هيكلة القطاع المصرفي في لبنان (الشرق الأوسط 26 آب )
أقرّت الهيئة العامة لمجلس النواب اللبناني في 12 أغسطس (آب) 2026 مشروع القانون لتعديل بعض مواد وإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، وذلك لتطوير إطار هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الأزمة المالية.
لم تجرِ عملية شاملة ونهائية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي بمعناه القانوني والحديث سوى مرّة واحدة، وذلك عبر إقرار مجلس النواب اللبناني قانون إعادة هيكلة المصارف في أغسطس (آب) 2025 لمعالجة تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، في حين شهد التاريخ المالي اللبناني سابقاً عمليات دمج وتصفية فردية لمصارف متعثّرة بشكل متفرّق من دون أن تشكّل هيكلة شاملة للقطاع بأكمله.
مرّ القطاع المصرفي في لبنان بمحطّات كبرى شكّلت عماد الاقتصاد الوطني، بدءاً من الانفتاح والازدهار في منتصف القرن العشرين، مروراً بأزمات هزّت المنطقة مثل سقوط «بنك إنترا» عام 1966، وصولاً إلى الهندسات المالية والانهيار المالي الذي بدأ في أواخر عام 2019.
إذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء نستطيع وصف مرحلة تطوّر النظام المصرفي في لبنان خلال المدة الممتدّة من الاستقلال عام 1943 حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 بمرحلة مفصليّة تبلورت خلالها الملامح الأساسية للاقتصاد الوطني اللبناني الذي اتّخذ طابعاً خدميّاً ليبرالياً منفتحاً على رأس المال العربي والأجنبي وذا امتدادات عربية ودولية، في وقت شهد تشكيل البنية المؤسسية للقطاع المصرفي وتحوّله إلى أحد الأعمدة الرئيسية والأساسيّة للاقتصاد الوطني، كما شهدت هذه الفترة تحوُّل النظام المصرفي من شبكة محدودة من المصارف إلى قطاع مصرفي متكامل.
ظهرت اللبنات الأولى للعمل المصرفي الحديث في لبنان خلال منتصف القرن التاسع عشر مع دخول المصارف الأجنبية في العهد العثماني، ثمّ إصدار الليرة عبر «بنك سوريا ولبنان». تأسست بعدها «جمعية المصارف» عام 1959 لتنظيم قطاع المال، ومن ثمّ أُنشئ «المصرف المركزي» رسميّاً عام 1963 وبدأ عمله 1964. هذا وقد تميزت تلك الفترة بحريّة نقديّة تامّة وسريّة ومصرفيّة جذبت رساميل ضخمة.
بعد اتّفاق الطائف عام 1989 وعودة الاستقرار، ركّز الاقتصاد في فترة (1990 – 2019) على استقطاب الودائع بالعملات الأجنبية بفوائد عالية، وتثبيت سعر صرف الليرة عند نحو 1507.5 ليرة للدولار الواحد منذ عام 1997 حتى 2019، كما أصبحت المصارف المموّل الأساسي لعجز الدولة والديْن العام عبر الاكتتاب بسندات الخزينة، لذلك اتّبع مصرف لبنان سياسات «هندسة مالية» لجذب الدولارات وحماية الاستقرار النقدي الظاهري.
في خريف 2019، شحّت السيولة بالدولار وانكشفت هشاشة النموذج الاقتصادي المعتمد على إعادة توجيه المصارف، مما جعل المصارف تفرض قيوداً غير رسميّة وقاسية على السحوبات والتحويلات الخارجية (الكابيتال كونترول) بعد أن فقدت الليرة اللبنانية الجزء الأكبر من قيمتها السوقيّة مقابل الدولار، ودخل الاقتصاد في انكماش حادّ. ولكن ما الذي تسبّب في الانهيار عام 2019؟
يعود لُبّ مشكلة الانهيار الاقتصادي في لبنان الذي بدأ في خريف عام 2019 إلى عوامل كثيرة ومتعدّدة، في مقدمتها نموذج ريعي غير إنتاجي قائم على هندسات مصرفية وهميّة، حيث راكم مصرف لبنان والدولة ديوناً ضخمة بفوائد مرتفعة لتمويل العجز. لكنها لم تكن السبب الوحيد، حيث مثّلت هذه الهندسات أداة رئيسية استنزفت الاحتياطيات وأوجدت فجوة مالية ضخمة، ترافقت مع اعتماد مصرف لبنان أسعار فائدة مرتفعة تفوق الخيال لجذب الدولارات من المصارف الخارجية من أجل تمويل عجز الدولة المستمر وخدمة الديْن المتراكم وتثبيت سعر صرف الليرة، مما راكم خسائر خفيّة هائلة وفجوة تجاوزت 70 مليار دولار أميركي أدّت إلى الانهيار الشامل في ظلّ فساد مستشرٍ وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات وغياب التخطيط الاقتصادي الشامل والارتفاع اللافت لرأس المال الخارجي، وتراجع التحويلات الخارجية من المغتربين، وتراجع تدفق العملات الصعبة التي كانت تغذي خزينة الدولة والبنك المركزي بعد عام 2011، مما أدّى إلى شحّ في السيولة ونضوب احتياطي الدولار. كما أن ضعف آليات الرقابة الفعّالة كان سبباً في اختلالات بنيويّة أسهمت في تعميق الأزمات المالية والاقتصادية، وهكذا آلت الأمور إلى ما آلت إليه من أزمات يعاني منها الاقتصاد الحالي.
أما تداعيات الانهيار منذ خريف 2019 فكانت مذهلة في فظاعتها، حيث توقّفت المصارف عن تسليم الودائع بالعملة الأجنبية بشكل غير قانوني وفقدت الليرة أكثر من 98 في المائة من قيمتها السوقيّة وانخفضت قيمة الأصول المصرفية بشكلٍ حاد. وأعلنت الدولة تخلّفها عن سداد ديونها الخارجية «اليوروبوند» في 7 مارس (آذار) 2020 بقيمة 1.2 مليار دولار للمرّة الأولى في تاريخ البلاد، وما زاد الطين بلّة هو غياب أيّ قطاع إنتاجي. هذا من الناحية الاقتصادية، أما من الناحية الاجتماعية فارتفعت معدلات الفقر المدقع والبطالة، مما أدّى إلى زيادة هجرة الشباب والأدمغة إلى الخارج وانخفضت التقديمات الاجتماعية (الصحية والتعليمية…)، وفي المحصّلة جُمِّدَت واحتُجِزَت مدخّرات المودعين في غياهب المصارف.
لقد واجه لبنان تراجعاً حاداً في السنوات الأخيرة منذ بداية الأزمة في 2019 حتى الآن، فمتى سيستيقظ المسؤولون من كبوتهم ليعودوا إلى رشدهم ويتّبعوا إدارة رشيدة لهذا البلد من أجل إعادة ثقة اللبنانيين ووضع لبنان على السكة الحقيقية الصحيحة؟!



