الأمية العربية… خسارة تتجدّد كل عام وكم يُكلّف وقفها؟ (النهار 8 ايلول)

لا تصل إلى الحكومات العربية فاتورة سنوية تحمل عنوان “تكلفة الأمية”. ومع ذلك، تدفع الاقتصادات هذه الفاتورة يومياً: عامل لا يستطيع الانتقال إلى وظيفة أفضل، وأم تعجز عن قراءة وصفة دواء، ومواطن يحتاج إلى وسيط لإنجاز معاملة إلكترونية، وطفل يترك المدرسة مبكراً فتتواصل الحلقة المفرغة.
تظهر أحدث البيانات المتاحة أن المشكلة أكبر من تقدير الـ60 مليون أمي الذي يتكرر في تقارير كثيرة. قدّر مرصد المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) عدد الأميين العرب من عمر 15 سنة فأكثر بنحو 76.6 مليوناً في عام 2022، ارتفاعاً من 68.7 مليوناً في عام 2018. وكان بينهم نحو 46.7 مليون امرأة و29.9 مليون رجل، أي إن النساء شكّلن 61 في المئة من المجموع.
أما أحدث تجميع للبنك الدولي، المستند إلى بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، فيضع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى البالغين في العالم العربي عند نحو 79 في المئة في عام 2024. وهذا يعني أن نحو واحد من كل خمسة بالغين، وفق هذا المتوسط الإقليمي، يفتقر إلى الحد الأدنى من مهارات القراءة والكتابة. ولا يتطابق هذا التقدير تماماً مع رقم “الألكسو”، بسبب اختلاف البلدان والأعوام المشمولة وطرق احتساب البيانات.
فاتورة موزعة على الاقتصاد
تبدأ الخسارة في سوق العمل. الشخص الذي لم تُتَح له فرصة تعلم القراءة والكتابة يجد نفسه في الأغلب محصوراً في وظائف يدوية وغير منظمة ومنخفضة الأجر. وتضعف قدرته على تلقي التدريب واستخدام التكنولوجيا والانتقال إلى عمل أعلى إنتاجية. وتخسر الدولة بدورها إيرادات ضريبية محتملة، فيما تتحمل نفقات أكبر تخصصها للدعم والخدمات الاجتماعية.
وفي القطاع الصحي، قد يؤدي العجز عن قراءة الجرعات والتحذيرات إلى الاستخدام الخاطئ للأدوية أو التأخر في العلاج. وتتضاعف المشكلة مع رقمنة الاقتصاد؛ من لا يستطيع فهم التعليمات يجد صعوبة في فتح حساب مصرفي، واستخدام وسائل الدفع، والحصول على التمويل، والاستفادة من الخدمات الحكومية الإلكترونية.
ولا تعكس الأرقام التقليدية الحجم الكامل للمشكلة. قد يستطيع الشخص قراءة جملة بسيطة، لكنه يعجز عن فهم عقد عمل أو فاتورة أو استمارة. وهذه “الأمية الوظيفية” لا تظهر دائماً في الإحصاءات، مع أنها تمس الإنتاجية والحياة اليومية مباشرة. قدّرت “مؤسسة محو الأمية العالمية” في عام 2025 تكلفة الأمية على الاقتصاد العالمي بنحو 1.4 تريليون دولار سنوياً.
تكلفة الحل
لا يتوافر حتى الآن تقدير دولي حديث وموحد لتكلفة محو الأمية لكل متعلم. تبقى دراسة أصدرها معهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة في عام 2019 أبرز مرجع مقارن في هذا المجال. قدّرت الدراسة تكلفة البرنامج الجيد بنحو 150 دولاراً لكل متعلم سنوياً، فيما وضع نموذجها تكلفة دورة من 250 ساعة عند 94 دولاراً، ودورة من 500 ساعة عند 189 دولاراً. لكن التكلفة تفاوتت بشدة بحسب حجم البرنامج ومدته، وأجور المدرسين، وطريقة تقديمه والفئات المستهدفة، ما يجعل هذه الأرقام مؤشرات حسابية لا أسعاراً ثابتة.
ذا استُخدِم رقم “الألكسو” البالغ 76.6 مليون أمي، قد تكلف دورة أساسية واحدة تشمل جميع هؤلاء بين 7.2 و14.5 مليار دولار. أما برنامج يمتد لثلاث سنوات، بتكلفة سنوية بين 50 و100 دولار للفرد، فتراوح فاتورته النظرية بين 11.5 و23 مليار دولار. وستكون التكلفة الاسمية اليوم أعلى بسبب التضخم، فيما ستزداد مع النقل والأجهزة والاتصال والحضانات المخصصة لأطفال المتعلمين والمتعلمات وتدريب المعلمين والوصول إلى المناطق الريفية والمتضررة من النزاعات.
مع ذلك، تظل هذه نفقة مرحلية، في مقابل خسارة تتجدد كل عام. تعمل الدول العربية، من ضمن “العقد العربي الثاني لمحو الأمية 2025-2034″، على خفض معدل الأمية إلى أقل من خمسة في المئة بحلول عام 2030. لكن النجاح لا يُقَاس بعدد الشهادات، بل بقدرة المتعلم على استخدام ما تعلمه. لذلك يجب أن تجمع البرامج بين القراءة والكتابة والحساب والمهارات الرقمية والمالية والمهنية، بالتوازي مع وقف التسرب المدرسي. يشبه محو أمية الكبار من دون منع ظهور أميين جدد إفراغ الماء من قارب لا تزال فيه فجوة مفتوحة.



