أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

عقوبات واشنطن الجديدة على “حزب الله” تضع لبنان أمام استحقاق حاسم (نداء الوطن 22 آب)

لا تُعدّ حزمة العقوبات الأميركية الأخيرة مجرد محاولة جديدة لتجميد أموال مرتبطة بـ “حزب الله”، بل هي إدانة أشد صرامة للفشل السياسي المركزي في لبنان، بحسب مصدر دبلوماسي أميركي. فقد أشار المصدر إلى أن خطوة واشنطن تكشف عن “دولة لا تزال عاجزة عن إثبات أن أراضيها ونظامها المالي ومعابرها الحدودية وقراراتها الأمنية بمنأى عن سيطرة شبكة مسلحة إيرانية”، مشيرًا إلى أن عقوبات وزارة الخزانة الأميركية على أشخاص يشكلون شبكة لنقل الأموال لصالح “حزب الله” و”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، مستخدمين رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران لنقل مبالغ تصل إلى مئات الملايين من الدولارات خارج النظام المالي الرسمي، تصبّ في هذه الخانة.

وتعليقًا على إعادة واشنطن تصنيف “حزب الله” بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 (وتعديلاته)، وذلك لخدمته النظام الإيراني تحت قيادة “فيلق القدس”، أكد المصدر الدبلوماسي الأميركي أن هذا التصنيف الجديد يمثل تحولا جوهريًا في كيفية توصيف واشنطن لـ “حزب الله”، إذ يؤكد أن “الحزب” لا يعمل كمنظمة مستقلة بذاتها، بل كذراع تابعة للجهاز العسكري والأمني الإيراني. كما يعني هذا التصنيف أن العقوبات المستقبلية التي ستُفرض على الحرس الثوري الإيراني ستطال “حزب الله” أيضًا. فيما أكد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن هذا التصنيف “يحدد حزب الله كوكيل لإيران، وليس ككيان يعمل بشكل مستقل”.

وعن إعلان وزارة الخزانة الأميركية بأن إيران تستخدم “حزب الله” لبث الفوضى في أنحاء الشرق الأوسط، وتقويض سيادة لبنان، وتهديد حلفائنا الإقليميين، قال مصدر قريب من الوزارة لـ”نداء الوطن”: “إن الإجراء المتمثل في إعادة تصنيف “حزب الله” وفرض عقوبات على عشرة أفراد نقلوا أموالا نقدية بين فيلق القدس التابع للحرس الثوري و “حزب الله” يبرهن على عزمنا على قطع شبكات تمويل الإرهاب هذه”.

وكانت الخارجية الأميركية قد أكدت أن واشنطن لا تنظر إلى هذه العقوبات باعتبارها مجرد إجراء ضيق لتنفيذ القوانين المالية، بل كجزء من حملة أوسع لإضعاف وكلاء إيران الإقليميين، وذلك دعمًا لمبدأ أن مؤسسات الدولة اللبنانية (وليس منظمة مسلحة مدعومة من الخارج) هي التي يجب أن تبسط سيطرتها السياسية والأمنية على كامل لبنان. وقد عبّر المتحدث باسم وزارة الخارجية، تومي بيغوت، عن الفكرة ذاتها بلهجة أكثر مباشرة، قائلا: “لن تتوانى الولايات المتحدة عن استهداف شبكات الدعم المالي الإيرانية، بما في ذلك تلك التي تمكّن “حزب الله” من تهديد السلام، وتقويض سيادة الدولة اللبنانية، وتعريض أمن حلفائنا الإقليميين للخطر”.

من هنا، دعت مصادر أميركية قريبة من البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي بيروت إلى اعتبار “هذه اللغة ذات دلالات سلبية لتفسيرات لبنان بأن “حزب الله” جزء من نسيجه وأنه حركة مقاومة لبنانية”، وشددت هذه المصادر على أنه لم يعد مسموحًا باحتفاظ “الحزب” بترسانته المسلحة، وعلاقات قيادييه الخارجية، واستقلالية هيكل تمويله العابر للمنطقة. وقالت هذه المصادر إن “خطوة واشنطن هي رسالة واضحة للدولة، بدءًا من الرئاسة إلى الحكومة وقيادة الجيش، وصولًا إلى مجلس النواب، بأن هذه التفسيرات هي “وهم دبلوماسي” ولم تعد مقبولة بتاتًا، خصوصًا من فريق الرئيس ترامب”.

واعتبرت هذه المصادر أن “خطوة واشنطن ليست جديدة كليًا، فقد بدأت بتصنيفات “حزب الله” منظمة إرهابية منذ عام 1997، غير أن المبررات المحدثة لهذا التصنيف تغيّر المشهد الدبلوماسي بكليته، إذ لم تعد وزارة الخزانة تكتفي بمعاقبة “الحزب” بسبب أنشطته الإرهابية فحسب، بل باتت تؤسس لتصنيفه رسميًا على تبعيته لـ “فيلق القدس”.

وتقول مصادر في الكونغرس الأميركي إن تداعيات هذه الإجراءات تتجاوز الأفراد المشمولين بالتصنيف، إذ أصبح لدى الهيئات التنظيمية والادعاء العام في الولايات المتحدة إطار عمل أكثر وضوحًا للتعامل مع الشبكات المالية المرتبطة بإيران و”حزب الله” باعتبارها أنظمة متداخلة. من هنا، تُعدّ هذه الرسالة موجهة إلى المصارف وشركات الصرافة وشركات الطيران وشركات التأمين وشركات الخدمات اللوجستية، وهي واضحة لا لبس فيها: فالمعاملات التي تتضمن “حزب الله” قد تُعامل أيضًا بوصفها معاملات تخدم الجهاز الأمني الإيراني.

ودقت هذه المصادر ناقوس خطر مالي، مشيرة إلى أن “هذا يشكل خطورة خاصة على لبنان، نظرًا لأن اقتصاده في مرحلة ما بعد الانهيار يعمل بالفعل في ظل غياب الشفافية”. وأضافت أنه “رغم أن واشنطن لا تفرض حظرًا شاملا على لبنان، إلا أنها تعزز الانطباع بأن لبنان بيئة عالية المخاطر فيما يتعلق بالعقوبات، ومكان تتشابك فيه مؤسسات الدولة الرسمية والاقتصاد الموازي لـ “حزب الله” لدرجة تثير القلق”. وتقول هذه المصادر إنه قد يكون لهذا الانطباع أثر سلبي يفوق أثر قرارات التصنيف، إذ لا تحتاج المؤسسات المالية الأجنبية إلى فرض حظر شامل لكي تتخذ إجراءات للحد من المخاطر، بل يمكنها إبطاء وتيرة التحويلات، وإنهاء علاقات المراسلة المصرفية، وتشديد الرقابة على العملاء اللبنانيين، وتجنب القطاعات التي تنطوي على مخاطر سياسية.

في موازاة ذلك، لفتت مصادر أميركية إلى أن التوقيت يزيد من حدة الضغوط على بيروت، إذ تأتي هذه العقوبات في وقت تسعى فيه واشنطن لإنجاح “صيغة الإطار”، لا سيما “المناطق التجريبية”. غير أن عملية انطلاق “المناطق التجريبية” تبدو بطيئة ومحفوفة بالصعوبات السياسية في ظل رفض “حزب الله” التخلي عن سلاحه، وبالتالي من غير المرجح أن تواصل إسرائيل انسحابها دون التحقق من نزع السلاح. وفي ظل تقارير تفيد بأن “عناصر ومنظمات تابعة لـ “حزب الله” عادت إلى زوطر الغربية بعد انتشار الجيش اللبناني هناك”، أشارت مصادر في الخارجية إلى أن واشنطن تسعى للحصول على توضيح من لبنان، لأن دخول عناصر من “الحزب” أو منظمات تابعة له إلى “المناطق التجريبية” يتعارض مع صيغة الإطار الثلاثي.

من هنا، تشير مصادر أميركية إلى أن العقوبات تتقاطع مع مسألة السيطرة على الأرض؛ إذ تستهدف أحدث إجراءات واشنطن الشرايين المالية التي تتيح لحزب الله إعادة بناء قدراته. وتختبر “المناطق التجريبية” مدى قدرة لبنان على قطع وصول الميليشيا فعليًا إلى الأراضي والمنازل والطرق والغطاء الإنساني. فإذا تمكنت الجهات المرتبطة بحزب الله من العودة إلى منطقة خُصصت أصلا لإثبات نزع السلاح، فإن حملة التضييق المالي تصبح جزءًا من حجة أميركية أوسع مفادها بأن لبنان إما عاجز أو غير راغب في فرض سيادته فيما يتعلق بالحزب. وبناءً على ذلك، يمنح هذا الإجراء واشنطن حجة للضغط على حلفائها الدوليين لتقليص الفوارق في تصنيفاتهم.

في هذا السياق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية لـ “نداء الوطن” إن “واشنطن لا تؤيد تمديد ولاية اليونيفيل التي فشلت في مهمتها”، مشيرًا إلى أن “حزب الله بنى بنية تحتية عسكرية ضخمة في محيط مواقعها المباشر، مستغلا في بعض الأحيان وجود قواتها على مقربة منه لحماية منشآته وعملياته”. وشدد على أن “الآن مرحلة مختلفة مع تنفيذ صيغة الإطار، وأن التنفيذ الناجح يرسخ أولا دعائم علاقات مستقرة وسلمية بين إسرائيل ولبنان. وتوازيًا، يسمح بمناقشة ترتيبات تدعم فعليًا نزع سلاح “حزب الله”، وتعزز قدرات الجيش، وتوطد السيادة اللبنانية”.

وفي الخلاصة، تحذّر المصادر الأميركية من أن التداعيات السلبية واضحة، وقد تؤدي إلى أن تصبح العلاقة بين لبنان وواشنطن أكثر ارتباطًا بالشروط، وأكثر خضوعًا لمنطق المقايضة، مؤكدة أنه رغم استمرار المساعدات الأميركية للجيش والدولة، فإنها ستكون مشروطة باتخاذ إجراءات ملموسة ضد البنية التحتية العسكرية والمالية لـ “حزب الله”. كما أن الصبر الدبلوماسي سينفد إذا تحولت “المناطق التجريبية” إلى مجرد إجراءات شكلية ورمزية، بينما يعود أفراد تابعون للحزب تحت غطاءات مدنية.

 

بواسطة
أمل شموني
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى