ملف «ستارلينك» على طاولة التنظيم: هل سبقت القرار السياسي ضوابط الأمن والسيادة؟ (اللواء 2 أيلول)

يشكّل ملف «ستارلينك» في لبنان نموذجا حيّا لملف تقني وتجاري معقد يتقاطع فيه التنظيم القانوني بشكل مباشر مع الاعتبارات الأمنية والسيادية. فبعد أن بدأت الخدمة العمل فعليا لدى عدد من المؤسسات والجهات الرسمية والخاصة، وعقب إنجاز سلسلة من الاختبارات التقنية والأمنية، لا تزال أسئلة أساسية عالقة حول آلية طرح الخدمة في السوق المحلي، ودور الموزعين، وشروط قبول المشتركين، إلى جانب التحديات المتعلقة بحماية البيانات وحصة الدولة المالية من الإيرادات.استكشاف الخرائط الجغرافية
ويرسم هذا الواقع علامات استفهام كبرى حول ما إذا كانت الدولة قد استعجلت منح الترخيص قبل اكتمال الإطار التنظيمي الذي يفترض أن يحكم الخدمة ويضبط إيقاعها، وحول الخلفيات التي دعت إلى إدخال «ستارلينك» إلى السوق رغم حساسية الملف وتعدد جوانبه. إذ يطرح هذا المسار إشكاليات حول كيفية التوفيق بين صدور الترخيص بمرسوم حكومي سابق لتعيين الهيئة المنظمة للاتصالات ومباشرة مهامها، وبين فرض معايير أمنية وتقنية صارمة تضمن حماية السيادة الوطنية وسرية اتصالات المشتركين بموجب القوانين النافذة.
ومن هذا المنطلق، تبرز حاجة ملحّة لحسم الجدل حول الضوابط التجارية والمالية المعنية بتحديد كيفية تحصيل حصة الخزينة البالغة 25% من إجمالي الإيرادات في المهل المحددة، وضمان عدم الانتقال إلى الإطلاق التجاري الكامل قبل استيفاء كامل الشروط التنظيمية والفنية والأمنية. وأمام هذا التداخل بين القرار السياسي والمواكبة التنظيمية، تفرض مجموعة من الأسئلة المحورية نفسها على الساحة الإعلامية لتستدعي إجابات واضحة وحاسمة من الجهات المعنية.
من هذا المنطلق، وعن تبرير الدولة لمنح الترخيص وتشغيل «ستارلينك» فعليا قبل اكتمال الإطار التنظيمي الذي يحدد آلية بيع الخدمة، ودور الموزعين، وشروط التفعيل، ومسؤولياتهم القانونية، تقول الهيئة المنظمة للاتصالات بكافة أعضائها لصحيفة «اللواء» إن «الترخيص صدر بموجب المرسوم رقم 1495/2025 وفق الأصول القانونية، وتولت الهيئة بعد مباشرتها مهامها وضع الشروط التنظيمية والتقنية والتشغيلية اللازمة بموجب القرار رقم 2/2026. أما الإطلاق التجاري الكامل، فيبقى مرتبطا باستيفاء الشروط والموافقات المنصوص عليها. وتعمل الهيئة حاليا على دراسة الآليات اللازمة والمتعلقة بتوزيع خدمة ستارلينك وأصول رقابتها».
المعايير الأمنية والتقنية
وفيما يخص المسار الإجرائي والمرجعية الحاكمة للعملية، يبدو أن التطبيق الفعلي يستند إلى تقاطع بين ضوابط معلنة وأخرى شديدة الحساسية، ففيما يتعلق بالمعايير التقنية والأمنية التي اعتمدت، إذ تعتبر الهيئة أن «الشروط التنظيمية والتقنية العامة محددة في القرارات المنشورة، فيما تتولى الأجهزة المختصة تحديد المتطلبات الأمنية والتحقق من استيفائها. أما التفاصيل التقنية المتعلقة بالاختبارات والإجراءات الأمنية، فتخضع بطبيعتها لمقتضيات السرية والأمن الوطني ولا تكون محلا للنشر العلني. ويبقى استيفاء المتطلبات الأمنية شرطاً مستمراً لتشغيل الخدمة وليس إجراءً لمرة واحدة».
وعن السند القانوني لتبادل بيانات المشتركين وما ضمانات حمايتها، تعتبر الهيئة أنه «يجب أن يتم حصرا وفق القوانين اللبنانية النافذة وضمن صلاحيات الجهات المختصة، ولا سيما القوانين المتعلقة بسرية الاتصالات وحماية البيانات الشخصية. كما أن المعلومات التي تحصل عليها الهيئة تخضع لمقتضيات السرية المنصوص عليها قانونا، ولا يجوز استخدامها خارج الأغراض التي يجيزها القانون».
حصة الدولة
وعن العائدات المالية وحول آلية احتساب حصة الدولة البالغة 25%، تشير معلومات الهيئة إلى أن «هذه المسألة محددة أصلا في المرسوم رقم 1495/2025، الذي نص على نسبة 25% وطريقة احتسابها وتسديدها. إن قرار احتساب حصة الدولة البالغة 25% قد أقرّها المرسوم 1495/2025 بشكل صريح إذ نصّ على أن: تدفع الشركة المرخص لها لوزارة الاتصالات نسبة 25% من إجمالي إيرادات المشتركين، على أن تُسدّد هذه النسبة كل ثلاثة أشهر، خلال مهلة ثلاثين يوما من انتهاء الفترة المذكورة».
بين القرار والتنظيم
وعن المسار المرتقب، يرى مراقبون أن «الملف قد يستدعي أولا نوعا من التغطية أو التوافق السياسي قبل الانتقال إلى أي خطوة تنظيمية، فيما تذهب قراءات أخرى إلى أن الدور الأساسي يظل محصورا بالهيئة المنظمة للاتصالات لوضع الضوابط والأطر الفنية المناسبة. وبين الترجيحين، يظل التداخل قائما بين ما هو سياسي وما هو تنظيمي، بانتظار اتضاح الآلية التي ستُعتمد لإدارة هذا الاستحقاق وتحديد الأولويات بين القرار والتنفيذ».
من هنا، وعن إذا كانت الهيئة أمام قرار سياسي أولا ثم تنظيم لاحق من قبلها، تشدد الهيئة على أن «منح الترخيص من قبل السلطة التنفيذية قد تم في ضوء القوانين والأنظمة المرعية الاجراء وقبل تعيين الهيئة و مباشرة عملها. وبعد مباشرة عملها قامت الهيئة بممارسة صلاحياتها وإصدار الشروط التنظيمية والفنية اللازمة، وتواصل استكمال الاجراءت والآليات التطبيقية قبل الإطلاق التجاري الكامل. ومعيار الهيئة واضح: لا تشغيل تجاري كامل قبل استيفاء الشروط التنظيمية والتقنية والأمنية المقررة».



