قرارات اعتباطية في الخلوي: إذا كان هناك اختلاس فلماذا التمييع؟ (الأخبار 11 أيلول)

حاول وزير الاتصالات شارل الحاج أمس توضيح الأسباب التي تقف خلف التوجّه المطروح بشأن آلية «تشريج» الخطوط المسبقة الدفع، مؤكداً أن أي قرار نهائي لم يتخذ حتى الآن. وقال إن الوزارة لاحظت فروقات في الإيرادات، وإن التدقيق أظهر وجود «شبكة» تستخدم خدمة وُضعت أساساً لتسهيل حياة المواطنين بطريقة غير مخصّصة لها، ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى «تسرّب» جزء من الأموال التي يدفعها المشتركون، فلا يصل إلى شركتي الخلوي ولا إلى الخزينة.
واختصر موقفه بالقول إن المطلوب هو «وقف التسرّب، لا المواطن». هذا الكلام يثير الكثير من الأسئلة عن إدارة هذا القطاع، إذ يصبح السؤال الأساسي: كيف تسرّبت أموال مدفوعة الثمن؟ فهل أجرت الوزارة تدقيقاً وتبيّن لها بالفعل وجود «شبكة» تتسبّب بتسرّب الإيرادات؟ إذا ثبت ذلك، فما هي الإجراءات التي اتخذت بحق المختلسين؟ ومن هم هؤلاء؟ كيف يعملون؟ لماذا لم يلجأ الوزير إلى معالجة الخلل بدلاً من اتخاذ إجراء يطاول «جيبة» المستهلك؟
في هذا السياق، يعترض الرئيس السابق لهيئة «أوجيرو» عماد كريدية، في اتصال مع «الأخبار»، على إطلاق توصيف «التسرّب» بهذه الطريقة. فالحديث عن أموال متسرّبة في قطاع مملوك للدولة يقتضي، برأيه، تحديد مكان التسرّب ومساره. وإذا كانت لدى الوزير معلومات تثبت وجوده، فعليه كشفها والتوجّه بها إلى النيابة العامة المالية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، بدلاً من الاكتفاء بالقول إن هناك أموالاً يدفعها المواطن ولا تصل إلى الدولة. وبحسب كريدية، فإن آلية توزيع بطاقات التشريج والأرصدة تجعل مسألة عدم وصول قيمتها إلى الشركتين بحاجة إلى شرح أكثر تفصيلاً. فالموزّعون أو الشركات الذين يحصلون على البطاقات والأرصدة من شركتي الخلوي يسدّدون قيمتها، وإذا لم يكن الدفع فورياً تكون العمليات مغطاة بكفالات مالية. وبالتالي، فإن الرصيد الذي يُطرح في السوق لا يُفترض أن يكون بلا مقابل أو بلا ضمان مالي.
وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: إذا كان الرصيد مدفوع الثمن أو مغطى بكفالة، فأين يحصل «التسرّب» الذي تتحدث عنه الوزارة؟ وإذا كانت الوزارة قد حددت فعلاً «شبكة» تقوم بهذه العمليات، فلماذا لم تكشف بعد آليتها وحجم الأموال التي تحققها؟ كذلك، لا تزال العلاقة بين هذا الخلل والتوجّه إلى الحدّ من الـCredit Transfer غير واضحة. فإذا كانت المشكلة في شبكة أو مجموعة من الوسطاء تستغلّ الخدمة، فلماذا يصبح أحد الخيارات المطروحة تغيير الطريقة التي يشتري بها المواطن رصيده؟
ولماذا لا تُلاحق الشبكة نفسها وتُضبط العمليات التي تقوم بها، بدلاً من المساس بخدمة يستفيد منها مباشرة من لا يستطيع دفع ثمن بطاقة كاملة؟ وهل بلغ الاستسهال حدّ مدّ اليد مباشرة إلى جيبة المواطن كلما احتاجت الدولة إلى تحصيل مبلغ إضافي، فيما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور نحو 312 دولاراً؟ فالـCredit Transfer يتيح للمشترك أن يشتري دولاراً أو دولارين أو بضعة أيام وفق قدرته وحاجته، وهو ما يجعل أثر أي تضييق عليه أكبر على محدودي الدخل. وكريدية يرى أن إجبار هؤلاء على الانتقال إلى بطاقات أو فئات أعلى سيحمّلهم كلفة كبيرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق إيرادات إضافية للشركتين. فمن لا يملك ثمن البطاقة قد لا يشتريها أصلاً.
ورغم كل التبريرات المتفرقة التي أطلقها الحاج، فإن الغموض الذي رافق التوجّه منذ لحظة تسرّب المعلومات عنه لم يُفسّر حتى الساعة، بل ازداد. فبدلاً من أن تبادر الوزارة إلى شرح ما تدرسه وأسبابه، انشغل المعنيون بداية بمن سرّب الخبر، فيما كان موظفون داخل الوزارة وجهات في شركتي «ألفا» و«تاتش» يجهلون أصلاً وجود هذا التوجّه. وهذا يطرح سؤالاً عن سبب التعامل بهذه السرّية مع إجراء يمسّ شريحة واسعة من المواطنين، وكأن المطلوب كان تمريره بعيداً من النقاش العام، قبل أن يفشل ذلك مع تسرّب الخبر والضجة التي أعقبته، فتُفرض التوضيحات ويبدأ التريث.
والأهم أن ما تبيّن لاحقاً يناقض أيضاً الانطباع الذي حاول البعض تسويقه بأن شركتي الخلوي هما من تضغطان في اتجاه إلغاء هذه الآلية. فبحسب كريدية، لم تكن الشركتان على علم بالتوجّه مطلقاً قبل تسرّب الخبر، ما يعني أن البحث فيه انطلق من الوزارة نفسها، لا نتيجة ضغط من «ألفا» و«تاتش». بل إن الوزير نفسه يقول اليوم إن الوزارة هي التي أعطت توجيهاتها إلى الشركتين لمعالجة المسألة، وإنها تنتظر منهما اقتراحاً متكاملاً، ما يعيد المسؤولية عن فتح الملف إلى مكانها الطبيعي.
كما أن اعتراض كريدية يذهب أبعد من هذا الملف. فهو يعتبر أن قطاع الاتصالات يُدار عبر قرارات متفرقة واعتباطية لا تنطلق من خطّة متكاملة ولا تدرس بما يكفي انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية، وأن «المصالح» داخل القطاع باتت تؤثّر في القرارات أكثر من وجود رؤية واضحة لإدارته. ويحذّر من أن الاستمرار بهذه الطريقة سيؤدي في النهاية إلى تدمير القطاع برمّته.
في الختام، إذا كان المطلوب فعلاً «وقف التسرّب، لا المواطن»، كما يقول الحاج، فالمعالجة تبدأ من كشف مكان التسرّب وملاحقة المستفيدين منه، لا من إعادة تصميم الخدمة على حساب الأضعف. أما إبقاء الأسئلة الأساسية بلا أجوبة، وحجب الأرقام، وعدم تحديد «الشبكة» المزعومة أو مسار الأموال، ثم طرح المساس بأرخص وسيلة يستخدمها محدودو الدخل لتشريج خطوطهم، فلا يبدو إصلاحاً بقدر ما يبدو استخفافاً بمعيشة المواطنين. وحتى الآن، لم تُكشف الشبكة، ولم يُكشف المال، ولم تشرح آلية التسرّب. لكن الجهة التي كادت، وربما ستكون في القريب العاجل، من يتحمل الثمن كانت واضحة منذ البداية وهي «المواطن الأفقر»، كما جرت عادة السلطة.



