كيف تحولت معركة إبعاد الأطفال عن وسائل التواصل إلى حملة عالمية؟
الحظر الأسترالي يشعل موجة تشريعات جديدة وسط جدل حول فاعلية القيود وطرق التحقق من أعمار المستخدمين

منذ أن منعت أستراليا من هم دون 16 عاماً من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في أواخر 2025، أقر أكثر من 20 بلداً حظراً مماثلاً أو بدأ دراسة فرض قيود مشابهة.
تشمل هذه الدول عدداً من البلدان الأوروبية، إلى جانب دول نامية مثل إندونيسيا وفيتنام والبرازيل. وبينما يبدو من غير المرجح أن تحذو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حذوها، بدأت عدة ولايات، من بينها كاليفورنيا، التعامل بجدية مع تنظيمات محتملة للحد من استخدام الشباب لوسائل التواصل الاجتماعي.
يقول مؤيدو هذه الإجراءات إنها تشير إلى تحول جذري نحو طفولة خالية من التصفح المستمر للشاشات. لكن تساؤلات بدأت تظهر بالفعل بشأن مدى فاعلية الحظر الأسترالي. فقد وُجهت اتهامات إلى شركات التكنولوجيا العملاقة، بما فيها “ميتا بلاتفورمز” و”سناب”، بعدم تطبيق الحظر على منصاتها بالشكل المطلوب. كما يبدو أن كثيراً من المراهقين يجدون طرقاً للتحايل عليه.
لماذا تتزايد الدعوات إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال؟
تزايدت في السنوات الأخيرة المخاوف بشأن آثار الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، في وقت حاول فيه متخصصون في المجال الطبي تفسير ارتفاع مشكلات الصحة النفسية المبلغ عنها بين الشباب، خصوصاً في الدول الغربية ذات الدخل المرتفع.
وزعمت دعاوى قضائية رُفعت في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة أن شركات التواصل الاجتماعي ألحقت أضراراً خطيرة بالمستخدمين الشباب من خلال تصميم منصاتها بطريقة تجعل مقاومتها صعبة.
وأشارت دراسات أكاديمية إلى أن الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات يمكن أن يعيق نمو الطفل. كما أن التعرض المفرط للوسائط الرقمية سريعة الوتيرة قد يجعل من الصعب على الأطفال التركيز على المهام البطيئة والهادئة.
كذلك، فإن قضاء وقت طويل منفردين أمام الهواتف الذكية يحرم الأطفال من التفاعلات البشرية التي يقول الخبراء إنهم يحتاجون إليها ليصبحوا بالغين واثقين بأنفسهم وقادرين على التعامل مع الحياة العملية وتكوين علاقات صحية ومستدامة. وارتبطت وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً بحالات واسعة النطاق من التنمر والاعتداء الجنسي والابتزاز، أدت إلى إيذاء النفس والانتحار.
وفي كتابه الأكثر مبيعاً الصادر عام 2024 بعنوان “الجيل القلق”، ربط عالم النفس الأميركي جوناثان هايدت ارتفاع معدلات الأمراض النفسية بين المراهقين، الذي بدأ تقريباً في 2012، بتحول اجتماعي من “طفولة قائمة على اللعب” وصحية في العالم الحقيقي إلى “طفولة قائمة على الهاتف” وتسبب الإدمان.
لعب الكتاب دوراً في التعجيل بفرض الحظر الأسترالي، كما كلّف عدد من القادة، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خبراء بإعداد تقارير لإجراء مزيد من البحث في هذه القضية.
وتقول شركات التكنولوجيا المالكة لخدمات التواصل الاجتماعي إنها ملتزمة بسلامة المستخدمين، وغالباً ما تشير إلى الميزات التي طبقتها على مر السنين لحماية المراهقين.
هل تقليل استخدام وسائل التواصل يجعل الأطفال أكثر سعادة؟
هناك أدلة متضاربة بشأن العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للأطفال. ويناقش الأكاديميون مدى ارتباط الزيادة في المشكلات النفسية التي لوحظت بين الشباب في عدة دول بقضائهم وقتاً أطول على الإنترنت، أو بعوامل أخرى مثل ضغوط النجاح الأكاديمي وتزايد الوعي بقضايا الصحة النفسية والإبلاغ عنها.
ويقول بعض الباحثين إن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت جانباً مهماً من الحياة الاجتماعية للأطفال. وخلص استطلاع حديث شمل نحو 30 ألف طفل أوروبي أجرته كلية لندن للاقتصاد إلى أن “النتائج لا تدعم تفسيراً مبسطاً مفاده أن الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي آمن بوضوح أو ضار بوضوح”.
كيف يعمل الحظر الأسترالي؟
يلزم التشريع الأسترالي مشغلي منصات، من بينها “تيك توك” و”إنستغرام” و”سناب شات” و”يوتيوب” و”فيسبوك” و”إكس”، باتخاذ خطوات معقولة لمنع من هم دون 16 عاماً من استخدام خدماتها. ويتعين عليها تعطيل حسابات المستخدمين دون السن المسموح بها أو تقييد الوصول إليها، ويستخدم العديد منها أنظمة تقنية للتحقق من الأعمار.
هناك 3 طرق تُستخدم عادةً: الأولى هي التحقق من العمر، وتتضمن تقديم المستخدمين وثيقة تثبت أعمارهم؛ والثانية هي تقدير العمر، وتعتمد على البيانات البيومترية مثل الوجه أو الصوت أو غيرهما من السمات؛ والثالثة هي استنتاج العمر، وتعتمد على السلوك عبر الإنترنت، مثل سجل التصفح أو شبكات الصداقة أو اختيار الكلمات، في محاولة لتحديد العمر.
ماذا تفعل الدول الأخرى؟
تتراوح الإجراءات التي تطبقها الحكومات أو تناقشها بين الحظر الكامل، واشتراط موافقة الوالدين حتى يتمكن الأطفال من الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومنع شركات التواصل الاجتماعي من إنشاء ملفات تعريف خوارزمية للمستخدمين الأصغر سناً بهدف استهدافهم بمحتوى مخصص.
أعلنت حكومة المملكة المتحدة في يونيو فرض “حظر كامل” على استخدام من هم دون 16 عاماً لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب حظر الاستخدام بعد منتصف الليل، واقتراح إلغاء ميزات للأطفال مثل التشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو والمحتوى المخصص.
ورغم أن الحكومة قالت إن الحظر الذي تستهدف تطبيقه في ربيع 2027، سيتبع النموذج الأسترالي، فإنه لا يزال من غير الواضح تماماً كيف ستُطبق القيود. وكما هو الحال مع الحظر الأسترالي، لا يُتوقع أن تشمل الإجراءات البريطانية تطبيقات المراسلة مثل “واتساب” أو المنصات التعليمية مثل “جوجل كلاس روم”.
في يوليو، أصبحت فرنسا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تقر قانوناً يحظر استخدام الشباب لوسائل التواصل الاجتماعي. ومن المقرر أن يدخل الإجراء حيز التنفيذ اعتباراً من يناير 2027.
ونظراً إلى أن قانون الاتحاد الأوروبي لا يسمح في معظم الحالات إلا للمفوضية الأوروبية بفرض غرامات على المنصات التي يتجاوز عدد مستخدميها 45 مليوناً، صُمم التشريع الفرنسي ليتكامل مع “قانون الخدمات الرقمية” في الاتحاد، الذي يجعل شركات التواصل الاجتماعي مسؤولة عن إزالة أي محتوى غير قانوني من مواقعها.
وفي فرنسا، سيشمل ذلك الآن أي تفاعل لمن هم دون 15 عاماً على هذه المنصات. ويسمح “قانون الخدمات الرقمية” للاتحاد الأوروبي والحكومات الوطنية بفرض غرامات على المنصات غير الممتثلة تصل إلى 6% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية لمقدم الخدمة.
قيود وسائل التواصل الاجتماعي تنتشر عالمياً
تدرس المفوضية الأوروبية أيضاً إجراءات مختلفة لا تصل، في الوقت الراهن، إلى حد فرض حظر كامل على مستوى القارة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي.
وتعتزم رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين اقتراح قواعد جديدة تشترط إشراف شخص بالغ مسؤول على أي طفل دون 13 عاماً عند استخدام هذه المنصات، وتفرض حظراً كاملاً على وقت الشاشة للأطفال دون سن 3 سنوات. أما وصول المراهقين الأكبر سناً فسيصبح مشروطاً بتطبيق شركات التواصل الاجتماعي تدابير سلامة محددة. ومن المتوقع إدراج بعض متطلبات السلامة الجديدة في “قانون العدالة الرقمية” المرتقب.
واعترضت الحكومة الأميركية على خطط المملكة المتحدة، إذ قال البيت الأبيض إن الحظر سيفرض “أعباء امتثال غير متناسبة على الشركات الأميركية”، ومن المرجح ألا يكون فعالاً في منع المراهقين الأصغر سناً من استخدام المنصات.
هل ينجح الحظر الأسترالي؟
قالت الحكومة في يناير إن نحو 5 ملايين حساب لمستخدمين دون السن القانونية أُغلقت خلال الأسابيع التالية لدخول الحظر حيز التنفيذ. وأظهر استطلاع في مارس أن 3 من كل 5 بالغين يعتقدون أن الحظر كان فعالاً.
لكن أبحاثاً لاحقة أشارت إلى صورة أكثر تعقيداً. فقد أظهر استطلاع أُجري في أبريل وشمل أكثر من 700 مراهق أسترالي أن واحداً فقط من كل 4 ممن تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاماً كان يمتنع عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
ووفق الجهة التنظيمية، فإن نحو 70% من الآباء الذين قالوا إن أطفالهم كانت لديهم حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي قبل الحظر أفادوا بأن أطفالهم لا يزال لديهم حساب واحد على الأقل. وقال بعض الأطفال إنهم لم يواجهوا أي عمليات للتحقق من العمر. بينما استخدم آخرون حسابات بالغين أو لجأوا إلى الشبكات الافتراضية الخاصة، وهي أدوات تخفي موقع المستخدم للتحايل على القيود المفروضة في دول بعينها.
وفي يونيو، اتهمت الحكومة شركات التواصل الاجتماعي بعدم بذل ما يكفي للامتثال للحظر. وتعهدت بمضاعفة الحد الأقصى لغرامة المخالفات من 49.5 مليون دولار أسترالي إلى 99 مليون دولار أسترالي، أي ما يعادل 69 مليون دولار أميركي، ومنح هيئة مراقبة السلامة على الإنترنت في البلاد صلاحيات إضافية للإنفاذ. وحتى الآن، لم تُفرض غرامة على أي منصة تواصل اجتماعي بسبب انتهاك الحظر.
أظهر تقرير نشرته هيئة تنظيم السلامة على الإنترنت في أستراليا في أواخر يوليو أن نسبة من هم دون 16 عاماً الذين أفادوا باستخدام منصة للتواصل الاجتماعي في مارس بلغت 81.5%، مقارنةً بـ85.9% قبل دخول القانون حيز التنفيذ في ديسمبر.
ويقول مؤيدو قواعد الحد الأدنى للسن لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي إن الامتثال الكامل في أستراليا لم يكن متوقعاً من الأساس، وإن الحظر يحظى بدعم واسع بين الآباء هناك، وإن نجاحه ينبغي أن يُقاس على المدى الطويل.
كيف تستفيد المملكة المتحدة ودول أخرى من تجربة أستراليا؟
قالت حكومتا المملكة المتحدة وفرنسا إنهما ستختاران أكثر وسائل التحقق من العمر فاعلية وتعملان على تطبيقها، بدلاً من ترك هذا الجانب للشركات كي تقرره.
كما طلبتا من الجهات التنظيمية الوطنية تحديد أنسب أنظمة ضمان العمر. بل إن الاتحاد الأوروبي كشف عن تطبيق خاص به للتحقق من العمر في محاولة لوضع معيار موحد للقارة.
ووفق هيئة الإذاعة البريطانية، كانت حكومة المملكة المتحدة برئاسة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر تدرس تقييد استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة لفئات عمرية معينة. وليس من الواضح ما إذا كان خليفته آندي بيرنام سيتبنى الفكرة. وأشار خبراء في مركز الأبحاث الداخلي التابع للبرلمان الأوروبي إلى أن الشبكات الافتراضية الخاصة تخلق ثغرة في تطبيق أنظمة حماية الأطفال على الإنترنت، لكن المفوضية لا تخطط في الوقت الراهن لتنظيم استخدامها.



