الجوع كافر… والصمت أخطر (الجمهورية 16 أيلول)

إلى أصحاب المقامات الزمنية والروحية، لم يعُد ما يعيشه اللبناني مجرّد ضيق اقتصادي عابر، ولا أزمة يمكن تجاوزها بالصبر وحده. الناس تتعب، والناس تجوع، والناس لم تعُد قادرة على تحمّل الارتفاع المتواصل في أسعار أبسط مقوّمات الحياة، أضف إليها الرسوم والضرائب الجديدة. أخبارلبنان
قد ترتفع الأسعار عالمياً بنسبة 20 أو 30%، لكن في لبنان تتحوَّل الزيادة أحياناً إلى 70 أو 100%، فيما تبقى الرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعية عاجزة عن اللحاق بهذا الجنون.
السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن اليوم هو: كيف يعيش؟ كيف تؤمّن العائلة الخبز والغذاء والدواء؟ كيف تدفع أقساط المدارس، وفواتير الكهرباء، وكلفة النقل؟ وكيف يستطيع ربّ العائلة أن يتحمّل كل هذه الأعباء فيما دخله بالكاد يكفي لأيام قليلة؟
المشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في غياب الرقابة الفعلية والمحاسبة. هناك سلع ترتفع أسعارها من دون تفسير واضح، وهناك فارق كبير بين كلفة الاستيراد والسعر الذي يدفعه المواطن، فيما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف.
ولقمة العيش ليست تفصيلاً اقتصادياً. لقمة العيش هي الأمن الاجتماعي نفسه. الصمود يحتاج إلى مقوّمات. والبقاء يحتاج إلى كرامة. والكرامة تبدأ من لقمة عيش مؤمّنة. والمياه أيضاً. وإذا كان المواطن يستطيع، بصعوبة، أن يؤمّن بعض حاجاته الغذائية، فماذا يفعل عندما لا يجد الماء؟
في بعض القرى، أصبح تأمين المياه مشكلة يومية. خزانات فارغة، صهاريج باهظة الكلفة، وشبكات لا تؤمّن الحدّ الأدنى من الحاجة. وقد قلت يوماً لأحد أصحاب المقامات الروحية في شمال لبنان، شاكياً انقطاع المياه في قريتنا: «كيف نعيش؟». فجاءني الجواب: «عيش بعل!».
حقاً إنّ عيونهم من زجاج وقلوبهم من حجر. هل هم حقاً على خطى المسيح؟! حين يأتي هذا الجواب من مرجعية يُفترض أن تكون قريبة من وجع الناس، يصبح السؤال أكبر من مجرّد كلمة عابرة: أين أصبحت رسالة الرعاية، وأين أصبح الوقوف إلى جانب الإنسان في ضيقته؟ كيف يمكن أن نطلب من الناس أن يتمسكوا بأرضهم، وأن يصمدوا فيها، وأن يرفضوا الهجرة، فيما لا يجدون فيها أبسط مقوّمات الحياة؟
لا يمكن أن نقول للناس: ابقوا في أرضكم، ثم نتركهم وحدهم أمام الفقر والجوع والعطش. ولا يمكن أن نطلب من الجنوبي أن يصمد، ومن اللبناني أن يبقى، ومن العائلة أن تتحمّل، فيما أبسط حقوقها في الغذاء والدواء والماء والتعليم تتحوَّل إلى رفاهية.
المطلوب ليس الكلام… بل الفعل. إذا كانت هناك إرادة حقيقية لإنقاذ الناس، فالمطلوب إجراءات واضحة وبسيطة:
أولاً: ضبط الأسعار فعلياً. على وزارة الاقتصاد والجهات المعنية تكثيف الرقابة، وإلزام التجار بإظهار الأسعار والفواتير، ومحاسبة كل مَن يرفع الأسعار من دون مبرّر واضح.
ثانياً: تحديد سلة أساسية للغذاء والدواء. يجب أن يعرف المواطن أسعار المواد الأساسية، وأن يصدر مؤشر دوري وشفاف يوضح حركة الأسعار ويمنع استغلال الناس.
ثالثاً: مواجهة الاحتكار والاستغلال. المطلوب آلية سريعة وفعّالة لتلقّي شكاوى المواطنين، وإعلان نتائج عمليات التفتيش والمحاسبة، حتى يشعر الناس بأنّ هناك دولة تحميهم.
رابعاً: خطة طوارئ للمياه والغذاء. لا يجوز أن تبقى قرى لبنانية من دون مياه. المطلوب خطة عاجلة للمناطق الأكثر حاجة، إلى جانب مساعدة العائلات الأكثر فقراً في تأمين الغذاء والدواء.
خامساً: جعل لقمة العيش أولوية وطنية. قبل كل الملفات والخلافات السياسية، هناك إنسان يجب أن يعيش بكرامة. الغذاء والدواء والماء والتعليم والكهرباء ليست كماليات، بل حقوق أساسية وواجب وطني وأخلاقي.
عواقب تجاهل جوع الناس
تجاهل جوع الناس ليس أمراً عابراً. فالجوع حين يطول، يتحوَّل إلى غضب، والغضب إلى فقدان ثقة، وفقدان الثقة إلى اضطراب اجتماعي. وحين يعجز الإنسان عن تأمين الخبز والدواء والماء لأسرته، تفقد أمامه تدريجياً كل الخطابات الكبرى معناها، ويصبح البحث عن حياة أفضل خارج الوطن خياراً مفروضاً، فتتسارع الهجرة وتفرغ القرى من أهلها.
والأخطر أنّ الفقر واليأس يفتحان الباب أمام الاستغلال السياسي والاجتماعي، ويهدّدان الاستقرار ومستقبل الوطن. لذلك، فإنّ صرخة الجائع ليست شكوى عابرة، بل إنذار يجب الإصغاء إليه قبل أن يصبح احتواؤه أصعب.
إلى أصحاب القرار والمرجعيات، نحن لا نطلب المستحيل. نطلب دولة ترى مواطنيها، ورقابة تحمي الضعيف من القوي. لكنّنا نقول للمرجعيات الروحية بوضوح: مسؤوليتكم ليست في مطالبة الناس بالصبر فقط، بل في الوقوف إلى جانبهم عندما يصبح الصبر نفسه عبئاً.
مَن يطلب من الناس البقاء في أرضهم والصمود فيها، عليه أن يسأل: هل نؤمّن لهم ما يجعل هذا البقاء ممكناً؟ ومَن يملك الكلمة والمكانة والتأثير، لا يجوز أن يقف متفرّجاً أمام إنسان يجوع أو يعطش أو يعجز عن تأمين دوائه وتعليم أولاده.
اسمعوا أنين الناس، وانحازوا إلى وجعهم، واتخذوا موقفاً قبل أن يفقدوا ثقتهم بكل من يفترض أن يكون إلى جانبهم. فإذا كانت الناس لا تستطيع تأمين لقمة عيشها، فعمّ نطلب منها أن تصمد؟
نحن نجوع… والجوع كافر. فلا تجعلوا الجوع امتحاناً لصبر الفقراء، ولا تجعلوا العطش قدراً على القرى، ولا تجعلوا الهجرة الخيار الوحيد أمام العائلات.



