ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

ثلاثة شروط قد تدفع “برنت” إلى 120 دولاراً

يُتداول خام “برنت” حالياً دون 98 دولاراً للبرميل، لكن وصوله إلى 120 دولاراً لم يعد مستبعداً إذا اشتدت الصدمة التي أحدثتها حرب إيران في سوق النفط.

ويرى زياد داوود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في “بلومبرغ إيكونوميكس”، أن بلوغ هذا المستوى يتطلب تضافر ثلاثة تطورات رئيسية: تصعيد عسكري أوسع، وإغلاق مضيق هرمز بما يوقف جزءاً أكبر من تدفقات النفط، وتعطل مسارات التصدير البديلة التي تحمل حالياً جزءاً من الشحنات التي أُزيحت عن المضيق.

وتتقاطع هذه القراءة مع السيناريو الصعودي لـ”غولدمان ساكس”، الذي يرى إمكانية تجاوز خام “برنت” 120 دولاراً إذا اتسعت اضطرابات الشحن وظلت صادرات الخليج أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. في المقابل، تضيف تصريحات راشيل زيمبا لتلفزيون “الشرق بلومبرغ” بُعداً آخر يتعلق بقدرة السوق على امتصاص الصدمة عبر المخزونات والطلب والإمدادات البديلة.

الشرط الأول: تصعيد عسكري أوسع
يرى داوود أن التصعيد الجيوسياسي قائم بالفعل، مع تبادل إيران والولايات المتحدة استهداف الناقلات، وتشديد واشنطن حصارها، في وقت تحاول طهران كسره وإعادة فرض نفوذها على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل إحدى أوراق الضغط الرئيسية لديها.

وبحسب تحليله، فإن تضارب هدفي واشنطن وطهران قد يحول الضغط الاقتصادي إلى مواجهة عسكرية أوسع، بما يرفع مخاطر تعطيل حركة السفن والإمدادات.

ويتسق ذلك مع ما قاله دان سترويفن، الرئيس المشارك لأبحاث السلع العالمية لدى “غولدمان ساكس”، لتلفزيون “بلومبرغ”، إذ أشار إلى أن أحداث الأيام الأخيرة تظهر أن خطر اتساع اضطرابات الشحن واشتدادها أصبح عاملاً مهماً.

ويرى البنك سيناريو يصل فيه “برنت” إلى 120 دولاراً إذا اتسعت الهجمات على حركة الشحن في الشرق الأوسط وازدادت حدتها، في مقابل سيناريو عند 80 دولاراً إذا عادت صادرات المنطقة إلى طبيعتها.

ولا يمثل مستوى 120 دولاراً التوقع الأساسي للبنك. فقد رفع “غولدمان” توقعاته لخام “برنت” إلى 85 دولاراً للبرميل في ديسمبر 2026، وإلى متوسط 80 دولاراً خلال 2027، على افتراض استمرار اضطرابات الشحن حتى العام المقبل.

الشرط الثاني: تحول تعطل هرمز إلى توقف فعلي للتدفقات
الشرط الثاني في تحليل داوود هو إغلاق مضيق هرمز، لكن البيانات الحالية تكشف مفارقة مهمة بين حركة السفن المرصودة وحجم النفط الذي لا يزال يصل إلى السوق.

فبحسب داوود، توحي أعداد السفن التي يمكن رصدها بأن المضيق شبه مغلق، بينما ترسم تدفقات النفط الفعلية صورة مختلفة، إذ ما تزال ملايين البراميل تمر عبره، بما في ذلك شحنات تتحرك من دون أن تظهر في بيانات التتبع.

وتقدّر بيانات السوق أن نحو 7 إلى 8 ملايين برميل يومياً من الخام والوقود المكرر ما تزال تمر أو تغادر مياه الخليج العربي، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبر هرمز قبل الحرب.

كما أظهرت بيانات “كبلر” أن عدد سفن الشحن التي مرت عبر هرمز تراجع إلى 7 سفن يوم الاثنين من 8 سفن في اليوم السابق. لكن بعض السفن تُطفئ أجهزة الإرسال والاستقبال، ما يعني أن إحصاءات حركة السفن لا تقدم قياساً كاملاً للتدفقات.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين إغلاق المضيق ظاهرياً وبين توقف النفط فعلياً. فلكي يصبح سيناريو 120 دولاراً أكثر ترجيحاً، يجب أن ينخفض حجم البراميل التي تصل إلى السوق بدرجة أكبر ويستمر ذلك لفترة أطول.

وفي المقابل، قالت إيران إن اتفاقاً مع عُمان لإقامة مسار آمن مؤقت عبر هرمز وصل إلى مراحله النهائية، ما يفتح احتمال زيادة حركة السفن إذا نجح الاتفاق، مقابل خطر استمرار القيود أو اتساعها إذا تجدد التصعيد.

الشرط الثالث: تعطل طرق التصدير البديلة
حتى مع اضطراب هرمز، لم تتوقف صادرات المنطقة بالكامل، إذ تحمل مسارات أخرى جزءاً من النفط الذي لم يعد يمر عبر المضيق.

ويحدد داوود أربعة مسارات بديلة تقوم بهذا الدور حالياً: خط الأنابيب السعودي “شرق غرب”، وميناء الفجيرة في الإمارات، والموانئ العُمانية، وخط أنابيب العراق-تركيا.

لكن هذه المسارات نفسها تواجه ضغوطاً. ووفق تحليل داوود، طالت هجمات الحوثيين صادرات سعودية على البحر الأحمر، فيما تهدد إيران بتوسيع قيودها إلى ما يتجاوز هرمز.

وتكمن أهمية ذلك في أن الطرق البديلة تمثل إحدى وسائل السوق لتخفيف أثر اضطراب المضيق. فإذا تعرضت هي الأخرى للتعطيل، يصبح من الأصعب إعادة توجيه البراميل وتزداد كمية النفط التي لا تستطيع الوصول إلى المشترين.


قدرة السوق على امتصاص الصدمة

حتى إذا تضافرت الشروط الثلاثة، فإن حجم ارتفاع الأسعار واستمراره سيتوقف أيضاً على قدرة السوق على التكيف مع نقص الإمدادات.

وهنا تضيف تصريحات راشيل زيمبا مع الزميل محمد فتحي في برنامج “جلسة المساء” بعداً مختلفاً إلى سيناريو “غولدمان”. فهي لم تتوقع وصول النفط إلى 120 دولاراً، لكنها أشارت إلى مجموعة عوامل تجعل السوق أكثر عرضة لمزيد من الارتفاع، من بينها تراجع المخزونات وقيود طاقة المصافي واستمرار اضطرابات الإمدادات.

فكلما انخفضت المخزونات، تقل الكميات المتاحة لتعويض البراميل المفقودة سريعاً. كما أن القيود التي تواجه المصافي قد تجعل أثر الأزمة أشد في أسواق الوقود المكرر.

وبالفعل، ارتفعت أسعار منتجات مثل الديزل بوتيرة أسرع من النفط الخام، مع إضافة الحرب الروسية الأوكرانية مزيداً من الضغوط إلى شح الإمدادات.

ولهذا قال سترويفن إن “غولدمان ساكس”، رغم رؤيته مجالاً لصعود أسعار الخام، يفضل التحوط من المخاطر الجيوسياسية عبر مراكز شراء في الغاز الطبيعي العالمي والمنتجات النفطية المكررة، حيث يرى أن صدمات الإمدادات أكبر منها في سوق الخام.

لكن الأسعار المرتفعة تحمل في الوقت نفسه آلية لكبح الصعود. وقالت زيمبا إن استمرارها قد يبدأ في خفض الاستهلاك، فيما يتوقع راسل هاردي، الرئيس التنفيذي لشركة “فيتول”، انخفاض الطلب العالمي على النفط بنحو 1.5 مليون برميل يومياً في 2026 مقارنة بعام 2025.

كما يرى سترويفن أن الصين يمكن أن تؤدي دوراً موازناً في سوق الخام عبر خفض وارداتها إذا ارتفعت الأسعار بدرجة كبيرة، رغم أن مصافيها زادت مشترياتها في الآونة الأخيرة، ما شدد الإمدادات المتاحة على المدى القصير.

 

ماذا يفصل 98 دولاراً عن 120؟
الوصول إلى 120 دولاراً يحتاج، وفق تحليل داوود، إلى أكثر من استمرار الحرب بالمستوى الحالي: تصعيد عسكري أوسع، وتوقف أكبر للتدفقات عبر هرمز، وتعطل للمسارات التي تعوض جزءاً من صادرات المضيق.

ويتقاطع ذلك مع سيناريو “غولدمان ساكس” الذي يربط المستوى نفسه بصدمة كبيرة وممتدة في صادرات الخليج، وليس بمجرد وقوع مزيد من الهجمات.

أما إذا استمرت ملايين البراميل في العبور، وظلت المسارات البديلة قادرة على نقل النفط، أو بدأ ارتفاع الأسعار في إضعاف الطلب، فقد تبقى الصدمة قوية من دون أن يصل “برنت” إلى 120 دولاراً.

وهكذا يظل المستوى سيناريو مشروطاً لا توقعاً أساسياً: ما سيحدد الوصول إليه هو مقدار النفط الذي تفقده السوق فعلياً، ومدة غيابه، وما إذا كانت قنوات التعويض ستظل مفتوحة.

بواسطة
حسن يحيى
المصدر
بلومبرغ- الشرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى