء، ونتائج تحليل العينات، وصور الأقمار الاصطناعية، وتسجيلات المراقبة، وسائر المعطيات المتصلة بمسرح الانفجار.
والسؤال الجنائي المركزي هو تحديد طبيعة الواقعة نفسها: هل نتج الانفجار عن إهمال أو خطأ أدى إلى اشتعال عرضي، أم عن عمل قصدي ممنهج ومبرمج نُفذ من الداخل، أم عن استهداف أو قصف من الجو؟ ولا تكفي الروايات الإعلامية أو الترجيحات السياسية لإثبات أي من هذه الاحتمالات أو نفيه؛ بل يجب أن يبيّن التحقيق الأدلة التي اعتمدها في ترجيح سبب معين، وأن يفسر بصورة علمية أسباب استبعاد الفرضيات الأخرى.
وعلى هذا الأساس، يبقى معيار المسؤولية عن الإهمال واحدًا: الاختصاص، والعلم، والواجب القانوني، والقدرة على التدخل، والفعل أو الامتناع، والعلاقة السببية. لكن هذا المسار يجب ألا يحجب مسار البحث في الفعل الجرمي الأصلي، لأن محاسبة من قصّر في منع الكارثة لا تغني عن تحديد من أدخل المواد، والغرض من إدخالها، ومن كان يسيطر عليها أو يستفيد منها، وما إذا كان الانفجار عرضيًا أم متعمدًا.
ولتحقيق ذلك، ينبغي إنشاء تسلسل زمني ومادي كامل يبدأ من منشأ الشحنة والجهة التي اشترتها وموّلتها ومسار نقلها ووجهتها المعلنة والفعلية، مرورًا بدخولها إلى لبنان وتفريغها وإيداعها العنبر رقم 12 وعمليات الكشف والفحص والمراسلات والتحذيرات والقرارات القضائية والإدارية والأمنية، وصولًا إلى لحظة الانفجار في 4 آب 2020. ويوضع أمام كل واقعة اسم الجهة والمسؤول المعني، وتربط بالمستندات والأدلة الفنية التي تثبت الاختصاص والعلم والفعل أو الامتناع، بما يسمح بتحديد المسؤوليات التقصيرية من جهة والمسؤولية الجنائية الأصلية عن إدخال المواد والانفجار من جهة أخرى.
الخلاصة
إن المسألة الدستورية المتعلقة بالرئيس السابق ميشال عون لا تبدأ من انتهاء ولايته ولا من زوال حصانته، بل من تكييف الفعل المنسوب إليه. فإذا كان التقصير المدعى به ناشئًا مباشرة عن عدم استعماله صلاحياته كرئيس للجمهورية أو رئيس للمجلس الأعلى للدفاع أو قائد أعلى للقوات المسلحة، فإن وصفه بأنه «جريمة عادية» يحتاج إلى تبرير قانوني خاص، لأن مصدر الواجب نفسه هو الوظيفة الرئاسية. وعندئذ يطرح نظام المسؤولية الخاص المنصوص عليه في المادة 60 قبل قواعد المسؤولية الجزائية العادية.
واستطرادًا، حتى إذا اعتبر الفعل جريمة عادية، فإن المادة 60 نفسها تنص على اتهام رئيس الجمهورية من مجلس النواب بغالبية الثلثين ومحاكمته أمام المجلس الأعلى، مع بقاء أثر انتهاء الولاية على هذه الآلية موضع إشكالية دستورية لا يحسمها النص صراحة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول هذه الضمانات الدستورية إلى وسيلة لحجب البحث عن المسؤولية حيث توجد. فالتحقيق الجدي يفترض تتبع سلسلة المسؤولية كاملة، بما فيها المسؤولون السياسيون والأمنيون والعسكريون والإداريون والقضائيون الذين ثبت علمهم بالمواد الخطرة، وتحديد الصلاحيات والواجبات التي كانت تقع على كل منهم.
والسؤال القانوني الحاسم بالنسبة إلى الجيش وسائر الأجهزة ليس من كان يشغل المنصب الأعلى فحسب، بل من كان يعلم بماذا وفي أي تاريخ، وما الصلاحية التي كان يملكها، وما الواجب الذي نشأ عن هذا العلم، وماذا فعل أو امتنع عن فعله، وهل كان تنفيذ واجبه قادرًا قانونًا وواقعيًا على منع الخطر أو الحد منه.
وحده تطبيق هذا المعيار بصورة متساوية على الجميع، وربطه بالمستندات لا بالمواقع السياسية أو الانطباعات الإعلامية، يمكن أن يؤدي إلى تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية من دون حصانة غير مقررة في القانون، ومن دون مساءلة انتقائية لا تقوم على معيار قانوني موحد.
وعليه، فإن انفجار مرفأ بيروت، بما خلّفه من مئات القتلى والجرحى، وتشريد آلاف العائلات، وتدمير جزء واسع من العاصمة، لا يجوز اختزاله في صورة حادث عرضي أو ملف أخطاء وظيفية متناثرة. فالإهمال والتقصير، حيث يثبتان، يوجبان المحاسبة، لكنهما لا يصلحان ستارًا يحجب البحث في أصل الجريمة: من أدخل المواد، ولأي غرض، ومن امتلكها أو استفاد منها، ومن تسبب في انفجارها، ومن تدخّل لحماية الفاعلين أو تضليل التحقيق أو طمس الأدلة.
فإذا ثبت أن التفجير كان نتيجة فعل قصدي وهذا هو الأرجح، وأن مسؤولين سياسيين أو أمنيين أو عسكريين أو إداريين أو قضائيين تعمّدوا تسهيل الجريمة، أو حماية مرتكبيها، أو إخفاء الأدلة، أو عرقلة الوصول إلى الحقيقة، فلا يعود الحديث عن مجرد خطأ أو إهمال أو تقصير مقبولًا، إذ قد تشكل هذه الأفعال، بحسب دور كل شخص وقصده وعلمه، اشتراكًا أو تدخلًا أو تحريضًا أو تسترًا جرميًا يوجب أشد درجات المحاسبة التي يقررها القانون. فالعدالة لا تتحقق بجمع المقصّرين عند هامش الجريمة وترك مخططيها ومنفذيها والمستفيدين منها ومن حموهم خارج دائرة الاتهام؛ ولا يكون التحقيق جديًا إذا اكتفى بملاحقة من لم يمنع الكارثة، من دون أن يكشف أولًا من صنعها، ومن نفّذها، ومن عمل على دفن حقيقتها.



