أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

المصارف والمركزي اتفقوا على التصرُّف بأموالنا… ويبدو أنّهم ما زالوا متفقين (الجمهورية 28 آب)

اتفاق الأمس، وتواطؤ اليوم. أصدرت جمعية المصارف افتتاحيتها الشهرية مطالبة بضمانات قانونية لأي إصلاح مصرفي. لكنّ كل خطاب عن الضمانات يقفز فوق السؤال الأهم: كيف تصرّف مصرف لبنان والمصارف بأموال أصحاب الحقوق، ومَن وافق على هذا؟

ما نشعره أنّ هناك اتفاقاً ضمنياً بين الأطراف كافة على حساب أصحاب الحقوق. والدليل الأساسي، أنّه بعد ما يقارب السبع سنوات على الانهيار، القاسم المشترك بين الجميع هو الصمت المريب حول حقيقة ما حصل وأين ذهب المال.

كفى عموميات… نريد الأرقام

خيرُ مثال على هذا الغموض المستمر، مثلاً في مقابلته الأخيرة، أعلن الحاكم السابق رياض سلامة أنّه بالإمكان إعادة الودائع، وأنّه أعاد إلى المصارف الأموال «الفريش» التي دخلت بين 2017 و2023، بل «فوقها 23 مليار دولار». ادّعاء بهذا الحجم، من رجل حكم مصرف لبنان 30 عاماً، لا يمكن أن يمرّ من دون أن يتصدّى له مَن يملك اليوم كل الدفاتر والسجلات: الحاكم الحالي كريم سعيد.

لكن كل ما سمعناه من سعيد حتى الآن هو كلام عن «مسؤولية مشتركة» و«أزمة نظامية هندسها القطاع العام على مدى عقود»، وأنّ الأموال ذهبت لتمويل الدولة. هذا توصيف، لا جواب. نحن لا نريد توصيفاً شعرياً جديداً للأزمة، نريد أرقاماً.

كم أخذ المركزي من كل مصرف؟ كم أُعيد فعلياً؟ لأي مصرف بالاسم؟ في أي تاريخ؟ وماذا فعل كل مصرف بما تبقّى لديه، بعدما أخذ المركزي ما أخذه منها؟ مصرف لبنان هو الجهة الوحيدة التي تملك جواباً عن هذه الأسئلة، لأنّه هو مَن نفّذ التحويلات وهو مَن يراقب كل مصرف في البلاد.

الصمت عن التفاصيل، بينما تُطلق التصريحات العامة يميناً ويساراً، ليس بريئاً. مصرف لبنان يعرف بالضبط كم بقي في كل مصرف من أموال أصحاب الحقوق وواجبه، كجهة رقابية، أن يعلن ذلك للجميع. ونرجو أن يُوضَّح دائماً أنّ «المسؤولية المشتركة» تعني المركزي والدولة والمصارف فقط. رجاءً لا تشركوا المودعين وأصحاب الحقوق، لأنّهم الضحية لسرقة القرن المقيتة.

مَن المستفيد من بقاء السرّ سرّاً؟

والأغرب، أنّ هذا التوافق الضمني بين المصارف والمركزي بعدم فتح الدفاتر، يمتد ليشمل السلطة السياسية بأكملها. الحكومات المتعاقبة تتصرَّف وكأنّ هناك شرطاً غير معلن بألّا تُسأل المصارف ولا المركزي. النواب الجدد، على رغم من خطابهم عن التغيير، لم يختلفوا عن سابقيهم في هذا الملف.

فلماذا يبقى الجميع – العتاق والجدد، المصارف والمركزي، الحكومة والنواب – متفقين ضمناً على ألّا يُسأل أحد عمّا حصل فعلياً بالمال؟ هل هناك مصلحة مشتركة بين كل هذه الأطراف في إبقاء الحسابات مقفلة؟

هذا التوافق على الصمت ليس صدفة. إنّه استمرار لنفس المنطق الذي حَكَم العلاقة بين المصارف والمركزي منذ البداية: التنسيق في ما بينهم، والغموض تجاه الناس.

وتعويضات نهاية الخدمة: هل هكذا تُستعاد الثقة؟

هل هكذا تُستعاد الثقة؟ بعد كل ما جرى بأصحاب الأعمال، تأتي الدولة اليوم لتطالبهم بدفع تعويضات نهاية الخدمة مرّة أخرى، وكأنّ الاشتراكات التي دفعوها عن موظفيهم لعشرات السنين لم تكن موجودة أصلاً.

أصحاب الأعمال دفعوا ما طُلب منهم، وسدّدوا الاشتراكات إلى الضمان، واحتُجزت أموالهم في المصارف، ولم يكونوا هم مَن يديرون هذه الأموال أو يقرّرون أين تُستثمر وكيف تُحفظ قيمتها. واليوم، بدل أن تُكشف المسؤوليات ويُفسّر أين ذهبت هذه الأموال، يُقال لهم ببساطة: هؤلاء موظفوكم، وعليكم أن تدفعوا من جديد.

فهل هذه هي الطريقة التي تريدون بها إعادة بناء الثقة مع المستثمرين؟ أصحاب الأعمال سُرقت أموالهم ومدّخراتهم وقدرتهم على الوصول إلى التمويل، ثم تأتي الدولة لتضع على عاتقهم كلفة جديدة، وكأنّهم هم المسؤولون عن سرقة الأموال التي سبق أن دفعوها؟

وهناك أصحاب أعمال ومؤسسات متعثرة أعمالهم وتكافح أصلاً للبقاء. فهل المطلوب القضاء عليهم نهائياً؟ وهناك أصحاب أعمال أفلسوا، وأقفلوا مؤسساتهم، وغادروا البلد، فمَن يعيد حقوق عمّالهم؟ إنّ تحميل القطاع الخاص كلفة ما جرى بهذه الطريقة ليس مجرّد إجراء مالي، بل ظلم اجتماعي غير مسبوق، ونتائجه ستكون كارثية على ما تبقّى من مؤسسات وفرص إنتاج في البلد. قبل أن تطالبوا الناس بإعادة الثقة، تذكّروا أنّ أبسط أصول الثقة تبدأ بالمصارحة. كيف يمكن أن تثق بمَن لم يصارحك بعد؟ أكشفوا كل شيء، قولوا الحقيقة كاملة، حدِّدوا أين ذهبت الأموال ومَن يتحمّل المسؤولية، وبعدها طالبوا الناس بالثقة.

طالبوا بقانون الشفافية. فمَن كانت نيّته صافية ونظيفة، فليطالب بالشفافية المطلقة، وليكشف كل شيء أمام الناس. فالشفافية لا يخشاها من ليس لديه ما يخفيه.

 

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى