أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

8.65 مليارات دولار عجز تجاري في نصف سنة (الأخبار 14 أيلول)

اتّسع العجز التجاري في لبنان خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع قيمة الصادرات. ارتفعت الواردات من 9.61 مليارات دولار في النصف الأول من 2025 إلى 10.15 مليارات دولار في الفترة نفسها من 2026، فيما انخفضت الصادرات من نحو 1.74 مليار دولار إلى نحو 1.50 مليار. وبذلك، ارتفع العجز التجاري من نحو 7.87 مليارات دولار إلى نحو 8.65 مليارات، أي بزيادة قيمتها 780 مليون دولار ونسبتها 10%. كما تراجعت قدرة الصادرات على تغطية فاتورة الاستيراد من نحو 18% إلى أقل من 15%. ويمثّل العجز التجاري أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن الاقتصاد منهك في تغطية هذا العجز الذي ينعكس عليه بمؤشرات خادعة تظهر في النموّ على شكل زيادة في الاستهلاك.

تظهر هذه الأرقام تجذّر العطب الاقتصادي في لبنان الذي يكون العجز التجاري المزمن أساسياً فيه. فهو المصدر الأساسي لتسرّب العملات الصعبة إلى الخارج، وهو يعكس غياب السياسات الاقتصادية لأن الحكومات المتعاقبة وآخرها حكومة نواف سلام لم تستهدف معالجة هذه المشكلة. وتزداد هذه المشكلة سوءاً في ظل غياب المعالجة. فالواردات قفزت في أول ستة أشهر من السنة الجارية بقيمة 540 مليون دولار أو بنسبة 5.6%.

هذه النسبة تخفي تحركات أكبر بكثير داخل مكوّنات فاتورة الاستيراد. فعلى سبيل المثال، انخفضت واردات الذهب وحدها بنحو 425 مليون دولار، من 1.37 مليار دولار إلى 944 مليوناً. ولولا هذا الانخفاض، لكانت قيمة بقية الواردات قد ارتفعت بنحو 11.7% بدلاً من 5.6%. والواردات من الفضة تعدّ من أبرز التحولات أيضاً.

فقد قفزت قيمة استيرادها من 71.3 مليون دولار في النصف الأول من 2025 إلى 333.8 مليوناً في الفترة نفسها من 2026، أي بزيادة 368%، أو أكثر من 262 مليون دولار. اللافت أن هذه القفزة لم تكن نتيجة ارتفاع القيمة الاسمية للفضة فقط، بل رافقها ارتفاع في الكمية المستوردة من 68 طناً إلى 323 طناً، أي بنسبة 375%. عملياً، بقي متوسط القيمة المستوردة للطن شبه ثابت مسجلاً انخفاضاً بنحو 1.4%، ما يعني أن الارتفاع في الفاتورة كان ناتجاً بصورة شبه كاملة من زيادة الكميات.

والفضّة وحدها أضافت إلى فاتورة الاستيراد ما يوازي نحو نصف الزيادة الصافية في إجمالي المستوردات. وقد ازداد الطلب على الفضة في السوق اللبنانية بفعل تنامي موقع المعدن كحافظ للقيمة رخيصٍ مقارنة بالذهب ذي القيمة الأعلى. ويأتي هذا الأمر مع ارتفاع قيمة المعدنين في السنوات الأخيرة، خصوصاً الفضة الذي ارتفعت قيمته بنسبة 186% منذ بداية سنة 2024.

الصورة مختلفة تماماً في المحروقات. فقد بقيت المشتقات النفطية أكبر بند استيرادي. وارتفعت قيمتها من 2.08 مليار دولار إلى 2.25 مليار، أي بنحو 174 مليون دولار أو 8.4%. لكن الكمية المستوردة، وفق الوزن، انخفضت من 2.81 مليون طن إلى 2.29 مليون طن، أي بنحو 18.4%. وبالتالي ارتفع متوسط القيمة المستوردة للطن بنحو 33%. الأمر نفسه يظهر بصورة أوضح في الغازات النفطية والهيدروكربورات الغازية، إذ ارتفعت فاتورتها 14.3%، من 127.8 مليون دولار إلى 146.1 مليوناً، رغم انخفاض الكميات 26.3%. أي إن ارتفاع كلفة هذه الواردات لا يعكس استهلاك كميات أكبر بقدر ما يعكس ارتفاع القيمة المدفوعة لقاء كل طن أو تغير نوعية المنتجات المستوردة.

ومن الطبيعي أن يشهد استيراد المحروقات انخفاضاً مع الارتفاع الذي شهدته الأسعار، خصوصاً بعد الحرب التي اندلعت في المنطقة مع نهاية شهر شباط الماضي. إذ إن ارتفاع أسعار هذه السلع الحيوية يؤدّي إلى ترشيد استهلاكها، وذلك لخفض الكلفة المعيشية والإنتاجية.
في المقابل، تبدو الزيادة في استيراد السيارات أكثر ارتباطاً بزيادة الكميات. فقد قفزت قيمة السيارات السياحية المستوردة من 342.8 مليون دولار إلى 488.4 مليوناً، أي بزيادة 42.5% أو نحو 146 مليون دولار، لتصبح من أكبر مصادر الزيادة في فاتورة الاستيراد.

وارتفع وزن السيارات المستوردة بالتوازي بنسبة أعلى قليلاً بلغت 46.1%، من نحو 32.3 ألف طن إلى 47.2 ألف طن، فيما انخفض متوسط القيمة للطن بصورة طفيفة. وهذا يشير إلى أن القفزة تعكس بصورة أساسية توسعاً فعلياً في حجم السيارات الداخلة إلى السوق، وليس مجرد ارتفاع في أسعارها. وهو أمر مثير للاهتمام، إذ تأتي هذه الفورة في استيراد السيارات في فترة من انعدام الاستقرار، خصوصاً بسبب الحرب التي عاشها البلد بين آذار وحزيران، وهي، في العادة، فترات يكون فيها الإنفاق الاستهلاكي في الاقتصاد متّجهاً إلى الأمور الأساسية فقط، بينما يؤجّل الإنفاق على سلع مثل السيارات، إلى مراحل أكثر ثباتاً.

كذلك ارتفعت واردات الأدوية من نحو 347 مليون دولار إلى 466 مليوناً، أي 34.5% وبزيادة 120 مليون دولار. لكن الوزن المستورد ارتفع بنسبة 9.9% فقط. وبالتالي ارتفع متوسط قيمة الطن بأكثر من 22%، ما يعني أن زيادة الكمية تفسر جزءاً فقط من ارتفاع الفاتورة، فيما يرتبط الجزء الآخر بارتفاع القيمة أو بتغير تركيبة الأدوية المستوردة نحو منتجات أعلى سعراً.

ومن بين البنود التي سجلت نسب نموّ استثنائية أيضاً، بند المحركات النفاثة والتوربينية وتوربينات الغاز وقطعها، الذي يشمل محركات الطائرات النفاثة والتوربينية، إضافة إلى أنواع أخرى من توربينات الغاز التي يمكن استخدامها، من ضمن استعمالات أخرى، في توليد الكهرباء وتشغيل المعدات الصناعية. وقد ارتفعت قيمة استيراد هذا البند من 34.9 مليون دولار إلى 132.4 مليوناً، أي بنحو 280%، فيما ارتفع وزنه 44% فقط. وهذا التفاوت ليس مستغرباً في هذا النوع من المعدات المرتفعة القيمة، إذ يمكن لاستيراد عدد محدود من المحركات أو التوربينات أو قطعها الباهظة أن يرفع قيمة البند بصورة كبيرة من دون ارتفاع مماثل في الوزن. كما ارتفعت مستوردات البطاريات والمدّخرات الكهربائية بنحو 90% إلى 66.7 مليون دولار، مقابل زيادة 25% في الوزن.

في المجمل، لا يمكن تفسير ارتفاع فاتورة الاستيراد في النصف الأول من 2026 بعامل واحد. ففي بعض البنود، وفي مقدّمتها الفضّة والسيارات، حصل توسع واضح في الكميات المستوردة نفسها. وفي بنود أخرى، وخصوصاً المحروقات وبعض المنتجات الطبية والمعدات، ازدادت كلفة الاستيراد بوتيرة تفوق بكثير حركة الكميات. والأهم أن أكبر خمسة بنود صاعدة بالقيمة، الفضة والمشتقات النفطية والسيارات والأدوية والعنفات، أضافت مجتمعة نحو 800 مليون دولار إلى فاتورة الاستيراد، أي أكثر من كامل الزيادة الصافية البالغة 540 مليوناً، بعدما عوّضتها جزئياً تراجعات في بنود أخرى، وفي مقدمتها الذهب.

في المقابل، تراجعت قيمة الصادرات اللبنانية في الأشهر الستة الأولى من عام 2026 إلى نحو 1.50 مليار دولار، مقارنة بـ1.74 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، أي بانخفاض يقارب 247 مليون دولار أو 14.1%. وجاء التراجع في الكميات أكبر، إذ انخفض الوزن الإجمالي للصادرات من نحو 901 ألف طن إلى 688 ألف طن، أي بنحو 23.7%. إلا أن انخفاض قيمة الصادرات كان متركزاً بدرجة كبيرة في عدد محدود من البنود، وعلى رأسها الذهب والماس. فقد انخفضت صادرات الذهب من 481.8 مليون دولار إلى 295 مليوناً، أي بنحو 38.8%، بالتوازي مع انخفاض الوزن المسجل من نحو 5 أطنان إلى طنين. كذلك انخفضت صادرات الماس من 103 ملايين دولار إلى 50.6 مليوناً، أي بنحو 51%. وبذلك، تراجع هذان البندان وحدهما بنحو 239 مليون دولار، وهو ما يوازي تقريباً كامل الانخفاض الصافي في الصادرات. وإذا استُبعد الذهب والماس، تكون قيمة بقية الصادرات قد تراجعت بنحو 0.6% فقط بين الفترتين.

وشملت التراجعات أيضاً بعض السلع التي انخفضت قيمتها وكمياتها معاً. فتراجعت صادرات الأسمدة الفوسفاتية من 50.8 مليون دولار إلى 30.2 مليوناً، أي 40.7%، فيما انخفض وزنها بنحو 58%. كذلك انخفضت صادرات خردة الحديد والصلب 23.4% بالقيمة، من نحو 83 مليون دولار إلى 63.6 مليوناً، مقابل تراجع الكميات 29.3%. أما زيت الزيتون، فتراجعت قيمة صادراته بنحو 54.7%، من 23.4 مليون دولار إلى 10.6 ملايين، بالتوازي مع انخفاض الكميات بنحو 56.8%، ما يشير إلى أن التراجع في هذه البنود يعكس بصورة أساسية انخفاضاً فعلياً في حجم الصادرات.

في الجهة المقابلة، سجلت بعض السلع زيادات لافتة. فقفزت صادرات بند المحركات النفاثة والتوربينية وتوربينات الغاز وقطعها من 5 ملايين دولار إلى 31.7 مليوناً، أي بأكثر من خمسة أضعاف، وهو أمر مثير للاهتمام مع الأخذ في الحسبان الارتفاع الكبير الذي سجله استيراد هذه السلع في المقارنة مع السنة الماضية.

وارتفعت صادرات مجموعات توليد الكهرباء بنحو 32% إلى 32.9 مليون دولار، رغم بقاء الوزن شبه ثابت. أما في السلع التي يظهر فيها توسع واضح بالكميات، فارتفعت صادرات الخبز والفطائر والبسكويت بنحو 61% بالقيمة وبنسبة مماثلة تقريباً في الوزن، فيما ارتفعت صادرات منشآت الألومينيوم بنحو 77% بالقيمة و62% بالوزن. وبالتالي، فإن تراجع الصادرات الإجمالي في النصف الأول من 2026 لا يعكس انكماشاً مماثلاً في كل الصادرات اللبنانية، بل يرتبط بصورة أساسية بتراجع صادرات الذهب والماس، بينما سجلت مجموعة من المنتجات الصناعية والغذائية نمواً فعلياً.

بواسطة
ماهر سلامة
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى